الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١) بِدَلِيل مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﵊: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَ كُل وُضُوءٍ. (٣)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " اسْتِيَاكَ ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا ".

هـ - غَسْل الْبَرَاجِمِ:

٩ - الْبَرَاجِمُ هِيَ رُءُوسِ السُّلاَمَيَاتِ فِي ظَهْرِ الْكَفِّ (٤) وَغَسْل الْبَرَاجِمِ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مُخَصَّصَةٍ بِالْوُضُوءِ، وَأَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ بِهَا إِزَالَةَ مَا يَجْتَمِعُ مِنَ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الأُْذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَسْحِ (٥) وَقَال الْغَزَالِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ لاَ تَغْسِل الْيَدَ عَقِبَ الطَّعَامِ فَيَجْتَمِعُ فِي تِلْكَ الْغُضُوفِ وَسَخٌ، فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا (٦) .

_________

(١) المجموع ١ / ٢٧٠ - ٢٧١، فتح القدير لابن الهمام ١ / ١٥، ١٦ طبعة بولاق، بدائع الصنائع للكاساني ١ / ١٢٤، الناشر زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة بالقاهرة، والمغني ١ / ٩٦.

(٢) حديث: " السواك مطهرة للفم. . . " أخرجه النسائي (١١ / ١٠) وصححه النووي في المجموع (١ / ٢٦٧) .

(٣) حديث: " لولا أن أشق على أمتي. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٠) والرواية الأخرى أخرجها ابن خزيمة (١ / ٧٣) .

(٤) المصباح المنير.

(٥) المجموع ١ / ٢٨٨.

(٦) فتح الباري ١٢ / ٤٥٧.

و- نَتْفُ الإِْبِطِ:

١٠ - نَتْفُ الإِْبِطِ مُتَّفَقٌ عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَالتَّوْقِيتُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْحْوَال، وَالسُّنَّةُ نَتْفُهُ، فَلَوْ حَلَقَهُ جَازَ، قَال الْغَزَالِيُّ: الْمُسْتَحَبُّ نَتْفُهُ وَذَلِكَ سَهْلٌ لِمَنْ تَعَوَّدَهُ، فَإِنْ حَلَقَهُ جَازَ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ وَعَدَمُ اجْتِمَاعِ الْوَسَاخَةِ فِيهِ، إِذْ يَحْصُل بِسَبَبِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ. (١)

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: النَّتْفُ سُنَّةٌ، لأَِنَّهُ مِنَ الْفِطْرَةِ، وَيَفْحُشُ تَرْكُهُ، وَيَجُوزُ إِزَالَتُهُ بِالْحَلْقِ وَالنُّورَةِ غَيْرَ أَنَّ نَتْفَهُ أَفْضَل لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ (٢) وَأَفْضَلِيَّةُ النَّتْفِ هِيَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا (٣) .

ز - الْخِتَانُ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْخِتَانِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرِّجَال، وَأَمَّا فِي النِّسَاءِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُمَةٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاءِ.

_________

(١) المجموع ١ / ٢٨٨، ٢٨٩.

(٢) المغني ١ / ٨٧.

(٣) الاختيار ٣ / ١٢١.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " خِتَان ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا "

ح - تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ:

١٢ - تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ سُنَّةٌ إِجْمَاعًا سَوَاءٌ فِيهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْيَدَانِ وَالرِّجْلاَنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ الرِّجْل الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى.

أَمَّا التَّوْقِيتُ فِي التَّقْلِيمِ فَالاِعْتِبَارُ بِالطُّول، فَمَتَى طَالَتِ الأَْظْفَارُ يَتِمُّ تَقْلِيمُهَا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْحْوَال كَمَا هُوَ الضَّابِطُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الإِْبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " أَظْفَار ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا ".

ط - حَلْقُ الْعَانَةِ:

١٣ - حَلْقُ شَعْرِ الْعَانَةِ مُتَّفَقٌ عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِذَا أَمَرَهَا الزَّوْجُ بِالْحَلْقِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَفْحُشْ بِحَيْثُ يُنَفِّرُ الزَّوْجَ وَيُؤَثِّرُ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الْمُخَالَطَةِ وَيُقَلِّل التَّوَقَانَ، أَمَّا إِذَا نَفَّرَ الزَّوْجَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَلْقُ قَطْعًا.

وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَحْلِقَ عَانَتَهُ بِنَفْسِهِ وَيَحْرُمُ

_________

(١) المجموع ١ / ٢٨٥، والمنتقى ٧ / ٢٣٢، والمغني ١ / ٨٧، الاختيار ٣ / ١٢١.

إِسْنَادُ الْقِيَامِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ لأَِنَّهُ إِظْهَارٌ لِلْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ تَتَوَلَّى الْحَلْقَ زَوْجَتُهُ الَّتِي يُبَاحُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى عَوْرَتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " عَانَة ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا ".

ى - الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ:

١٤ - فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ أَرْبَعَةُ آرَاءٍ وَهِيَ:

أ - أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَهُوَ مَا يَرَاهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَقَتَادَةَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ.

ب - أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَعَطَاءٍ.

ج - أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْغُسْل سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.

د - الاِسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل أَمَّا الْمَضْمَضَةُ فَسُنَّةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَدَاوُدَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ (٢) .

_________

(١) المجموع ١ / ٢٨٩، المغني ١ / ٨٦، الاختيار ٣ / ١٢١.

(٢) تبيين الحقائق ١ / ١٠، والمجموع ١ / ٣٦٢، المغني ١ / ١١٨، وجواهر الإكليل ١ / ١٤، ٢٢.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَضْمَضَة) .

كَ - الْفِطْرَةُ بِمَعْنَى زَكَاةِ الْفِطْرِ:

١٥ - أَضَافَ الْفُقَهَاءُ إِلَى لَفْظِ الْفِطْرَةِ لَفْظَ الزَّكَاةِ الَّتِي تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ لأَِنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا، وَقِيل لَهَا فِطْرَةٌ كَأَنَّهَا مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ، قَال النَّوَوِيُّ: يُقَال لِلْمُخْرَجِ فِطْرَةٌ. (١)

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٤٠١، وكشاف القناع ٢ / ٢٤٥.

فِعْل الرَّسُول

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُصْطَلَحُ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ تَرْكِيبَ إِضَافَةٍ: فِعْلٌ، وَالرَّسُول.

وَالْفِعْل بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: حَرَكَةُ الإِْنْسَانِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَمَلٍ، يُقَال: فَعَل الشَّيْءَ وَبِهِ يَفْعَلُهُ: عَمِلَهُ.

وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

وَالرَّسُول فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ الْمُرْسِل بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ بِالتَّسْلِيمِ أَوِ الْقَبْضِ، وَالَّذِي يُتَابِعُ أَخْبَارَ الَّذِي بَعَثَهُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ، (١) قَال تَعَالَى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُول رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . (٢)

وَمِنْ مَعَانِي الرَّسُول فِي الاِصْطِلاَحِ: الْوَاحِدُ مِنْ رُسُل اللَّهِ، وَالرَّسُول مِنَ الْبَشَرِ هُوَ: ذَكَرٌ حُرٌّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأَمَرَهُ

_________

(١) لسان العرب، ومتن اللغة، وتاج العروس.

(٢) سورة الشعراء / ١٦.

بِتَبْلِيغِهِ (ر: رَسُول ف ١) .

وَإِذَا وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا بِلاَ قَرِينَةٍ يُقْصَدُ بِهِ: مَا نُقِل إِلَيْنَا مِنْ أَفْعَال الرَّسُول مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - قَوْل الرَّسُول:

٢ - هُوَ مَا تَلَفَّظَ بِهِ الرَّسُول، وَإِذَا وَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ مُطْلَقًا عَنِ الْقَرِينَةِ أَوْ أُضِيفَ إِلَى رَسُول اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ مَا نُقِل إِلَيْنَا مِنْ أَقْوَالِهِ ﷺ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كِلَيْهِمَا فِيهِ إِعْرَابٌ عَنِ الْمُرَادِ، وَكِلاَهُمَا مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ، إِذَا أَضِيفَا إِلَى الرَّسُول ﷺ.

ب - تَقْرِيرُ الرَّسُول:

٣ - تَقْرِيرُ الرَّسُول هُوَ مَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ عِلْمِهِ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ سَكَتَ عَنْهُ، أَوْ ظَهَرَتْ مِنْهُ عَلاَمَةُ الرِّضَا بِهِ، وَهُوَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عَنِ الْقَرِينَةِ أَوْ إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُصْرَفُ إِلَى تَقْرِيرِ الرَّسُول مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ فِعْل الرَّسُول وَقَوْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ أَنَّهَا جَمِيعًا مِنَ السُّنَّةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الرَّسُول مُحَمَّدٍ ﷺ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْل رَسُول اللَّهِ ﷺ:

أَنْوَاعُ أَفْعَال الرَّسُول ﷺ:

٤ - عُنِيَ عُلَمَاءُ الأُْصُول بِأَفْعَال الرَّسُول ﵊

عِنَايَتَهُمْ بِأَقْوَالِهِ، فَتَكَلَّمُوا فِي دَلاَلَتِهَا عَلَى الأَْحْكَامِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ، وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، وَبَيَانِ الْمُجْمَل، وَالنَّسْخِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَأَفْعَال الرَّسُول ﵊ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

أَوَّلًا: جِبِلِّيٌّ، كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَاللُّبْسِ، وَمَا شَاكَل ذَلِكَ.

ثَانِيًا: قُرَبٌ، كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ.

ثَالِثًا: مُعَامَلاَتٌ، كَالْبَيْعِ وَالزَّوَاجِ.

فَالأَْفْعَال الْجِبِلِّيَّةُ لاَ يَقْتَضِي فِعْلُهُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ إِبَاحَتِهَا اتِّفَاقًا.

أَمَّا غَيْرُهَا، فَإِنْ ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ بِهَا بِدَلِيلٍ، كَانَتْ خَاصَّةً بِهِ، وَلَيْسَتْ أُمَّتُهُ مِثْلَهُ فِيهَا، كَمُوَاصَلَةِ الصَّوْمِ، وَالزَّوَاجِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ.

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ مُخْتَصَّةً بِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ، أَوْ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقٍ، أَوْ تَخْصِيصٌ لِعَامٍّ، كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَهُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنْ عُرِفَتْ صِفَتُهُ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ، فَإِنَّ أُمَّتَهُ فِي ذَلِكَ مِثْلُهُ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ احْتِجَاجًا وَاقْتِدَاءً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، وَالتَّأَسِّي: أَنْ تَفْعَل مِثْل مَا يَفْعَلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ.

أَمَّا الْفِعْل الْمُجَرَّدُ مِنَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى وُقُوعِهِ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ عَلَيْنَا اخْتِلاَفًا طَوِيلًا، فَمِنْ قَائِلٍ بِالْوُجُوبِ عَلَيْنَا، وَمِنْ قَائِلٍ بِالنَّدْبِ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالإِْبَاحَةِ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّوَقُّفِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِفِعْل الرَّسُول ﷺ:

٥ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِفِعْل الرَّسُول ﵊، وَقَال الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ، لأَِنَّهَا غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى شَيْءٍ، وَقَال الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمَنْعِ إِذَا فَعَلَهُ مَرَّةً، لاِحْتِمَال أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَمَّا إِذَا تَكَرَّرَ فَإِنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ بِالإِْجْمَاعِ (٣) .

_________

(١) سورة الأحزاب / ٢١.

(٢) الفصول من الأصول ٣ / ٢١٥ وما بعدها، وحاشية البناني ٢ / ٩٦ وما بعدها، والتحصيل من المحصول تحقيق محيي الدين عبد الحميد ١ / ٤٣٦ وما بعدها والمستصفى للغزالي ٢ / ٢١٤ وما بعدها.

(٣) البحر المحيط ٣٣ / ٣٨٧ - ٣٨٩، وحاشية البنان على شرح المحلي على متن جمع الجوامع ٢ / ٣١، والمستصفى للغزالي ٢ / ١٠٦ - ١٠٧.

بَيَانُ الْمُجْمَل بِفِعْل الرَّسُول ﵊:

٦ - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِي وُقُوعِ بَيَانِ الْمُجْمَل بِفِعْل الرَّسُول ﷺ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ بَيَانًا لَهُ، وَمَنَعَهُ إِسْحَاقُ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَفِي الْمَحْصُول: لاَ يُعْلَمُ كَوْنُ الْفِعْل بَيَانًا لِمُجْمَلٍ إِلاَّ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ:

أَوَّلًا - أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ قَصْدِهِ ﷺ.

ثَانِيًا - أَوْ بِالدَّلِيل اللَّفْظِيِّ، كَقَوْلِهِ مَثَلًا: هَذَا بَيَانٌ لِهَذَا الْمُجْمَل.

ثَالِثًا: أَوْ بِالدَّلِيل الْعَقْلِيِّ: بِأَنْ يَذْكُرَ الْمُجْمَل وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَى الْعَمَل بِهِ، ثُمَّ يَفْعَل فِعْلًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لَهُ.

وَقَال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الأَْحْمَرِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الْفِعْل يَصْلُحُ بَيَانًا بِشَرْطِ انْضِمَامِ بَيَانٍ قَوْلِيٍّ إِلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى ثُمَّ قَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (١) فَصَارَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾، (٢) وَاشْتَغَل بِأَفْعَال الْحَجِّ ثُمَّ قَال: خُذُوا عَنِّي

_________

(١) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١١) من حديث مالك بن الحويرث.

(٢) سورة البقرة / ٤٣.