الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

فُطِمَ وَلَكِنْ أَرْضَعَتْهُ بَعْدَ فِطَامِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نَشَرَ الْحُرْمَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنِ اسْتَغْنَى فَإِمَّا أَنْ يَحْصُل الرَّضَاعُ بَعْدَ الاِسْتِغْنَاءِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِمُدَّةٍ بَعِيدَةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ يُحَرِّمُ إِلَى تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ وَلَوْ حَصَل بَعْدَ الاِسْتِغْنَاءِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ. (١)

وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الرَّضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَْمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْل الْفِطَامِ (٢)، قَالُوا: وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللِّبَانِ - أَيِ الرَّضَاعِ - فَقَدْ فُتِقَتْ أَمْعَاؤُهُ بِالطَّعَامِ بِحَيْثُ صَارَ صَلاَحُهَا بِهِ لاَ بِاللِّبَانِ. (٣)

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ: إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ (٤) وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرِّمَةَ هِيَ مَا كَانَتْ قَبْل الْفِطَامِ، وَدَفَعَتْ عَنِ الرَّضِيعِ الْجُوعَ، أَمَّا إِذَا فُطِمَ أَثْنَاءَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّ

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥٠٣، ٥٠٤.

(٢) حديث: " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٤٩) من حديث أم سلمة، وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) كفاية الطالب مع حاشية العدوي ٢ / ١٠٥، ١٠٦.

(٤) حديث: " إنما الرضاعة من المجاعة " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٤٦) ومسلم (٢ / ١٠٧٨) من حديث عائشة.

رَضَاعَتَهُ لَيْسَتْ مِنَ الْمَجَاعَةِ لأَِنَّهُ اسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ. (١)

ج - أَثَرُ الْفِطَامِ فِي حَضَانَةِ الأُْمِّ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِطَامَ الصَّبِيِّ لاَ يُخَوِّل نَزْعَهُ مِنْ حَضَانَةِ أُمِّهِ عِنْدَ الطَّلاَقِ إِذَا لَمْ تَحْدُثْ أَسْبَابٌ أُخْرَى لِتَحْوِيلِهِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي، فَقَال: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي.

(٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، (٣) الآْيَةُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ اللاَّتِي لَهُنَّ أَوْلاَدٌ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَهُنَّ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلاَدِهِنَّ مِنَ الأَْجْنَبِيَّاتِ، لأَِنَّهُنَّ أَحْنَى وَأَرَقُّ، وَانْتِزَاعُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ إِضْرَارٌ بِهِ وَبِهَا، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ وَإِنْ فُطِمَ فَالأُْمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ، لِفَضْل حُنُوِّهَا وَشَفَقَتِهَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ. (٤)

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٧، ٢٨.

(٢) حديث: " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أبو داود (٢ / ٧٠٨) والحاكم (٢ / ٢٠٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٤) رد المحتار ٢ / ٦٤١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٦ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٦ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ٣٩٦، ٥٠٠، وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣ / ١٦٠.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حَضَانَة ف ١٠، ١٩ وَمَا بَعْدَهَا) .

د - أَثَرُ الْفِطَامِ فِي تَنْفِيذِ الْحَدِّ عَلَى أُمِّ الْفَطِيمِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَأْخِيرِ الْحَدِّ عَلَى الْحَامِل حَتَّى تَضَعَ، فَإِذَا وَضَعَتْ فَفِيهِ التَّفْصِيل التَّالِي:

إِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، (١) ثُمَّ إِذَا سَقَتْهُ اللِّبَأَ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ تَكَفَّل أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ، وَإِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، لِيَزُول عَنْهُ الضَّرَرُ.

وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا فَلاَ أَثَرَ لِلْفِطَامِ فِيهِ، فَتُحَدُّ بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّفَاسِ إِذَا كَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ مَعَهُ تَلَفُهَا، وَإِلاَّ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى لِيُسْتَوْفَى الْحَدُّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال. (٢)

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْغَامِدِيَّةِ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَأَنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَال: إِمَّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي،

_________

(١) اللبأ مهموز وزان عنب: أول اللبن عند الولادة. (المصباح المنير) .

(٢) رد المختار ٣ / ١٤٨ ومواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، والقليوبي ٤ / ١٨٣، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٧١ وما بعدها.

فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَال: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَل الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا. (١)

_________

(١) حديث الغامدية. أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٣) .

فِطْرَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفِطْرَةُ لُغَةً: مِنْ مَادَّةِ فَطَرَ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى الشَّقِّ، يُقَال: فَطَرَهُ؛ أَيْ شَقَّهُ، وَتَفَطَّرَ الشَّيْءُ: انْشَقَّ، وَكَذَلِكَ انْفَطَرَ.

وَتَأْتِي بِمَعْنَى الْخَلْقِ، يُقَال: فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ؛ أَيْ خَلَقَهُمْ وَأَنْشَأَهُمْ، وَالْفِطْرَةُ: الاِبْتِدَاءُ وَالاِخْتِرَاعُ وَالْخِلْقَةُ، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قُل أَغْيَرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ﴾ . (١)

قَال أَبُو الْهَيْثَمِ: الْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. (٢)

وَالْفَطُورُ - بِفَتْحِ الْفَاءِ - هُوَ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ مَصْدَرٌ، (٣) وَالْفِطْرَةُ - بِكَسْرِ الْفَاءِ - جَاءَتْ بِمَعْنَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَيْضًا، وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ: أَيْ حَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَدَخَل وَقْتُهُ، كَمَا يُقَال أَصْبَحَ وَأَمْسَى: إِذَا دَخَل فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فَالْهَمْزَةُ

_________

(١) سورة الأنعام / ١٤.

(٢) لسان العرب.

(٣) المصباح المنير

لِلصَّيْرُورَةِ. (١)

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْجِبِلَّةُ

٢ - الْجِبِلَّةُ مِنْ جَبَل، تَقُول: جَبَل اللَّهُ الْخَلْقَ يَجْبِلُهُمْ؛ أَيْ خَلَقَهُمْ، وَجَبَلَهُ عَلَى الشَّيْءِ: طَبَعَهُ عَلَيْهِ، وَجُبِل فُلاَنٌ عَلَى هَذَا الأَْمْرِ، أَيْ طُبِعَ عَلَيْهِ. (٢)

وَالصِّلَةُ التَّرَادُفُ بَيْنَ الْفِطْرَةِ وَالْجِبِلَّةِ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْفِطْرَةِ.

ب - السَّجِيَّةُ:

٣ - السَّجِيَّةُ الطَّبِيعَةُ وَالْخُلُقُ. (٣)

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّجِيَّةَ تُرَادِفُ الْفِطْرَةَ فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا.

خِصَال الْفِطْرَةِ:

٤ - وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي بَيَانِ خِصَال الْفِطْرَةِ، مِنْهَا:

مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الأَْظْفَارِ وَغَسْل

_________

(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب.

(٢) لسان العرب.

(٣) لسان العرب.

الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، قَال زَكَرِيَّاءُ: قَال مُصْعَبٌ، أَحَدُ الرُّوَاةِ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. (١) زَادَ قُتَيْبَةُ قَال وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الاِسْتِنْجَاءَ (٢) .

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي -: الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ. (٣)

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاِخْتِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ. (٤)

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِهَذَا اللَّفْظِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ

_________

(١) حديث: " عشر من الفطرة. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣) من حديث عائشة.

(٢) صحيح مسلم، بشرح النووي ٣ / ١٤٧ الطبعة الثانية سنة ١٣٩٢هـ ١٩٧٢م.

(٣) المصدر السابق ٣ / ١٤٦ وحديث " الفطرة خمس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٣٤)، ومسلم (١ / ٢٢١) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.

(٤) المصدر السابق وحديث: " الفطرة خمس: الاختتان. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٤٩)، ومسلم (١ / ٢٢٢) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.

وَنَتْفُ الآْبَاطِ. (١)

وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ الْفِطْرَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَجَاءَتْ بِلَفْظِ: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ "، وَبِلَفْظِ: " خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ "، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا لاَ يُرَادُ بِهِ الْحَصْرُ، وَإِنَّمَا يُشَارُ بِهِ إِلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ الْمَحْسُوسُ مِنْهَا، وَالَّذِي يُدْرِكُهُ كُل إِنْسَانٍ بِطَبْعِهِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الْخِصَال غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْعَشَرَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مُعْظَمَهَا عَشْرَةٌ فَهُوَ كَقَوْل الرَّسُول ﷺ: الْحَجُّ عَرَفَةَ (٢) وَعَضَّدَ قَوْلَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُول: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ. . . . (٣)

وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَال: خِصَال الْفِطْرَةِ تَبْلُغُ ثَلاَثِينَ خَصْلَةً، وَقَدْ عَقَّبَ عَلَى هَذَا الْقَوْل فَقَال: فَإِنْ أَرَادَ خُصُوصَ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْفِطْرَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْحَصِرُ فِي الثَّلاَثِينَ بَل يَزِيدُ كَثِيرًا. (٤)

فَخِصَال الْفِطْرَةِ إِذَنْ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: أُمَّهَاتُ الأَْخْلاَقِ، وَكُل مَا هُوَ بِرٍّ كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ

_________

(١) حديث: " الفطرة خمس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٤٩) .

(٢) حديث: " الحج عرفة " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٨)، والحاكم (٢ / ٢٧٨) من حديث عبد الرحمن بن يعمر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) المجموع شرح المهذب ١ / ٢٨٤، ٢٨٥ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.

(٤) فتح الباري شرح البخاري ١٢ / ٤٥٦ ط مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧٨هـ - ١٩٥٩م.

الرَّحِمِ، وَأَدَاءِ حُقُوقِ الْجَارِ، وَمُعَاوَنَةِ الْمُحْتَاجِ مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَالصِّدْقِ فِي الْقَوْل وَالْعَمَل، وَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ وَبِالْعَهْدِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْخِصَال الْحَمِيدَةِ.

أَحْكَامُ خِصَال الْفِطْرَةِ:

أ - فِطْرَةُ الدِّينِ:

٥ - أَوْدَعَ اللَّهُ ﷾ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ عِنْدَ خَلْقِهِ وَوِلاَدَتِهِ فِطْرَةً سَلِيمَةً يُمْكِنُ أَنْ تُوَجِّهَهُ إِلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ، وَتَصِل بِهِ إِلَى سَبِيل الرَّشَادِ، وَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَشُبْهَا الشَّوَائِبُ، وَدَلِيل ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، (١) هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. (٢)

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣) قَال طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَوْلُودَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَال: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ

_________

(١) أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها.

(٢) الجدعاء، هي التي قطعت أذنها. وحديث: " ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة " أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ٥١٢) ومسلم (٤ / ٢٠٤٧) من حديث أبي هريرة.

(٣) سورة الروم / ٣٠.

مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ. (١)

وَجَاءَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: يَظْهَرُ لِكُل عَاقِلٍ أَنَّ لِهَذَا الْوُجُودِ خَالِقًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا (٢) .

ب - قَصُّ الشَّارِبِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ فِي قَصِّ الشَّارِبِ (٣) بِدَلِيل مَا سَبَقَ مِنَ الأَْحَادِيثِ، وَلِمَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا. (٤)

وَضَابِطُ قَصِّ الشَّارِبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شَارِب ف ١٠ - ١٤) ب

ج - إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ:

٧ - إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ مِنْ خِصَال الْفِطْرَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَفْهُومِ الإِْعْفَاءِ. . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " لِحْيَة ".

د - السِّوَاكُ:

٨ - السِّوَاكُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْفِعْل وَهُوَ الاِسْتِيَاكُ، وَبِمَعْنَى الآْلَةِ الَّتِي يُسْتَاكُ بِهَا الَّتِي يُقَال لَهَا الْمِسْوَاكُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالسِّوَاكُ مُشْتَقٌّ مِنْ سَاكَ الشَّيْءَ: إِذَا دَلَكَهُ (٥)

وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ عِنْدَ

_________

(١) تفسير القرطبي ١٤١٤؟ / ٢٩ - الناشر دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.

(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص٢١٢ نشر دار الكتاب العربي.

(٣) المجموع للنووي ١ / ٢٨٧.

(٤) حديث: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " أخرجه الترمذي (٥ / ٩٣) وقال: " حديث حسن صحيح ".

(٥) المجموع ١ / ٢٧٠.