الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

مُجْبِرًا، لَمْ يَجُزِ النِّكَاحُ الْوَاقِعُ مِنَ الْفُضُولِيِّ وَلَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الإِْجْبَارُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُزَوَّجَةُ ذَاتَ قَدْرٍ أَوْ دَنِيئَةً، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ، فَقَال مَالِكٌ: مَا فَسْخُهُ بِالْبَيِّنِ، وَلَكِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ إِجَازَةُ ذَلِكَ وَرَدُّهُ مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا الزَّوْجُ، وَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ دَخَل بِهَا الزَّوْجُ، وَطَال مُكْثُهُ مَعَهَا بِمُضِيِّ ثَلاَثِ سِنِينَ، أَوْ وِلاَدَةِ وَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ، لَمْ يُفْسَخِ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ كَانَ الْوَلِيُّ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ.

وَإِنْ كَانَتْ دَنِيئَةً، فَعِنْدَهُمْ فِي إِنْكَاحِهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ مَاضٍ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَذَاتِ الْقَدْرِ الشَّرِيفَةِ (١) .

وَصِيَّةُ الْفُضُولِيُّ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ وَصِيَّةِ الْفُضُولِيِّ مِنْ مَال غَيْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحُكِيَ فِي الْجَدِيدِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْفُضُولِيِّ، لَكِنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ،

_________

(١) الخرشي ٣ / ١٨٢ وما بعدها، وفتاوى عليش ١ / ٣٩٥، ٤٠١، والقوانين الفقهية لابن جزى ص٢٢٣ ط. دار العلم للملايين، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٢.

فَأَوْلَى أَنْ تَصِحَّ مِنَ الْفُضُولِيِّ (١) .

وَالثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل الْجَدِيدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: وَهُوَ أَنَّ وَصِيَّةَ الْفُضُولِيِّ لاَ تَصِحُّ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ مِمَّنْ لاَ مِلْكَ لَهُ وَلاَ وِلاَيَةَ وَلاَ نِيَابَةَ، فَيَكُونُ بَاطِلًا (٢) .

هِبَةُ الْفُضُولِيِّ:

١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هِبَةِ الْفُضُولِيِّ لِمَال غَيْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ: وَهُوَ أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ بَاطِلَةٌ، إِذْ يَسْتَحِيل عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُمَلِّكَ مَا لاَ يَمْلِكُ (٣) .

وَالثَّانِي لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ تَنْعَقِدُ صَحِيحَةً، غَيْرَ أَنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ رَدَّهَا

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ١٦٤، ومجمع الأنهر ٢ / ٧٠٤، وروضة الطالبين ٦ / ١١٦، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٢٥٩، والأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٢٣ وما بعدها.

(٢) الخرشي ٨ / ١٦٨، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٣٧٥، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٢٠٥، وروضة الطالبين ٦ / ١١٦، ١١٩، والمجموع ٩ / ٢٦١، والأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٢٣، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٣٠، ٢ / ٤٩، والتنقيح المشبع للمرداوي ص١٩٧، والفروع ٤ / ٣٦.

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٨٧ وما بعدها، والخرشي ٧ / ٧٩، والقوانين الفقهية ص٣٩٧، والمجموع للنووي ٩ / ٢٥٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، وكشاف القناع ٤ / ٣٥٢، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٦٤، والمحرر ١ / ٣٧٥.

بَطَلَتْ، وَإِنْ أَجَازَهَا كَانَ لإِجَازَتِهِ حُكْمُ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَهِبَتِهِ أَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ، أَمَّا الْهِبَةُ فَالتَّمْلِيكُ فِيهَا مَجَّانًا، وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا (٢) .

وَقْفُ الْفُضُولِيِّ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ وَقْفِ الْفُضُولِيِّ لِمَال غَيْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: وَهُوَ أَنَّ وَقْفَ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ أَجَازَهُ الْمَالِكُ بَعْدُ أَمْ لاَ (٣) .

وَالثَّانِي لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: وَهُوَ أَنَّ وَقْفَ الْفُضُولِيِّ صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَل (٤) .

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ١٦٣، وتكملة رد المختار ٨ / ٤٢٤، والبدائع ٨ / ٣٦٧٩، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٧١، والعدوي على الخرشي ٧ / ٧٩، والمجموع للنووي ٩ / ٢٥٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، ودرر الحكام لعلي حيدر ١ / ٨٥، ٢ / ٣٨٥، ٣٨٦.

(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ٥ / ٤٣٣.

(٣) الخرشي ٧ / ٧٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٨٧، والشرح الصغير للدردير وحاشية الصاوي عليه ٥ / ٤٣٣، والقوانين الفقهية ص٣٩٧، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، والمجموع للنووي ٩ / ٢٥٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٧٩.

(٤) البحر الرائق ٥ / ٢٠٣، وأحكام الأوقاف للخصاف ص١٢٩، والإسعاف في أحكام الأوقاف للطرابلسي ص١٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٨٨، والخرشي ٧ / ٩٧، والبهجة ٢ / ٧١، وحاشية العدوي على الخرشي ٧ / ٩٧، والمجموع للنووي ٩ / ٢٥٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، والإنصاف للمرداوي ٧ / ١١، ١٢، والمقنع لابن قدامة ٢ / ٣١٠.

صُلْحُ الْفُضُولِيِّ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَرَيَانِ الصُّلْحِ مِنَ الْفُضُولِيِّ كَجَرَيَانِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي ضِمْنِ ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالٍ وَصُوَرٍ وَشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صُلْح ف ١٩ - ٢٢)

الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ

فَضِيخ

انْظُرْ: أَشْرِبَة

فِطَام

تَعْرِيفُهُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفِطَامُ لُغَةً: الْقَطْعُ، يُقَال: فَطَمَ الْعُودَ يَفْطِمُهُ فَطْمًا وَفِطَامًا: قَطَعَهُ، وَفَطَمَتِ الأُْمُّ وَلَدَهَا فَطْمًا، فَصَلَتْهُ عَنْ رَضَاعِهَا، فَهُوَ فَطِيمٌ وَمَفْطُومٌ، وَالأُْنْثَى فَطِيمٌ وَفَطِيمَةٌ، وَكُل دَابَّةٍ تَفْطِمُ، وَفِطَامُ الصَّبِيِّ فِصَالُهُ عَنْ أُمِّهِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الرَّضَاعُ:

٢ - الرَّضَاعُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا - لُغَةً: مَصْدَرُ رَضَعَ، يُقَال: رَضَعَ أُمَّهُ يَرْضِعُهَا - بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ - أَيِ امْتَصَّ ثَدْيَهَا أَوْ ضَرْعَهَا وَشَرِبَ لَبَنَهُ، وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَهِيَ مُرْضِعٌ وَمُرْضِعَةٌ، وَهُوَ رَضِيعٌ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اسْمٌ لِوُصُول لَبَنِ امْرَأَةٍ

_________

(١) لسان العرب والصحاح للجوهري.

أَوْ مَا حَصَل مِنْ لَبَنِهَا فِي جَوْفِ طِفْلٍ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفِطَامَ نِهَايَةُ الرَّضَاعِ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِطَامِ مِنْ أَحْكَامٍ:

أ - وَقْتُ الْفِطَامِ:

٣ - حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مُدَّةَ الْحَمْل وَالرَّضَاعِ بِثَلاَثِينَ شَهْرًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) وَنَصَّ فِي آيَةٍ أُخْرَى عَلَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ فَقَطْ فَقَال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣) وَصَرَّحَ فِي آيَةٍ ثَالِثَةٍ بِأَنَّ الْفِطَامَ يَكُونُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ فَقَال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٤)، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْعَامَيْنِ يَبْدَآنِ مِنَ الْوِلاَدَةِ.

قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ: الْحَوْلاَنِ غَايَةٌ لإِرْضَاعِ كُل مَوْلُودٍ (٥) .

وَعَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ أَنَّ إِرْضَاعَ الأُْمِّ الْحَوْلَيْنِ كَانَ فَرْضًا، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٦) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٤٠٣، نهاية المحتاج ٧ / ١٧٢، وأسنى المطالب ٣ / ٤١٥.

(٢) سورة الأحقاف / ١٥.

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٤) سورة لقمان / ١٤.

(٥) التحرير والتنوير لابن عاشور ٢ / ٤٣٢ (الدار التونسية للنشر) .

(٦) سورة البقرة / ٢٣٣، وانظر قول قتادة في: فتح الباري ٩ / ٥٠٥ دار المعرفة بيروت.

وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ إِرْضَاعَ الأُْمِّ الْحَوْلَيْنِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَهْمَا وَضَعَتْ لأَِكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ.

وَالْغَايَةُ مِنَ التَّحْدِيدِ دَفْعُ اخْتِلاَفِ الزَّوْجَيْنِ فِي وَقْتِ الْفِطَامِ، إِذِ الْمُدَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا لِلرَّضَاعِ هِيَ سَنَتَانِ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا التَّنْقِيصُ مِنْهُمَا لأَِمْرٍ مَا إِذَا تَشَاوَرَا وَتَرَاضَيَا (١) .

عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّرَاضِي عَنْ تَفَكُّرٍ لِئَلاَّ يَتَضَرَّرَ الرَّضِيعُ، وَاعْتُبِرَ اتِّفَاقُ الأَْبَوَيْنِ لِمَا لِلأَْبِ مِنَ النَّسَبِ وَالْوِلاَيَةِ، وَلِلأُْمِّ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالْعِنَايَةِ (٢) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣) . قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَل مُدَّةَ الرَّضَاعِ حَوْلَيْنِ بَيَّنَ أَنَّ فِطَامَهَا هُوَ الْفِطَامُ، وَفِصَالَهَا هُوَ الْفِصَال، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ عَنْهُ مَنْزَعٌ، إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَ الأَْبَوَانِ عَلَى أَقَل مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ مُضَارَّةٍ بِالْوَلَدِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ بِهَذَا الْبَيَانِ (٤) .

ب - أَثَرُ الْفِطَامِ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ:

٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣ / ١٦٠ (دار الكتاب العربي بيروت) .

(٢) إرشاد الساري للقسطلاني ٨ / ٢٠٢ (دار الكتاب العربي) .

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٤) أحكام القرآن ١ / ٢٠٥ (دار الفكر)، والبدائع ٤ / ٦، وأسنى المطالب ٣ / ٤١٦، ٤٤٣، والمغني ٧ / ٥٤٢.

وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى عَائِشَةَ ﵅، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالأَْوْزَاعِيُّ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ أَثَرَ لِلْفِطَامِ فِي ذَلِكَ، فَالاِعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لاَ بِالْفِطَامِ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْل الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا لَحَصَل التَّحْرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْل الْفِطَامِ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) قَالُوا: جَعَل اللَّهُ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ التَّمَامِ حُكْمٌ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ . (٢) وَأَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ مُدَّةُ الْفِصَال حَوْلَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ (٣) وَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لاَ بِنَفْسِهِ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٢) سورة الأحقاف / ١٥.

(٣) حديث: " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " أخرجه الدارقطني (٤ / ١٧٤) من حديث ابن عباس، ورجح ابن القطان وقفه على ابن عباس كما في نصب الراية للزيلعي (٣ / ٢١٩) .

كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ (١) .

وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْفِطَامَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ لَكِنَّهُ خَالَفَهُمْ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ فَقَال: إِنَّهَا ثَلاَثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ أَيْ مُدَّةُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْحَمْل وَالْفِصَال ثَلاَثُونَ شَهْرًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَامَ الْمُنَقِّصُ فِي أَحَدِهِمَا - يَعْنِي مُدَّةَ الْحَمْل - وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْل عَلَى سَنَتَيْنِ وَلاَ قَدْرِ مَا يَتَحَوَّل ظِل عُودِ الْمِغْزَل (٢) فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَال عَلَى ظَاهِرِهَا، وَهِيَ ثَلاَثُونَ شَهْرًا، فَإِذَا حَصَل الرَّضَاعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ سَوَاءٌ أَفُطِمَ أَمْ لَمْ يُفْطَمْ، وَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالرَّضَاعِ تَحْرِيمٌ، قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ فُصِل الرَّضِيعُ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثُمَّ سُقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ كَانَ ذَلِكَ رَضَاعًا مُحَرِّمًا، وَلاَ يُعْتَبَرُ الْفِطَامُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ، وَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالرَّضَاعِ تَحْرِيمٌ، فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ.

وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: إِذَا

_________

(١) البدائع ٤ / ٧٠٦، وفتح القدير مع الهداية ٣ / ٣٠٨، ٣٠٩، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٢ / ٥٠٣، ونهاية المحتاج ٧ / ١٦٦ - ١٧٥، ومغني المحتاج ٣ / ٤١٤، ٤١٦، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٩ / ٢٠١ - ٢٠٣.

(٢) أثر عائشة: " ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين ولا قدر ما يتحول ظل عود المغزل " أخرجه البيهقي (٧ / ٤٤٣) .

فُطِمَ فِي السَّنَتَيْنِ حَتَّى اسْتَغْنَى بِالْفِطَامِ ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّنَتَيْنِ أَوِ الثَّلاَثِينَ شَهْرًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَضَاعًا، لأَِنَّهُ لاَ رَضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَإِنْ هِيَ فَطَمَتْهُ فَأَكَل أَكْلًا ضَعِيفًا لاَ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ ثُمَّ عَادَ فَأُرْضِعَ كَمَا كَانَ يَرْضِعُ أَوَّلًا فِي الثَّلاَثِينَ شَهْرًا، فَهُوَ رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ، كَمَا يُحَرِّمُ رَضَاعُ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُفْطَمْ (١) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَفِي أَثَرِ الْفِطَامِ عِنْدَهُمُ التَّفْصِيل التَّالِي:

قَال الدَّرْدِيرُ: يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ بِزِيَادَةِ شَهْرَيْنِ عَلَيْهِمَا إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ الصَّبِيُّ بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ اسْتِغْنَاءً بَيِّنًا وَلَوْ فِي الْحَوْلَيْنِ، بِأَنْ فُطِمَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُرْضِعٌ فِي الْحَوْلَيْنِ فَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَأَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ فَلاَ يُحَرِّمُ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ فُطِمَ فَأَرْضَعَتْهُ امْرَأَةٌ بَعْدَ فِطَامِهِ بِيَوْمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ حَرَّمَ، لأَِنَّهُ لَوْ أُعِيدَ لِلَّبَنِ لَكَانَ غِذَاءً لَهُ، وَأَمَّا مَا دَامَ مُسْتَمِرًّا عَلَى الرَّضَاعِ فَهُوَ مُحَرِّمٌ، وَلَوْ كَانَ يَسْتَعْمِل الطَّعَامَ وَلَوْ عَلَى فَرْضِ لَوْ فُطِمَ لاَسْتَغْنَى بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ. (٢)

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِذَا حَصَل الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِأَنْ لَمْ يُفْطَمْ أَصْلًا أَوْ

_________

(١) البدائع ٤ / ٧٠٦، وفتح القدير ٣ / ٣٠٨، ٣٠٩.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٥١٥.