الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْفِضَّةِ فِي الإِْنَاءِ.

وَالأَْصْل فِي هَذَا الْخِلاَفِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ (١) .

فَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ الإِْنَاءَ الْمُضَبَّبَ بِالذَّهَبِ لاَ بَأْسَ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ فِيهِ، وَبِالأَْوْلَى يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُضَبَّبِ بِالْفِضَّةِ لأَِنَّهَا أَخَفُّ حُرْمَةً مِنَ الذَّهَبِ.

وَاشْتَرَطَ الْمَرْغِينَانِيُّ لِذَلِكَ شَرْطًا، وَهُوَ أَنْ يَتَّقِيَ مَوْضِعَ الْفَمِ، وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ الرُّكُوبَ عَلَى السَّرْجِ الْمُفَضَّضِ، وَاشْتَرَطَ عَدَمَ الْمُبَاشَرَةِ لِلضَّبَّةِ مِنَ الْفِضَّةِ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُضَبَّبِ قَوْلاَنِ: الْحُرْمَةُ وَالْجَوَازُ، إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَرَجَّحَ الدَّرْدِيرُ وَالدُّسُوقِيُّ وَالْحَطَّابُ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْحُرْمَةَ (٣) .

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: أَنَّ الْمُضَبَّبَ مِنَ الإِْنَاءِ بِفِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينَةٍ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، وَمَا ضُبِّبَ

_________

(١) حديث ابن عمر: " من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك. . . " أخرجه الدارقطني (١ / ٤٠)، وأعله ابن حجر في فتح الباري (١٠ / ١٠١) بجهالة راويين.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٣٢، والهداية مع نتائج الأفكار ١٠ / ٧.

(٣) الخرشي ١ / ١٠٠، والدسوقي ١ / ٦٤.

بِفِضَّةٍ ضَبَّةً صَغِيرَةً بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَلاَ يَحْرُمُ، وَإِنْ ضُبِّبَ بِفِضَّةٍ ضَبَّةً صَغِيرَةً لِزِينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ، جَازَ فِي الأَْصَحِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ نَظَرًا لِلصِّغَرِ وَالْحَاجَةِ، وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاِسْتِعْمَال نَحْوِ الشُّرْبِ كَغَيْرِهِ فِيمَا ذُكِرَ فِي الأَْصَحِّ، وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ يَحْرُمُ إِنَاؤُهَا مُطْلَقًا لِمُبَاشَرَتِهَا بِالاِسْتِعْمَال (١) .

وَفِي ضَابِطِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ عِنْدَهُمْ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الإِْنَاءِ بِكَمَالِهِ، وَالآْخَرُ: الْعُرْفُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَلْمَعُ لِلنَّاظِرِ عَلَى بُعْدٍ، وَالْقَلِيل خِلاَفُهُ.

وَاخْتَارَ الرَّافِعِيُّ الثَّانِيَ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ الثَّالِثَ (٢) .

وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الضَّبَّةَ تُبَاحُ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً، وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ لِلْحَاجَةِ؛ أَيْ لِمَصْلَحَةٍ وَانْتِفَاعٍ، مِثْل أَنْ تُجْعَل عَلَى شَقٍّ أَوْ صَدْعٍ وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ، وَيَجُوزُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِذَا لَمْ يُبَاشِرِ الاِسْتِعْمَال.

وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُبَاشَرَ مَوْضِعَ الضَّبَّةِ

_________

(١) شرح المحلي على المنهاج ١ / ٢٨ و٢٩، وانظر نهاية المحتاج ١ / ٩٢، ٩٣.

(٢) المجموع ١ / ٢٥٨.

بِالاِسْتِعْمَال، فَلاَ يَشْرَبُ مِنْ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ، لأَِنَّهُ يَصِيرُ كَالشَّارِبِ مِنْ إِنَاءِ فِضَّةٍ، وَكَرِهَ الْحَلْقَةَ مِنَ الْفِضَّةِ، لأَِنَّ الْقَدَحَ يُرْفَعُ بِهَا، فَيُبَاشِرُهَا بِالاِسْتِعْمَال، وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ (١) .

ح - الإِْنَاءُ الْمُمَوَّهُ بِفِضَّةٍ وَعَكْسُهُ:

١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوَانِيَ الْمُمَوَّهَةَ بِمَاءِ الْفِضَّةِ إِذَا كَانَ لاَ يَخْلُصُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلاَ بَأْسَ بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا يَخْلُصُ مِنْهُ شَيْءٌ لاَ يَحْرُمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، وَيُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الأَْشْهَرِ عَنْهُ، كَالْمُضَبَّبِ (٢) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الْمُمَوَّهِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْمُضَبَّبِ، وَهُمَا التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ، أَوِ الْمَنْعُ وَالْجَوَازُ.

وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الْجَوَازَ نَظَرًا لِقُوَّةِ الْبَاطِنِ (٣) .

وَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ جَوَازَ اسْتِعْمَال الْمُمَوَّهِ بِالْفِضَّةِ فِي الأَْصَحِّ، لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ.

وَالْقَوْل الثَّانِي الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ، أَنَّهُ يَحْرُمُ لِلْخُيَلاَءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.

فَإِنْ كَثُرَ الْمُمَوَّهُ بِحَيْثُ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ

_________

(١) المغني ١ / ٧٨، والمبدع ١ / ٦٨.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٣، واللباب ٤ / ١٦٠.

(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٦٤.

بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَ جَزْمًا، وَإِنْ كَانَ لاَ يَحْصُل مِنْهُ شَيْءٌ، فَلاَ يَحْرُمُ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوِ اتَّخَذَ إِنَاءً مِنَ الْفِضَّةِ (أَوِ الذَّهَبِ) وَمَوَّهَهُ بِنُحَاسٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَصَل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَل اسْتِدَامَتُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَمَحَل مَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ لاِسْتِدَامَتِهِ، أَمَّا الْفِعْل فَحَرَامٌ مُطْلَقًا وَلَوْ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ عَلَى الْكَعْبَةِ (١) .

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ الإِْنَاءِ وَنَحْوِهِ، إِذَا كَانَ مُمَوَّهًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَكَذَا الْمُطَعَّمُ وَالْمَطْلِيُّ وَالْمُكَفَّتُ (٢) .

ط - الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ مِنْ فِضَّةٍ:

١١ - الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمُتَّخَذَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ (وَكَذَا الذَّهَبُ) لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلِعَدَمِ إِمْكَانِ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فِيهِمَا.

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلِعَدَمِ كَوْنِهِمَا مُتَّخَذَيْنِ مِنَ الْجِلْدِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ مِنَ الْفِضَّةِ لِلرَّجُل وَغَيْرِهِ.

وَقَال الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٩١، وشرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ١ / ٢٨.

(٢) كشاف القناع ١ / ٥١، ٥٢.

(فِي الْجُمْلَةِ) لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ (وَكَذَا الذَّهَبُ) وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّهُمَا مِنَ الْمَلْبُوسِ، لَكِنَّ جَوَازَ اللُّبْسِ لاَ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، لِتَخَلُّفِ بَعْضِ الشُّرُوطِ، كَالْجِلْدِيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُتَابَعَةِ الْمَشْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ ي - بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَبَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَعَكْسُهُ:

١٢ - أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ هِيَ: الْحُلُول، وَالتَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَالتَّمَاثُل، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرُ، وَمَا نُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْقَلِيل، فَهَذَا خَاصٌّ بِمَا لاَ يُسْتَطَاعُ كَيْلُهُ مِمَّا يُكَال، لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ الْكَيْل وَلَمْ تُوجَدْ، أَمَّا الْيَسِيرُ مِنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فَهَذَا مَوْزُونٌ يُمْكِنُ وَزْنُهُ بِمِثْلِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَعَ شُرُوطِهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ،

_________

(١) مراقي الفلاح ص٧٠، والقوانين الفقهية ص٤٣، والشرح الصغير ١ / ٥٤، ومغني المحتاج ١ / ٦٦، وكشاف القناع ١ / ٦٦.

فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (١) .

وَإِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ الثَّلاَثَةِ كَانَ بَيْعًا رِبَوِيًّا مُحَرَّمًا، أَمَّا بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَعَكْسُهُ فَجَائِزٌ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ، يَدُل لِهَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَال: أَقْبَلْتُ أَقُول: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَال طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلاَ وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (رِبًا ف ١٢ وَمَا بَعْدَهَا)، مُصْطَلَحُ (صَرْف ف ٢٠ وَمَا بَعْدَهَا) .

كَ - الْغِشُّ فِي الْفِضَّةِ وَأَثَرُهُ فِي الأَْحْكَامِ:

١٣ - يَجُوزُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ التَّعَامُل بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ إِنْ رَاجَتْ، نَظَرًا لِلْعُرْفِ.

_________

(١) حديث عبادة بن الصامت: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) .

(٢) العناية مع الهداية ٧ / ٣، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٣٠، بداية المجتهد ٢ / ١٩٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٦٧، والمغني ٤ / ٥٠٣. وحديث مالك بن أوس " الورق بالذهب. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٠٩ - ١٢١٠) .

أَمَّا إِذَا بِيعَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُصَارَفَةً، فَقَدْ فَصَّلُوا صُوَرَهَا وَأَحْكَامَهَا عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ فِي مُصْطَلَحِ (صَرْف ف ٤١ وَمَا بَعْدَهَا) .

وَهَذَا فِي التَّعَامُل بِالْمَغْشُوشِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِجِنْسِهِ، أَمَّا التَّعَامُل بِهِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالسَّلَفِ وَنَحْوِهِ، فَتَفْصِيلُهُ كَمَا يَأْتِي:

فَالْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رَتَّبَ الْكَلاَمَ فِي الْمُرَادِ هُنَا وَهُوَ اسْتِقْرَاضُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ وَالشِّرَاءُ بِهَا عَلَى الْكَلاَمِ فِي الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ مِنَ الْغِشِّ.

أَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّل - وَهُوَ مَا كَانَتْ فِضَّتُهُ غَالِبَةً عَلَى غِشِّهِ، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ وَلاَ الشِّرَاءُ بِهِ إِلاَّ وَزْنًا، لأَِنَّ الْغِشَّ إِذَا كَانَ مَغْلُوبًا فِيهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الزَّائِفَةِ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ الزَّائِفَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَدَدًا، لأَِنَّهَا وَزْنِيَّةٌ، فَلَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ فِيهَا، فَكَانَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُجَازَفَةً، فَلَمْ يَجُزْ، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهَا وَلاَ التَّعَامُل بِهَا إِلاَّ وَزْنًا، صِيَانَةً لَهَا عَنِ الرِّبَا، وَعَنْ شُبْهَةِ الرِّبَا.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي - وَهُوَ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْفِضَّةُ وَالْغِشُّ - فَكَذَلِكَ، لأَِنَّ الْفِضَّةَ إِذَا كَانَتْ تَبْقَى بَعْدَ السَّبْكِ وَيَذْهَبُ الْغِشُّ

كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالدَّرَاهِمِ الزُّيُوفِ، وَلاَ تَجُوزُ عَدَدًا، وَإِنَّمَا تَجُوزُ وَزْنًا لإِبْعَادِهَا عَنْ شُبْهَةِ الرِّبَا، وَإِنْ بَقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ بَعْدَ السَّبْكِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَالْفِضَّةُ لاَ تَجُوزُ عَدَدًا لأَِنَّهَا وَزْنِيَّةٌ، وَالصُّفْرُ يُجَوِّزُهُ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَانِعُ وَالْمُجِيزُ فَالْحُكْمُ بِالْفَسَادِ عِنْدَ تَعَارُضِ جِهَتَيِ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ أَحْوَطُ.

أَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ - وَهُوَ مَا كَانَ الْغِشُّ فِيهِ غَالِبًا، فَيُنْظَرُ فِيهِ إِلَى عَادَةِ النَّاسِ، فَإِنْ تَعَامَلُوا بِهِ وَزْنًا وَجَبَ التَّعَامُل فِيهِ وَزْنًا، لأَِنَّ الْوَزْنَ صِفَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَإِنْ تَعَامَلُوا فِيهِ عَدَدًا جَازَ التَّعَامُل بِهِ عَدَدًا، وَمِثْل الاِسْتِقْرَاضِ الشِّرَاءُ بِهَا كَمَا سَلَفَ.

هَذَا إِذَا اشْتَرَى بِالأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا، فَأَمَّا إِذَا عَيَّنَهَا وَاشْتَرَى بِهَا عَرَضًا، بِأَنْ قَال: اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَرَضَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ شَكَّ فِي جَوَازِ الشِّرَاءِ بِهَا، وَلاَ تَتَعَيَّنُ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهَا، وَلاَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا، حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ قَبْل أَنْ يَنْقُدَهَا الْمُشْتَرِي لاَ يَبْطُل الْبَيْعُ، وَيُعْطَى مَكَانَهَا مِثْلَهَا مِنْ جِنْسِهَا وَنَوْعِهَا وَقَدْرِهَا وَصِفَتِهَا (١) .

وَالْمَالِكِيَّةُ نَظَرُوا فِي التَّعَامُل بِهَا إِلَى مَنْعِ الْغِشِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا بِجَوَازِ التَّعَامُل

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٩٨.

بِهَا وَبَيْعِهَا لِمَنْ يَكْسِرُهَا وَلاَ يَغُشُّ بِهَا، فَإِنْ أُمِنَ ذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ الاِتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ.

فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ غِشُّ الْمُسْلِمِينَ بِهِ كُرِهَ الْبَيْعُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ وَيَفْسَخَ بَيْعَهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ لِذَهَابِ عَيْنِهِ أَوْ نَحْوِهِ، فَهَل يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ وُجُوبًا، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالزَّائِدِ عَلَى فَرْضِ بَيْعِهِ مِمَّنْ لاَ يَغُشُّ؟ أَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ، وَرَجَّحَ الأَْخِيرَ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ (١) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ مَنْعُ التَّعَامُل فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ إِذَا بِيعَتْ بِمِثْلِهَا أَوْ بِخَالِصِ جِنْسِهَا، أَمَّا شِرَاءُ سِلْعَةٍ أُخْرَى بِهَا فَقَال أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إِنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا لاَ قِيمَةَ لَهُ جَازَ الشِّرَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ، فَفِي جَوَازِ إِنْفَاقِهَا وَجْهَانِ (٢) .

وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ، وَالثَّانِيَةُ التَّحْرِيمُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى أَنْ يُحْمَل كَلاَمُ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا ظَهَرَ غِشُّهُ وَاصْطُلِحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهِ جَائِزَةٌ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِنْسَيْنِ لاَ غَرَرَ فِيهِمَا، فَلاَ يُمْنَعُ

_________

(١) الخرشي مع حاشية العدوي ٣ / ٥٢.

(٢) شرح الجلال على المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ١٧٠، والمهذب ١ / ٢٧٢.

مِنْ بَيْعِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَا مُتَمَيِّزَيْنِ، وَلأَِنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الأَْعْصَارِ جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَفِي تَحْرِيمِهِ مَشَقَّةٌ وَضَرَرٌ، وَلَيْسَ شِرَاؤُهَا بِهَا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَغْرِيرًا لَهُمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ مَعْلُومٌ (١) .

ل - نِصَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْفِضَّةِ:

١٤ - نِصَابُ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ (٢)، لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ (٣) .

وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَال:. . . فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (٤) .

_________

(١) المغني ٤ / ٥٧ - ٥٨ وهناك فروع أخرى كثيرة تراجع في مظانها.

(٢) والمائتا درهم تعادل في أيامنا حسبما ذكره بعض المحققين المتأخرين أن الدرهم ٢. ٩٧٥ غرامًا فيكون نصاب الفضة = ٢. ٩٧٥ × ٢٠٠ = ٥٩٥ غرامًا. ونصاب الذهب = ٤. ٢٥٠ × ٢٠ = ٨٥غرامًا.

(٣) حديث أبي سعيد الخدري: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣١٠)، ومسلم (٢ / ٦٧٣) واللفظ لمسلم.

(٤) المغني ٣ / ٣. وحديث علي " فإذا بلغت مائتين. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٢)، والترمذي (٣ / ٧)، ونقل الترمذي عن البخاري أنه صححه.