الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

وَفِي الْمُقَابِل فَإِنَّ وُلاَةَ السُّوءِ وَقُضَاةَ الْجَوْرِ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وِزْرًا، وَأَحَطِّهِمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، لِعُمُومِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ الْعِظَامِ، وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ الْجِسَامِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَأْثَمُ بِهَا أَلْفَ إِثْمٍ وَأَكْثَرَ، عَلَى حَسَبِ عُمُومِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، وَعَلَى حَسَبِ مَا يَدْفَعُهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَأَنْ يَأْمُرَ - مَثَلًا - بِقِتَال طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ (١)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ.

حَادِيَ عَشَرَ - الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِل الأَْعْمَال:

١٦ - قَال الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ بِشُرُوطٍ، مِنْهَا:

أ - أَنْ لاَ يَكُونَ شَدِيدَ الضَّعْفِ، فَإِذَا كَانَ شَدِيدَ الضَّعْفِ كَكَوْنِ الرَّاوِي كَذَّابًا، أَوْ فَاحِشَ الْغَلَطِ، فَلاَ يَجُوزُ الْعَمَل بِهِ.

ب - أَنْ لاَ يَتَعَلَّقَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْعَقِيدَةِ، وَلاَ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ وَنَحْوِهَا.

ج - أَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ مِنْ أُصُول الشَّرِيعَةِ.

_________

(١) قواعد الأحكام ١ / ١٢٠ - ١٢٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٤ وما بعدها.

د - أَنْ لاَ يُعْتَقَدَ عِنْدَ الْعَمَل بِهِ ثُبُوتُهُ، بَل يُعْتَقَدُ الاِحْتِيَاطُ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

فَضَالَة

انْظُرْ: فُضُولِيّ

_________

(١) علوم الحديث لابن الصلاح ص٩٣، وتدريب الراوي ص١٩٦، ومغني المحتاج ١ / ٦٢.

فِضَّة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفِضَّةُ - كَمَا قَال الْجَوْهَرِيُّ - مَعْرُوفَةٌ، وَجَاءَ فِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ: الْفِضَّةُ عُنْصُرٌ أَبْيَضُ قَابِلٌ لِلسَّحْبِ وَالطَّرْقِ وَالصَّقْل، مِنْ أَكْثَرِ الْمَوَادِّ تَوْصِيلًا لِلْحَرَارَةِ وَالْكَهْرَبَاءِ، وَهُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ فِي صَكِّ النُّقُودِ.

وَقَال الرَّاغِبُ: الْفِضَّةُ اخْتُصَّتْ بِأَدْوَنِ الْمُتَعَامَل بِهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الذَّهَبُ:

٢ - الذَّهَبُ: الْمَعْدِنُ الْمَعْرُوفُ، وَصِلَتُهُ بِالْفِضَّةِ أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي النَّقْدِيَّةِ، وَثَمَنِيَّةِ الأَْشْيَاءِ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفِضَّةِ:

أ - اسْتِعْمَال الأَْوَانِي الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْفِضَّةِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ مِنَ الأَْوَانِي

_________

(١) الصحاح، والمعجم الوسيط، والمفردات في غريب القرآن.

(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.

الْمَصْنُوعَةِ مِنَ الْفِضَّةِ حَرَامٌ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ (١) .

وَبِمَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَال: نَهَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِي الآْخِرَةِ (٢) .

قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الاِسْتِعْمَال فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إِلاَّ مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ، وَإِلاَّ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ - وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ - وَلأَِنَّهُ إِذَا حَرُمَ الشُّرْبُ فَالأَْكْل أَوْلَى، لأَِنَّهُ أَطْوَل مُدَّةً وَأَبْلَغُ فِي السَّرَفِ (٣) .

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ النَّوَوِيُّ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي تَحْرِيمِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ، وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الاِسْتِعْمَالاَتِ، وَمِنْهَا تَزْيِينُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ بِهَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَمِنْ قَبْلِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ

_________

(١) حديث: " الذي يشرب في آنية الفضة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٩٦)، ومسلم (٣ / ١٦٣٤) من حديث أم سلمة.

(٢) حديث: " نهانا رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٩٦)، ومسلم (٣ / ١٦٣٤) من حديث البراء بن عازب واللفظ لمسلم.

(٣) المجموع شرح المهذب (١ / ٢٥٠) .

الْحَنَفِيَّةَ عَبَّرُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ لاَ الْحَرَامِ، وَأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ هِيَ: عَيْنُ الْفِضَّةِ، أَوِ الْخُيَلاَءُ وَالسَّرَفُ (١) .

ب - اقْتِنَاءُ الْفِضَّةِ دُونَ اسْتِعْمَالٍ:

٤ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اقْتِنَاءَ الْفِضَّةِ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الأَْوَانِي لاَ يَحْرُمُ إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْفِضَّةِ عَلَى صُورَةِ الأَْوَانِي وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ آرَاءٌ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهَؤُلاَءِ يَرَوْنَ أَنَّ اقْتِنَاءَ أَوَانِي الْفِضَّةِ تَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا، لأَِنَّ مَا لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لاَ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ، وَلأَِنَّ اتِّخَاذَهُ يُؤَدِّي إِلَى اسْتِعْمَال مُحَرَّمٍ، فَيَحْرُمُ، كَإِمْسَاكِ الْخَمْرِ، وَلأَِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الاِسْتِعْمَال لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلاَءِ وَالسَّرَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الاِتِّخَاذِ، وَلأَِنَّ الاِتِّخَاذَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ

_________

(١) اللباب للميداني ٤ / ١٥٨، وبدائع الصنائع ٥ / ١٣٢، ونتائج الأفكار مع الهداية والعناية ١٠ / ٧ - ٦، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني ص٧٥، وشرح أبي الحسن على الرسالة بحاشية العدوي ٢ / ٤٣٠، والقوانين الفقهية ص٢٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٦٤، والخرشي مع حاشية العدوي ١ / ١٠٠، والمجموع ١ / ٢٥٠، وصحيح مسلم، بشرح النووي ١٤ / ٢٧ - ٣٧، والأم للشافعي ١ / ٨، ومختصر المزني بهامش الأم ١ / ٤، والمغني ١ / ٧٥، والمبدع ١ / ٦٦، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٤.

عَبَثٌ، فَيَحْرُمُ (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي: أَنَّ اتِّخَاذَ أَوَانِي الْفِضَّةِ لاَ يَحْرُمُ إِذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ أَوْ وَجْهٌ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ بِالاِسْتِعْمَال فَلاَ يَحْرُمُ الاِتِّخَاذُ، كَمَا لَوِ اتَّخَذَ الرَّجُل ثِيَابَ الْحَرِيرِ وَاقْتَنَاهَا دُونَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، فَكَذَا اقْتِنَاءُ أَوَانِي الْفِضَّةِ دُونَ اسْتِعْمَالِهَا (٢) .

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِ الاِتِّخَاذِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، فَقَال فِي الْمُخْتَصَرِ: فَإِنِ اتَّخَذَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ إِنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ زَكَّيَاهُ فِي الْقَوْلَيْنِ (٣) لأَِنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّخَاذُهُ (٤) .

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الاِتِّخَاذُ بِقَصْدِ الاِسْتِعْمَال، أَمَّا إِذَا كَانَ اتِّخَاذُهُ بِقَصْدِ الْعَاقِبَةِ، أَوْ لِزَوْجَتِهِ، أَوْ بِنْتِهِ، أَوْ لاَ لِشَيْءٍ، فَلاَ حُرْمَةَ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْعَدَوِيُّ (٥) .

وَقَال الدَّرْدِيرُ: وَحَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ - أَيِ ادِّخَارُهُ - وَلَوْ لِعَاقِبَةِ دَهْرٍ، لأَِنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلاِسْتِعْمَال، وَكَذَا التَّجَمُّل بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقَوْلُنَا: " وَلَوْ لِعَاقِبَةِ

_________

(١) نتائج الأفكار مع الهداية ١٠ / ٨، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ٤٣٠، المجموع للنووي ١ / ٢٥٢، والمغني ١ / ٧٧.

(٢) المبدع ١ / ٦٦، وشرح أبي الحسن مع حاشية العدوي ٢ / ٤٣٠.

(٣) مختصر المزني بهامش الأم ١ / ٢٣٨، والمجموع ١ / ٢٥٢.

(٤) المطلب العالي مخطوط ج١ ورقة ١٦٠ أ.

(٥) حاشية العدوي على الخرشي ١ / ٩٨.

دَهْرٍ " هُوَ مُقْتَضَى النَّقْل، وَيُشْعِرُ بِهِ التَّعْلِيل، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ، إِذِ الإِْنَاءُ لاَ يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلاَ لاِمْرَأَةٍ، فَلاَ مَعْنَى لاِتِّخَاذِهِ لِلْعَاقِبَةِ، بِخِلاَفِ الْحُلِيِّ (١) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّ اقْتِنَاءَهُ إِنْ كَانَ بِقَصْدِ الاِسْتِعْمَال فَحَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ لِقَصْدِ الْعَاقِبَةِ أَوِ التَّجَمُّل أَوْ لاَ لِقَصْدِ شَيْءٍ، فَفِي كُلٍّ قَوْلاَنِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ (٢) .

ج - الْوُضُوءُ وَالْغُسْل مِنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ:

٥ - إِذَا تَوَضَّأَ إِنْسَانٌ - رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً - مِنْ إِنَاءِ فِضَّةٍ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ مَذْهَبَانِ:

الأَْوَّل لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ وَالاِغْتِسَال مِنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ أَكْلٌ وَلاَ شُرْبٌ، وَلاَ طَبْخٌ وَلاَ طَهَارَةٌ، وَإِنْ صَحَّتِ الصَّلاَةُ (٣)، كَالصَّلاَةِ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، تَصِحُّ مَعَ الْحُرْمَةِ.

الثَّانِي: الْمَذْهَبُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْهُ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (آنِيَة ف ٣) .

_________

(١) الشرح الكبير ١ / ٦٤.

(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٦٤.

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ١ / ٦٤.

(٤) المجموع ١ / ٢٤٩، والإنصاف ١ / ٨٠ - ٨١.

د - التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَخَتُّمِ الرَّجُل بِخَاتَمِ الْفِضَّةِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: أَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى بَعْضِ الأَْعَاجِمِ، فَقِيل لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ بِخَاتَمٍ، فَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ (١) .

وَيَذْكُرُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ زِيَادَةً عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ: فَكَانَ فِي يَدِهِ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ عُمَرَ حَتَّى قُبِضَ، وَفِي يَدِ عُثْمَانَ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ بِئْرٍ إِذْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ فَأَمَرَ بِهَا فَنُزِحَتْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (٢) .

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ خَوَاتِمِ الرَّجُل وَمِقْدَارِ وَزْنِ خَاتَمِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَخَتُّم ف ٩) .

هـ - اتِّخَاذُ السِّنِّ وَنَحْوِهَا مِنَ الْفِضَّةِ:

٧ - يَجُوزُ اتِّخَاذُ السِّنِّ وَنَحْوِهَا وَشَدُّهَا مِنَ الْفِضَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الأَْنْفِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ

_________

(١) حديث أنس بن مالك: " أراد رسول الله ﷺ أن يكتب. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٢٣)، ومسلم (٣ / ١٦٥٦)، وأبو داود (٤ / ١٢٣) واللفظ لأبي داود.

(٢) رواية: " فكان في يده حتى قبض. . . " أخرجها البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٢٣ - ٣٢٤)، ومسلم (٣ / ١٦٥٦)، وأبو داود (٤ / ٤٢٤) من حديث ابن عمر واللفظ لأبي داود.

أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلاَبِ، فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ (١) .

وَمِنَ النُّصُوصِ الْمَذْهَبِيَّةِ فِي هَذَا مَا يَلِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ شَدَّهَا - يَعْنِي السِّنَّ - بِالْفِضَّةِ، لاَ يُكْرَهُ بِالإِْجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الأَْنْفِ وَالسِّنِّ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ رَبْطِ سِنٍّ تَخَلْخَل بِشَرِيطٍ مُطْلَقًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.

وَقَال الْمَحَلِّيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَقِيسَ عَلَى الأَْنْفِ الأُْنْمُلَةُ وَالسِّنُّ، وَتَجْوِيزُ الثَّلاَثَةِ مِنَ الْفِضَّةِ أَوْلَى.

وَيَقُول النَّوَوِيُّ: شَدُّ السِّنِّ الْعَلِيلَةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ جَائِزٌ، وَيُبَاحُ أَيْضًا الأُْنْمُلَةُ مِنْهُمَا، وَفِي جَوَازِ الأُْصْبُعِ وَالْيَدِ مِنْهُمَا وَجْهَانِ.

وَالْحَنَابِلَةُ أَبَاحُوا اتِّخَاذَ السِّنِّ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الأَْشْيَاءِ مِنَ الْفِضَّةِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَكُونُ حُكْمُ اتِّخَاذِ الأَْنْفِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْجِرَاحَاتِ، مِنَ الْفِضَّةِ (٢) .

_________

(١) حديث عبد الرحمن بن طرفة: " أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٣٤)، والترمذي (٤ / ٢٤٠)، واللفظ لأبي داود. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٢، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٦٣، والأم ١ / ٤٦، والمجموع ١ / ٢٥٥، والمحلي على المنهاج ٢ / ٢٤، والمغني ٣ / ١٥.

و- تَزْيِينُ أَدَوَاتِ الْجِهَادِ وَنَحْوِهَا بِالْفِضَّةِ:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ تَزْيِينِ أَدَوَاتِ الْجِهَادِ وَنَحْوِهَا بِالْفِضَّةِ، وَإِلَى جَوَازِ تَزْيِينِ الْمُصْحَفِ بِهَا.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا قَالَهُ أَنَسٌ ﵁: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِضَّةً (١) وَالْقَبِيعَةُ مَا كَانَ عَلَى رَأْسِ قَائِمِ السَّيْفِ وَطَرَفِ مِقْبَضِهِ، وَمَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَال: كَانَ سَيْفُ زُبَيْرٍ ﵁ مُحَلًّى فِضَّةً (٢) وَقَال الْكَاسَانِيُّ: أَمَّا السَّيْفُ الْمُضَبَّبُ وَالسِّكِّينُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ بِالإِْجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ الْمُضَبَّبَةُ، لِوُرُودِ الآْثَارِ بِالرُّخْصَةِ بِذَلِكَ فِي السِّلاَحِ.

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَصُرُوا إِبَاحَةَ التَّزْيِينِ بِالْفِضَّةِ - وَكَذَا بِالذَّهَبِ - عَلَى الْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ الأَْنْفِ مِنْهَا، أَوْ رَبْطُ السِّنِّ بِهَا (٣) .

ز - الضَّبَّةُ مِنَ الْفِضَّةِ وَالتَّطْعِيمُ بِهَا:

٩ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الضَّبَّةِ مِنَ

_________

(١) حديث أنس: " كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة " أخرجه أبو داود (٣ / ٦٨)، والترمذي (٤ / ٢٠١)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

(٢) أثر هشام بن عروة: كان سيف زبير محلى بفضة أخرجه البخاري (فتح الباري (٧ / ٢٩٩) .

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٢:، واللباب ٤ / ١٦٠، ١٧٩، والهداية مع نتائج الأفكار ١٠ / ٧. الخرشي ١ / ٩٩، والدسوقي ١ / ٦٣، والأم ٢ / ٣٥، والقليوبي ٢ / ٢٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠٦، والمبدع ٢ / ٣٧١.