الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْبَيْتِ فِي كِتَابِهِ بِمَا لَمْ يُثْنِ بِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَال: ﴿إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) .

الْحَادِيَ عَشَرَ: مِنْ شَرَفِ مَكَّةَ أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تُكْرَهُ فِيهَا فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاَةُ، لِقَوْلِهِ ﷺ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (٢) .

الثَّانِيَ عَشَرَ: الصَّلاَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ تَعْدِل مِائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ وَلَيْسَ مِثْل ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَل مِنْ مَكَّةَ. قَال الْحَطَّابُ: وَهُوَ - أَيْ كَوْنُ الْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْ مَكَّةَ - قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْمَدِينَةِ.

٨ - وَهَذَا الْخِلاَفُ يَجْرِي فِيمَا عَدَا مَا ضَمَّ الأَْعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَل الصَّلاَةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ مِنْ أَرْضِ الْمَدِينَةِ.

أَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ مِنْ قَبْرِهِ الْكَرِيمِ ﷺ فَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: إِنَّهُ أَفْضَل بِقَاعِ الأَْرْضِ حَتَّى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،

_________

(١) سورة آل عمران / ٩٦.

(٢) حديث: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٢١١) من حديث جبير بن مطعم، وقال: حديث حسن صحيح.

وَحَتَّى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَإِنَّهُ أَفْضَل مِنَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ. كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ أَفْضَل مِنَ الْمَدِينَةِ مَا عَدَا الضَّرِيحَ الشَّرِيفَ عَلَى صَاحِبِهِ أَفْضَل الصَّلاَةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ (١) .

٩ - وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَل مِنْ مَسْجِدِ الْقُدْسِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الأَْقْصَى أَفْضَل مِنْ بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ، حَتَّى تِلْكَ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ، وَمَسْجِدِ الْعِيدِ، وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَْقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا (٢) .

وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الأَْفْضَل بَعْدَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ مَا كَانَ أَقْدَمَ أَوْ أَكْثَرَ جَمَاعَةً، فَإِنِ اسْتَوَى الْمَسْجِدَانِ فِي الْجَمَاعَةِ فَالأَْقْرَبُ مَسَافَةً لِحُرْمَةِ الْجِوَارِ، ثُمَّ مَا انْتَفَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ عَنْ مَال بَانِيهِ وَوَاقِفِهِ، ثُمَّ مَنْ سَمِعَ نِدَاءَهُ أَوَّلًا، لأَِنَّ مُؤَذِّنَهُ دَعَاهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٦، ٢٥٧، وقواعد الأحكام لابن عبد السلام ١ / ٣٩، ومواهب الجليل ٣ / ٣٤٤، ٣٤٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٠، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٠١.

(٢) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٤١) ومسلم (٢ / ٩٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ للبخاري.

(٣) المصادر السابقة، وكشاف القناع ٢ / ٣٥٣، وكشف المخدرات ص١٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٧٧ و١ / ٢٣٠ و٤ / ٣٦٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ١١ و٢ / ٢٥٧.

خَامِسًا: فَضْل بَعْضِ الأَْزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ:

١٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الأَْزْمِنَةِ أَفْضَل مِنْ بَعْضِ بِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ ﷾ فِيهَا مِنْ فَضْلِهِ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ إِكْرَامِهِ لِعِبَادِهِ، لاَ بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ فِيهَا، لأَِنَّ الأَْزْمَانَ فِي الأَْصْل مُتَسَاوِيَةٌ وَمُتَمَاثِلَةٌ.

فَفَضَّل اللَّهُ شَهْرَ رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، وَجَعَل لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَجَعَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَيْرَ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ (١) وَسَيِّدَ أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَفْضَل أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (٢)، وَقَال ﷺ: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَل اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ (٣) .

وَفَضَّل قِيَامَ اللَّيْل عَلَى غَيْرِهِ، وَالثُّلُثَ الأَْخِيرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِهِ، وَفَضَّل الْعَشْرَ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَْيَّامِ.

_________

(١) حديث: " خير يوم. . . " أخرجه النسائي (٣ / ٨٩ - ٩٠) .

(٢) حديث: " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة. . . " أخرجه النسائي (٣ / ٩١) والحاكم (١ / ٢٧٨) من حديث أوس بن أوس الثقفي، والسياق للحاكم، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

(٣) حديث: " إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤١٥)، من حديث أبي هريرة.

قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَتَفْضِيل الأَْمَاكِنِ وَالأَْزْمَانِ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: دُنْيَوِيٌّ، كَتَفْضِيل الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْزْمَانِ، وَكَتَفْضِيل بَعْضِ الْبُلْدَانِ عَلَى بَعْضٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الأَْنْهَارِ وَالثِّمَارِ وَطِيبِ الْهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الأَْهْوَاءِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: تَفْضِيلٌ دِينِيٌّ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يَجُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهَا بِتَفْضِيل أَجْرِ الْعَامِلِينَ، كَتَفْضِيل صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى صَوْمِ سَائِرِ الشُّهُورِ، وَكَذَلِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَشَعْبَانُ وَسِتَّةٌ مِنْ أَيَّامِ شَوَّالٍ، فَفَضْلُهَا رَاجِعٌ إِلَى جُودِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى عِبَادِهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ فَضْل الثُّلُثِ الأَْخِيرِ مِنْ كُل لَيْلَةٍ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ يُعْطِي فِيهِ مِنْ إِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَإِعْطَاءِ السُّؤَال، وَنَيْل الْمَأْمُول، مَا لاَ يُعْطِيهِ فِي الثُّلُثَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ (١) .

سَادِسًا - فَضْل الأَْذَانِ عَلَى الإِْمَامَةِ أَوِ الْعَكْسُ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ هَل الأَْذَانُ أَفْضَل أَمِ الإِْمَامَةُ؟

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ

_________

(١) قواعد الأحكام لابن عبد السلام ١ / ٣٨، ودليل الفالحين ٣ / ٦١٤، ومغني المحتاج ١ / ٢٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٠.

الشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّ الإِْمَامَةَ أَفْضَل مِنَ الأَْذَانِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ، وَلَمْ يَتَوَلَّوُا الأَْذَانَ، وَهُمْ لاَ يَخْتَارُونَ إِلاَّ الأَْفْضَل، وَلأَِنَّ الإِْمَامَةَ يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ أَكْمَل حَالًا وَأَفْضَل.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْذَانَ أَفْضَل مِنَ الإِْمَامَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِل صَالِحًا﴾ (١) قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂: نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَْوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ: الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَل النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: الإِْمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَْئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ (٤) . وَالأَْمَانَةُ أَعْلَى وَأَحْسَنُ مِنَ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنَ الإِْرْشَادِ، قَالُوا: كَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقُمْ بِمُهِمَّةِ الأَْذَانِ وَلاَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَعُودُ

_________

(١) سورة فصلت / ٣٣.

(٢) حديث: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف والأول. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٩٦)، ومسلم (١ / ٣٢٥) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث: " المؤذنون أطول الناس أعناقًا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٩٠) من حديث معاوية بن أبي سفيان.

(٤) حديث: " الإمام ضامن. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٤٠٢) من حديث أبي هريرة.

السَّبَبُ فِيهِ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ، لاِنْشِغَالِهِمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لاَ يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلأَْذَانِ، وَمُرَاعَاةِ أَوْقَاتِهِ، قَال الْمَوَّاقُ: إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الأَْذَانَ لأَِنَّهُ لَوْ قَال حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ يُعَجِّلُوا لَحِقَتْهُمُ الْعُقُوبَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَوْلاَ الْخِلاَفَةُ لأَذَّنْتُ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضْل.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الإِْمَامَةِ وَجَمِيعِ خِصَالِهَا، فَهِيَ أَفْضَل، وَإِلاَّ فَالأَْذَانُ أَفْضَل (٢) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ هَل الأَْذَانُ أَفْضَل أَمِ الإِْقَامَةُ؟ .

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الإِْقَامَةَ أَفْضَل مِنَ الأَْذَانِ، لأَِنَّ الأَْذَانَ يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الإِْقَامَةِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، وَمَا بَعْدَ أُولَى الْفَوَائِتِ، وَثَانِيَةِ الصَّلاَتَيْنِ بِعَرَفَةَ.

_________

(١) سورة النور / ٦٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٦٠، ٣٧٠، ومواهب الجليل ١ / ٤٢٢، والمجموع للنووي ٣ / ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٢٣١، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٣.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْذَانَ أَفْضَل مِنَ الإِْقَامَةِ، لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا (١) .

سَابِعًا - فَضْل صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى غَيْرِهَا:

١٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٢) .

وَكَوْنُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل مِنْهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ ف ٢) .

ثَامِنًا - فَضْل الصَّفِّ الأَْوَّل:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّفَّ الأَْوَّل مِنْ صُفُوفِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصُّفُوفِ الأُْخْرَى، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَْوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا (٤) وَقَوْلِهِ ﷺ: أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ،

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) حديث: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٣١)، ومسلم (١ / ٤٥٠) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.

(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ١٨٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٣٠، وكشاف القناع ١ / ٤٥٥، وجواهر الإكليل ١ / ٧٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٧.

(٤) حديث: " لو يعلم الناس ما في النداء. . . " تقدم ف١١.

فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ (١) .

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ أَفْضَل مِنَ الثَّالِثِ، وَأَنَّ الثَّالِثَ أَفْضَل مِنَ الرَّابِعِ، وَهَكَذَا، إِلاَّ النِّسَاءَ فَخَيْرُ صُفُوفِهِنَّ أَوَاخِرُهَا (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَال أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَفّ ف ٤) .

تَاسِعًا - فَضْل الْمُجَاهِدِ عَلَى الْقَاعِدِ:

١٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيل اللَّهِ مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ الْمُجَاهِدِينَ أَفْضَل مِنَ الْقَاعِدِينَ غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

_________

(١) حديث: " أتموا الصف المقدم. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٤٣٥) من حديث أنس بن مالك.

(٢) دليل الفالحين ٣ / ٥١٧، ٥٦٣، وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٧، وكشاف القناع ١ / ٤٨٨.

(٣) حديث: " خير صفوف الرجال أولها. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٢٦) من حديث أبي هريرة.

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) قَال بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْقَاعِدُونَ الأَْوَّل - فِي الآْيَةِ - هُمُ الأَْضِرَّاءُ، أَيْ هُمْ أُولُو الضَّرَرِ، فَإِنَّ الْمُجَاهِدِينَ أَفْضَل مِنْهُمْ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّ لَهُمْ نِيَّةً بِلاَ عَمَلٍ، وَلِلْمُجَاهِدِينَ نِيَّةٌ وَعَمَلٌ، وَالْقَاعِدُونَ الثَّانِي: هُمْ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَبَيْنَهُمْ دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً (٢) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَل أَفْضَل؟ قَال: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (٣)، وَعَنْهُ ﷺ: لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيل اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٤)، وَعَنْهُ ﷺ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٥) .

عَاشِرًا - فَضْل الإِْمَامِ وَالْقَاضِي عَلَى الْمُفْتِي وَغَيْرِهِ:

١٥ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوِلاَيَاتِ مِنْ

_________

(١) سورة النساء / ٩٥ - ٩٦.

(٢) دليل الفالحين ٤ / ٧٩ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠٨.

(٣) حديث أبي هريرة: سئل رسول الله ﷺ: " أي العمل أفضل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٧٧)، ومسلم (١ / ٨٨) .

(٤) حديث: " لغدوة في سبيل الله أو روحة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٣)، ومسلم (٣ / ١٤٩٩) من حديث أنس بن مالك.

(٥) حديث: " رباط يوم في سبيل الله. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٨٥) من حديث سهل بن سعد.

أَفْضَل الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ الْوُلاَةَ الْمُقْسِطِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَجَل قَدْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ (١)، وَلِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَدَرْءِ الْبَاطِل، وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَدْفَعُ بِهَا مَظَالِمَ كَثِيرَةً، أَوْ يَجْلِبُ بِهَا مَصَالِحَ كَثِيرَةً، فَإِذَا أَمَرَ الإِْمَامُ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْعَامَّةِ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ بِحَسَبِ مَا دَعَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَمَا زَجَرَ عَنْهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لأَُجِرَ عَلَيْهَا بِعَدَدِ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَكَذَلِكَ أَجْرُ أَعْوَانِهِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.

وَمِنْ أَجْل هَذَا أَصْبَحَ الْقَاضِي أَفْضَل وَأَعْظَم أَجْرًا مِنَ الْمُفْتِي، لأَِنَّ الْقَاضِيَ يُفْتِي وَيُلْزِمُ، فَلَهُ أَجْرَانِ، أَحَدُهُمَا: عَلَى فُتْيَاهُ، وَالآْخَرُ: عَلَى إِلْزَامِهِ، وَهَذَا إِذَا اسْتَوَتِ الْوَاقِعَةُ الَّتِي فِيهَا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ، وَإِلاَّ فَتَخْتَلِفُ أُجُورُهُمَا بِاخْتِلاَفِ مَا يَجْلِبَانِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَيَدْرَآنِهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَلَكِنَّ تَصَدِّي الْقَاضِي لِلْحُكْمِ أَفْضَل مِنْ تَصَدِّي الْمُفْتِي لِلْفُتْيَا.

_________

(١) حديث: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو.