الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ﴾ (١)، وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُنَزِّل مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٣) .
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ (٤)، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُول: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ (٥)، وَقَوْلُهُ ﷺ: يُقَال لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّل كَمَا كُنْتَ تُرَتِّل فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا (٦) .
٣ - إِلاَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
_________
(١) سورة الإسراء / ٩.
(٢) سورة الإسراء / ٨٢.
(٣) سورة الحشر / ٢١.
(٤) حديث: " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥٥٠) من حديث عائشة.
(٥) حديث: " من قرأ حرفًا من كتاب الله. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٥) من حديث ابن مسعود، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(٦) حديث: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن صحيح.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ سُوَرِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ أَفْضَل مِنْ بَعْضٍ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (٢)، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَال: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ قَرَأَ بِالآْيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (٤) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو الْحَسَنِ الأَْشْعَرِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَفْضَل مِنْ شَيْءٍ، لأَِنَّ الْجَمِيعَ كَلاَمُ اللَّهِ،
_________
(١) حديث: " ألم تر آيات أنزلت الليلة. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٥٨) من حديث عقبة بن عامر.
(٢) حديث: " إن سورة في القرآن ثلاثون آية. . . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن.
(٣) حديث أُبي بن كعب: " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٥٦) .
(٤) حديث: " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٥)، ومسلم (١ / ٥٥٥) من حديث أبي مسعود الأنصاري، واللفظ للبخاري.
فَكَيْفَ يَفْضُل بَعْضُهُ بَعْضًا، وَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهُ أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟ وَلِئَلاَّ يُوهِمَ التَّفْضِيل نَقْصَ الْمُفَضَّل عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ الإِْمَامُ مَالِكٌ أَنْ تُعَادَ قِرَاءَةُ سُورَةٍ أَوْ تُرَدَّدَ دُونَ غَيْرِهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْضِيل فِي السَّبَبِ الَّذِي يُفَضَّل بِهِ بَعْضُ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، فَقَال بَعْضُهُمْ: الْفَضْل رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الأَْجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ، بِحَسَبِ انْتِقَالاَتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ الْحَكِيمِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ التَّفْضِيل يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ لاَ يَظْهَرُ لَنَا، فَتَكُونُ سُورَةٌ أَفْضَل مِنْ سُورَةٍ، لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ جَعَل قِرَاءَتَهَا كَقِرَاءَةِ أَضْعَافِهَا مِمَّا سِوَاهَا، وَأَوْجَبَ بِهَا مِنَ الثَّوَابِ مَا لَمْ يُوجِبْ بِغَيْرِهَا، كَمَا جَعَل يَوْمًا أَفْضَل مِنْ يَوْمٍ وَشَهْرًا أَفْضَل مِنْ شَهْرٍ، بِمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ تَفْضُل عَلَى الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِهِ، وَالذَّنْبَ فِيهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ فِي غَيْرِهِ، وَكَمَا جَعَل الْحَرَمَ أَفْضَل مِنَ الْحِل، لأَِنَّهُ يَتَأَدَّى فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ مَا لاَ يَتَأَدَّى فِي غَيْرِهِ، وَالصَّلاَةُ فِيهِ يُضَاعَفُ أَجْرُهَا أَكْثَرَ مِنَ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِهِ.
وَقَال آخَرُونَ: إِنَّ الْفَضْل يَرْجِعُ لِذَاتِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الإِْخْلاَصِ، مِنَ الدَّلاَلاَتِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ ﷾، لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلًا فِي: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٢) وَأَمْثَالِهَا، فَالتَّفْضِيل إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا.
وَقَال الْحَلِيمِيُّ: مَعْنَى التَّفْضِيل يَرْجِعُ إِلَى أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَمَل بِآيَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمَل بِأُخْرَى وَأَعْوَدُ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا يُقَال: آيَةُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، خَيْرٌ مِنْ آيَاتِ الْقَصَصِ، لأَِنَّهَا إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا تَأْكِيدُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالإِْنْذَارُ وَالتَّبْشِيرُ، وَلاَ غِنَى لِلنَّاسِ عَنْ هَذِهِ الأُْمُورِ، وَقَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنِ الْقَصَصِ، فَكَانَ مَا هُوَ أَعْوَدُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْفَعُ لَهُمْ، مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الأُْصُول، خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا جُعِل تَبَعًا لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَال: الآْيَاتُ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَى تَعْدِيدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَبَيَانِ صِفَاتِهِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَى عَظَمَتِهِ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَال: سُورَةٌ خَيْرٌ مِنْ سُورَةٍ، أَوْ آيَةٌ خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ بِمَعْنَى: أَنَّ الْقَارِئَ يَتَعَجَّل لَهُ بِقِرَاءَتِهَا فَائِدَةً سِوَى الثَّوَابِ الآْجِل، وَيَتَأَدَّى مِنْهُ بِتِلاَوَتِهَا عِبَادَةٌ، كَقِرَاءَةِ
_________
(١) سورة البقرة / ١٦٣.
(٢) سورة المسد / ١.
آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَالإِْخْلاَصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَإِنَّ الْقَارِئَ يَتَعَجَّل بِقِرَاءَتِهَا الاِحْتِرَازَ مِمَّا يَخْشَى، وَالاِعْتِصَامَ بِاللَّهِ، وَيَتَأَدَّى بِتِلاَوَتِهَا عِبَادَةُ اللَّهِ، لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهِ ﷾ بِالصِّفَاتِ الْعُلَى، عَلَى سَبِيل الاِعْتِقَادِ لَهَا، وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى فَضْل ذَلِكَ الذِّكْرِ وَبَرَكَتِهِ، فَأَمَّا آيَاتُ الْحُكْمِ فَلاَ يَقَعُ بِنَفْسِ تِلاَوَتِهَا إِقَامَةُ حُكْمٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِهَا عِلْمُ الْحُكْمِ (١) .
ثَانِيًا - فَضْل الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَطَلَبِهِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَضْل الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَفَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، وَأَنَّ الاِشْتِغَال بِطَلَبِهِ أَفْضَل مِنَ الاِشْتِغَال بِنَوَافِل الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَوَافِل الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، لِتَكَاثُرِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ وَالآْثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْل الْعِلْمِ، وَالْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَالاِجْتِهَادِ فِي اقْتِبَاسِهِ (٢) .
وَمِنْ هَذِهِ الأَْدِلَّةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل هَل يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٣٨، ودليل الفالحين ٣ / ٤٧١، وما بعدها و١ / ٢٩٦، والإتقان في علوم القرآن ٢ / ١٥١، وفتح المبين شرح الأربعين ص٢٧٠.
(٢) المجموع للنووي ١ / ١٨ وما بعدها، ومغني المحتاج ١ / ٨، وكشاف القناع ١ / ١٢، ودليل الفالحين ٤ / ١٧٦.
(٣) سورة الزمر / ٩.
(٤) سورة المجادلة / ١١.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)
وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ (٢)، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَْرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْل الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَْنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَْنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ (٣) قَال الشَّافِعِيُّ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ.
وَانْظُرْ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ مُصْطَلَحَ: (طَلَبُ الْعِلْمِ ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَالِثًا: فَضْل الْفَرْضِ عَلَى النَّفْل:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ - سَوَاءٌ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ - أَفْضَل مِنَ التَّطَوُّعِ وَالتَّنَفُّل، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ
_________
(١) سورة فاطر / ٢٨.
(٢) حديث: " من يرد الله به خيرًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٤) ومسلم (٢ / ٧١٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان.
(٣) حديث: " من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٤٨ - ٤٩) من حديث أبي الدرداء وأعله بالانقطاع.
الْقُدْسِيِّ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ. . . (١) الْحَدِيثَ. لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالْفَرْضِ جَازِمٌ فَيَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَالآْخَرُ: الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ، بِخِلاَفِ النَّفْل، فَلاَ عِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ، وَلأَِنَّ الْفَرْضَ كَالأَْسَاسِ، وَالنَّفَل كَالْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الأَْسَاسِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْفَرْضُ أَكْمَل وَأَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَأَشَدّ تَقَرُّبًا مِنَ النَّفْل، إِلاَّ فِي مَسَائِل مُسْتَثْنَاةٍ، النَّفَل فِيهَا أَفْضَل مِنَ الْفَرْضِ، وَهِيَ:
أ - تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَقْتِ لِغَيْرِ الْمَعْذُورِ مَنْدُوبٌ، وَبَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ فَرْضٌ، الْمَنْدُوبُ - هُنَا - أَفْضَل مِنَ الْفَرْضِ، لأَِنَّ تَقْدِيمَ الْوُضُوءِ فِيهِ انْتِظَارُ الصَّلاَةِ، وَمُنْتَظِرُ الصَّلاَةِ كَمَنْ هُوَ فِيهَا، وَلأَِنَّ فِيهِ قَطْعَ طَمَعِ الشَّيْطَانِ عَنْ تَثْبِيطِهِ عَنِ الصَّلاَةِ.
ب - إِبْرَاءُ الْمُعْسِرِ عَنِ الدَّيْنِ سُنَّةٌ، وَإِنْظَارُهُ حَتَّى الْمَيْسَرَةَ فَرْضٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، وَلَكِنَّ الإِْبْرَاءَ أَفْضَل مِنَ الإِْنْظَارِ.
_________
(١) حديث: " من عادى لي وليًّا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤٠ - ٣٤١) من حديث أبي هريرة.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٠.
ج - الاِبْتِدَاءُ بِالسَّلاَمِ سُنَّةٌ، وَرَدُّ السَّلاَمِ فَرْضٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) وَابْتِدَاءُ السَّلاَمِ أَفْضَل مِنْ رَدِّهِ (٢)، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَرْفَعُهُ: إِذَا مَرَّ الرَّجُل بِالْقَوْمِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ، لأَِنَّهُ ذَكَّرَهُمُ السَّلاَمَ (٣) .
٦ - وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا: هَل الْفَرْضُ الْعَيْنِيُّ أَفْضَل أَمِ الْفَرْضُ الْكِفَائِيُّ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَفْضَل مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، لأَِنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ فُرِضَ حَقًّا لِلنَّفْسِ، فَهُوَ أَهَمُّ عِنْدَهَا وَأَكْثَرُ مَشَقَّةً، بِخِلاَفِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ حَقًّا لِلْكَافَّةِ، وَالأَْمْرُ إِذَا عَمَّ خَفَّ وَإِذَا خُصَّ ثَقُل.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَل مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، لأَِنَّ فَاعِلَهُ يَسُدُّ مَسَدَّ الأُْمَّةِ، وَيُسْقِطُ الْحَرَجَ عَنْهَا بِأَسْرِهَا، وَبِتَرْكِهِ يَأْثَمُ
_________
(١) سورة النساء / ٨٦.
(٢) دليل الفالحين ١ / ٢٩٦، ٣ / ٣٣٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٤، وفتح المبين شرح الأربعين ص٢٦٨ - ٢٧٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٨٥، والمجموع للنووي ١ / ٢٢، وقواعد الأحكام ١ / ٥٥.
(٣) حديث ابن مسعود: " إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم. . . " أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦ / ٤٣٢) مرفوعًا وموقوفًا، وضعف المرفوع.
الْمُتَمَكِّنُونَ مِنْهُ كُلُّهُمْ، وَلاَ شَكَّ فِي عِظَمِ وَقْعِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ (١) .
رَابِعًا - فَضْل بَعْضِ الأَْمْكِنَةِ عَلَى بَعْضٍ:
٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الأَْمَاكِنِ أَفْضَل مِنَ الْبَعْضِ الآْخَرِ بِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ فَضْلِهِ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ إِكْرَامِهِ لِعِبَادِهِ، لاَ بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ فِيهَا، لأَِنَّ الأَْمَاكِنَ فِي الأَْصْل مُتَمَاثِلَةٌ وَمُتَسَاوِيَةٌ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ وَالْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ هُمَا أَفْضَل بِقَاعِ الأَْرْضِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا أَفْضَل؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلَى أَنَّ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ أَفْضَل مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، لِوُجُوهٍ عَدَّدَهَا الْعُلَمَاءُ:
أَحَدُهَا: وُجُوبُ قَصْدِهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهَذَانِ وَاجِبَانِ لاَ يَقَعُ مِثْلُهُمَا فِي الْمَدِينَةِ.
الثَّانِي: إِنْ فُضِّلَتِ الْمَدِينَةُ بِإِقَامَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ، كَانَتْ مَكَّةُ أَفْضَل مِنْهَا، لأَِنَّهُ ﷺ أَقَامَ فِيهَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
الثَّالِثُ: إِنْ فُضِّلَتِ الْمَدِينَةُ بِكَثْرَةِ الطَّارِقِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَمَكَّةُ أَفْضَل مِنْهَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠، والمجموع للنووي ١ / ٢٢، والقليوبي وعميرة ٤ / ٢١٣، وقواعد الأحكام للعزّ ابن عبد السلام ١ / ٤٨.
بِكَثْرَةِ مَنْ طَرَقَهَا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصَّالِحِينَ.
الرَّابِعُ: إِنَّ التَّقْبِيل وَالاِسْتِلاَمَ ضَرْبٌ مِنَ التَّقْدِيسِ وَالاِحْتِرَامِ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ أَوْجَبَ عَلَيْنَا اسْتِقْبَالَهَا فِي الصَّلاَةِ حَيْثُمَا كُنَّا مِنَ الْبِلاَدِ وَالْفَلَوَاتِ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْنَا مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ.
السَّادِسُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا اسْتِقْبَال الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
السَّابِعُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ، فَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ مِنَ الرُّسُل وَالأَْنْبِيَاءِ إِلاَّ لِنَبِيِّنَا ﷺ وَعَلَى جَمِيعِ الأَْنْبِيَاءِ، فَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
الثَّامِنُ: إِنَّ اللَّهَ بَوَّأَهَا لإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيل وَلاِبْنِهِ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَجَعَلَهَا مَوْلِدًا لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ الأَْنْبِيَاءِ ﵊.
التَّاسِعُ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: " اغْتَسَل لِدُخُول مَكَّةَ " (١)، وَهُوَ مَسْنُونٌ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ مِثْل ذَلِكَ لِدُخُول الْمَدِينَةِ.
الْعَاشِرُ: إِنَّ اللَّهَ ﷾ أَثْنَى عَلَى
_________
(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ اغتسل لدخوله مكة " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٣٥) من حديث ابن عمر.