الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكُفْرُ:
٢ - الْكُفْرُ فِي اللُّغَةِ: سَتْرُ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ وُصِفَ اللَّيْل بِالْكَافِرِ لِسَتْرِهِ الأَْشْخَاصَ، وَالزُّرَّاعُ لِسَتْرِهِمُ الْبِذْرَ فِي الأَْرْضِ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ وَكُفْرَانُهَا: سَتْرُهَا بِالْجُحُودِ، وَاسْتِعْمَال الْكُفْرِ فِي جُحُودِ الدِّينِ أَكْثَرُ، وَاسْتِعْمَال الْكُفْرَانِ فِي جُحُودِ النِّعْمَةِ أَكْثَرُ.
قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: وَالْكَافِرُ عَلَى الإِْطْلاَقِ مُتَعَارَفٌ فِيمَنْ يَجْحَدُ الْوَحْدَانِيَّةَ أَوِ النُّبُوَّةَ أَوِ الشَّرِيعَةَ أَوْ ثَلاَثَتَهَا، وَقَدْ يُقَال: كَفَرَ، لِمَنْ أَخَل بِالشَّرِيعَةِ وَتَرَكَ مَا لَزِمَهُ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ.
ب - الظُّلْمُ:
٣ - الظُّلْمُ فِي اللُّغَةِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ، وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ عَنْ مَكَانِهِ، وَالظُّلْمُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ
_________
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني، والمفردات للراغب.
اللُّغَوِيِّ (١) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الظُّلْمَ يُؤَدِّي إِلَى الْفِسْقِ.
ج - الْعَدَالَةُ:
٤ - الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَسُّطُ وَالاِعْتِدَال وَالاِسْتِقَامَةُ، وَهِيَ صِفَةٌ تُوجِبُ مُرَاعَاتُهَا الاِحْتِرَازَ عَمَّا يُخِل بِالْمُرُوءَةِ عَادَةً ظَاهِرًا، وَالْعَدَالَةُ: الْعَدْل، وَهُوَ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ.
وَالْعَدَالَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَاجْتِنَابُ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَقِيل: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَأَدَاءُ الْفَرَائِضِ، وَأَنْ تَغْلِبَ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ، وَقَال الْبُهُوتِيُّ: الْعَدَالَةُ هِيَ اسْتِوَاءُ أَحْوَال الشَّخْصِ فِي دِينِهِ، وَاعْتِدَال أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفِسْقِ وَالْعَدَالَةِ الضِّدِّيَةُ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الْفِسْقُ حَرَامٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ، وَمُخَالَفَةٌ لأَِوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيُعَاقَبُ صَاحِبُهُ بِالْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ (٣) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب، والتعريفات للجرجاني.
(٢) المراجع السابقة، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٦٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وكشاف القناع ٦ / ٤١٨.
(٣) التفسير الكبير للفخر الرازي ١٠ / ٧٤، والزواجر لابن حجر ١ / ٤، ٥.
أَنْوَاعُ الْفِسْقِ:
٦ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْفِسْقَ تَارَةً يَكُونُ بِتَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَتَارَةً بِفِعْل الْمُحَرَّمَاتِ (١) .
وَجَاءَ فِي الزَّوَاجِرِ عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ لاِبْنِ حَجَرٍ: قَال بَعْضُ الأَْئِمَّةِ: كَبَائِرُ الْقُلُوبِ أَعْظَمُ مِنْ كَبَائِرِ الْجَوَارِحِ، لأَِنَّهَا كُلُّهَا تُوجِبُ الْفِسْقَ (٢) .
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ نَاقِلًا عَنِ الإِْمَامِ الْقُرْطُبِيَّ: وَالْفِسْقُ فِي عُرْفِ الاِسْتِعْمَال الشَّرْعِيِّ: الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ﷿، فَقَدْ يَقَعُ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِكُفْرٍ، وَعَلَى مَنْ خَرَجَ بِعِصْيَانٍ (٣)، وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ قَال ﷺ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ (٤) .
الْفِسْقُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، كَالْفِسْقِ الْمِلِّيِّ أَوْ فِسْقِ أَهْل الْمِلَّةِ الَّذِينَ لَهُمْ حَسَنَاتٌ وَلَهُمْ سَيِّئَاتٌ، فَهُمْ غَيْرُ مُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ (٥) .
وَمِنْ ذَلِكَ الْفَاسِقُ بِتَأْوِيلٍ، كَالَّذِي يَشْرَبُ الْخَمْرَ مُتَأَوِّلًا فِقْهَ الْعِرَاقِيِّينَ، فَإِذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ
_________
(١) مجموعة الفتاوى ٧ / ٦٣٧.
(٢) الزواجر ١ / ٢١.
(٣) تفسير فتح القدير ١ / ٥٦ - ٥٧.
(٤) حديث: " سباب المسلم فسوق. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٦٤)، ومسلم (١ / ٨١) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥) مجموعة الفتاوى ص٧ / ٦٧٠، ٦٧٩.
لِمَقْطُوعٍ بِحُرْمَتِهِ فَلاَ يُعْذَرُ بِتَأْوِيلِهِ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ فَلاَ يُعْذَرُ بِذَلِكَ (١) .
وَمِنْهُ الْفَاسِقُ بِالْجَارِحَةِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَزْنِي (٢) .
وَمِنْهُ الْفَاسِقُ بِالاِعْتِقَادِ كَالْقَدَرِيِّ وَالْجَبْرِيِّ.
إِمَامَةُ الْفَاسِقِ فِي الصَّلاَةِ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّلاَةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلإِْمَامَةِ فِي الْجُمْلَةِ كُل عَاقِلٍ مُسْلِمٍ، حَتَّى تَجُوزَ إِمَامَةُ الْعَبْدِ وَالأَْعْرَابِيِّ وَالأَْعْمَى وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْفَاسِقِ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَصِحُّ الصَّلاَةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ - مَعَ الْكَرَاهَةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ بِجَارِحَةٍ، كَزَانٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ، فَإِنْ تَعَلَّقَ فِسْقُهُ بِالصَّلاَةِ، كَقَصْدِهِ الْكِبْرَ بِإِمَامَتِهِ، فَلاَ تَصِحُّ.
وَمُقَابِل الْمُعْتَمَدِ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ بِجَارِحَةٍ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَصِحُّ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الْمُخْتَلَفِ فِي تَكْفِيرِهِ بِبِدْعَتِهِ، كَالْحَرُورِيِّ
_________
(١) بداية المجتهد ١ / ١١٥، والفواكه الدواني على الرسالة ١ / ٢٤١.
(٢) شرح ميارة الكبير علي ابن عاشر ٢ / ٤٠ - ٤٥.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ١٥٦، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٧٠، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي عليه ١٦٤ - ١٦٥.
وَالْقَدَرِيِّ (١) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُجِيزُونَ الصَّلاَةَ وَرَاءَ الإِْمَامِ الْفَاسِقِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ خَلْفَهُ، وَمَحَل كَرَاهَةِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ لِغَيْرِ الْفَاسِقِ، أَمَّا لِمِثْلِهِ فَلاَ تُكْرَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِسْقُ الإِْمَامِ أَفْحَشَ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِالاِعْتِقَادِ أَوْ بِأَفْعَالٍ مُحَرَّمَةٍ، وَسَوَاءٌ أَعْلَنَ فِسْقَهُ أَوْ أَخْفَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلاَ يَؤُمُّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلاَ يَؤُمُّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ (٤)، وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ مُطْلَقًا (٥) .
الْفِسْقُ وَالإِْمَامَةُ الْكُبْرَى:
٨ - مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى أَنْ يَكُونَ عَدْلًا.
وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لاَ يَجُوزُ أَنْ تُعْقَدَ الإِْمَامَةُ لِفَاسِقٍ، لأَِنَّ الإِْمَامَ يُقَامُ لإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، وَحِفْظِ أَمْوَال
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٧٨، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٩.
(٢) حاشية البجيرمي على الخطيب ٢ / ١١٢.
(٣) سورة السجدة / ١٨.
(٤) حديث: " لا تؤمّنّ امرأة رجلًا. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٣) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٠٣) .
(٥) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٥٧، وكشاف القناع ١ / ٤٧٤.
الأَْيْتَامِ وَالْمَجَانِينِ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْفِسْقِ يُقْعِدُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِهَذِهِ الأُْمُورِ وَالنُّهُوضِ فِيهَا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ٦) .
أَثَرُ الْفِسْقِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ:
٩ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْفِسْقِ.
وَذَكَرَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ أَنَّ الْفَاسِقَ الْمُبْتَدِعَ الَّذِي لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ لَمْ تُقْبَل رِوَايَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً قُبِل، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ كَمَا قَال الْخَطِيبُ، وَقَال ابْنُ الصَّلاَحِ: وَهَذَا مَذْهَبُ الْكَثِيرِ وَالأَْكْثَرِ، وَهُوَ أَعْدَلُهَا وَأَوْلاَهَا (٢) .
أَثَرُ الْفِسْقِ فِي الشَّهَادَةِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ، وَأَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْفَاسِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤)، فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا،
_________
(١) تفسير القرطبي ١ / ٢٣٢، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ١٠.
(٢) شرح مقدمة ابن الصلاح ص١١٤، وشرح الزين العراقي على ألفيته مخطوط ص٤٩.
(٣) سورة الطلاق / ٢.
(٤) سورة الحجرات / ٦.
لأَِنَّ فِي الْحُكْمِ بِهَا تَعْدِيلًا لَهُ، وَلأَِنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى (١) .
أَثَرُ الْفِسْقِ فِي الْفَتْوَى:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ مِنْ قَبُول الْفَتْوَى، لأَِنَّ الإِْفْتَاءَ يَتَضَمَّنُ الإِْخْبَارَ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لاَ يُقْبَل.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَ تُقْبَل فَتْوَاهُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (فَتْوَى ف ١٢) .
أَثَرُ الْفِسْقِ فِي الْحَضَانَةِ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَضَانَةَ لِفَاسِقٍ، لأَِنَّ الْفَاسِقَ لاَ يَلِي وَلاَ يُؤْتَمَنُ، وَلأَِنَّ الْمَحْضُونَ لاَ حَظَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهِ، لأَِنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الْفِسْقَ الْمُسْقِطَ لِلْحَضَانَةِ بِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لِلْوَلَدِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَضَانَة ف ٣) .
الْفِسْقُ وَالْمُعَامَلاَتُ:
١٣ - نَصَّ الْجَصَّاصُ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ أَهْل الْعِلْمِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ قَبُول خَبَرِ
_________
(١) الفتاوى الخانية ٢ / ٤٦٠، والتبصرة لابن فرحون ١ / ١٧٣، والشرح الصغير ٤ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٥٥، والمغني ٩ / ٦٣ - ٦٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٣٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٨، وكشاف القناع ٥ / ٤٩٨، ومغني المحتاج ٣ / ٤٥٥.
الْفَاسِقِ فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا: أُمُورُ الْمُعَامَلاَتِ، فَيُقْبَل فِيهَا خَبَرُ الْفَاسِقِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْهَدِيَّةِ إِذَا قَال لَكَ: إِنَّ فُلاَنًا أَهْدَى إِلَيْكَ هَذَا، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ وَقَبْضُهُ، وَنَحْوُ قَوْلِهِ: وَكَّلَنِي فُلاَنٌ بِبَيْعِ كَذَا، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ وَشِرَاؤُهُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَخْبَارِ الْمُعَامَلاَتِ (١) .
وَنَصَّ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا عَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، أَوْ شَيْءٍ يُوصِلُهُ، أَوْ إِذْنٍ يُعْلِمُهُ، إِذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِّ الْمُرْسِل وَالْمُبَلِّغِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَهَذَا جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إِلاَّ الْعُدُول، لَمْ يَحْصُل مِنْهَا شَيْءٌ، لِعَدَمِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ نُدْرَتُهُمْ (٢) .
الْفَاسِقُ وَوِلاَيَةُ النِّكَاحِ:
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَكُونُ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ، لأَِنَّهُ يَلِي مَالَهَا فَيَلِي بُضْعَهَا كَالْعَدْل، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فِي دِينِهِ إِلاَّ أَنَّ غَيْرَتَهُ مُتَوَفِّرَةٌ، وَبِهَا يَحْمِي الْحَرِيمَ، وَقَدْ يَبْذُل الْمَال وَيَصُونُ الْحُرْمَةَ، وَإِذَا وَلِيَ الْمَال فَالنِّكَاحُ أَوْلَى.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ كَرِهُوا لِلْوَلِيِّ الْفَاسِقِ أَنْ يَلِيَ زَوَاجَ مَنْ يَلِي عَلَيْهَا، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِ الْوَلِيَّ الْعَدْل
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٩٨ ط الأستانة.
(٢) تفسير القرطبي ١٦ / ٣١١.
الْمُسَاوِيَ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِدُ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، غَيْرَ الإِْمَامِ الأَْعْظَمِ، مُجْبَرًا كَانَ أَمْ لاَ، أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَمْ لاَ، فَلاَ يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ الْفَاسِقُ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سُلِبَ الْوِلاَيَةَ لاَنْتَقَلَتْ إِلَى حَاكِمٍ فَاسِقٍ، وَالْوَلِيُّ الْخَاصُّ تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ مُطْلَقًا بِخِلاَفِ الْحَاكِمِ، فَلاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، لأَِنَّهُ يُزَوَّجُ لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا (٢) .
الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ:
١٥ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى خِطْبَةِ امْرَأَةٍ سَبَقَ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خِطْبَتُهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: لاَ يَخْطِبُ الرَّجُل عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ (٣) .
لَكِنْ إِذَا كَانَ هَذَا الْخَاطِبُ السَّابِقُ فَاسِقًا، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَحْرُمُ خِطْبَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٩٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨١.
(٢) البجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٠٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٥٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٨، ١٩.
(٣) حديث: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٩٨) ومسلم (٢ / ١٠٣٢) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.
الْمُسْلِمِ، أَمَّا خِطْبَتُهُ عَلَى الْكَافِرِ فَتَجُوزُ (١) .
أَثَرُ الْفِسْقِ فِي عَزْل الْوَالِي:
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الْفِسْقِ فِي عَزْل الْوَالِي بَعْدَ انْعِقَادِ وِلاَيَتِهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ، وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْل بِهِ.
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْفِسْقِ الَّذِي يُعْزَل بِهِ وَالْفِسْقِ الَّذِي لاَ يُعْزَل بِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ١٢) .
حُكْمُ التَّوَدُّدِ لِلْفَاسِقِ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوَدُّدُ لِلْفَاسِقِ لأَِجْل فِسْقِهِ، وَلاَ الْجُلُوسُ مَعَهُ وَهُوَ يُمَارِسُ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي إِينَاسًا وَمُجَارَاةً لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (٢)، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُل طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ (٣)، وَقَوْلِهِ: الرَّجُل عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل (٤) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢١٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٦، وكشاف القناع ٥ / ١٨، ١٩.
(٢) سورة هود / ١١٣.
(٣) حديث: " لا تصاحب إلا مؤمنًا. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٠١) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: حديث حسن.
(٤) حديث: " الرجل على دين خليله. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٥٨٩) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح.