الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
الْحَنَفِيَّةِ - فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ بِحُكْمِ الْقَاضِي إِذَا رُفِعَ الأَْمْرُ إِلَيْهِ وَامْتَنَعَ الْعَاقِدَانِ عَنِ الْفَسْخِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُطْلاَن ف ٢٥) (وَخِيَارُ الْعَيْبِ ف ٣٨، ٣٩) (وَبَيْع ف ٥٩)
الْفَسْخُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ:
١٥ - يَكُونُ الْفَسْخُ بِسَبَبِ الْخَلَل الْحَاصِل فِي الْعَقْدِ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الشَّرْعِ، كَفَسْخِ الزَّوَاجِ عِنْدَ تَبَيُّنِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفَسْخِ الْبَيْعِ حَالَةَ فَسَادِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالاِنْفِسَاخِ، كَمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَبِيعِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ مُفْضِيَةٌ لِلنِّزَاعِ (٢) .
الْفَسْخُ لِلأَْعْذَارِ:
١٦ - يُفْسَخُ الْعَقْدُ لِلْعُذْرِ إِذَا كَانَ عَقْدَ إِيجَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ عَقْدَ بَيْعٍ لِلثِّمَارِ بِسَبَبِ الْجَوَائِحِ
فَقَدْ أَجَازَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ (٣)، دُونَ غَيْرِهِمْ فَسْخَ عَقْدِ الإِْجَارَةِ وَعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِالأَْعْذَارِ الطَّارِئَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعُذْرُ قَائِمًا بِالْعَاقِدَيْنِ أَمْ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْفَسْخِ
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٨١، ٢٩٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ١٢١، ومغني المحتاج ٢ / ٥٧، والمهذب ١ / ٢٨٤، ١٣٨، والمغني ٤ / ١٠٩.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) المبسوط ١٦ / ٢ وما بعدها، والبدائع ٤ / ١٩٧ وما بعدها، وتبيين الحقائق ٥ / ٤٥ وما بعدها، ومختصر الطحاوي ص١٣٠، والدر المختار ورد المختار ٥ / ٥٤ وما بعدها.
عِنْدَ الْعُذْرِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعُذْرِ، لَلَزِمَ صَاحِبَ الْعُذْرِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ.
أَمَّا الْجُمْهُورُ فَالأَْصْل عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ، وَقَدْ يَرَوْنَ الْفَسْخَ فِي أَحْوَالٍ قَلِيلَةٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَة ف ٦٤، ٦٩)
الْفَسْخُ لاِسْتِحَالَةِ التَّنْفِيذِ:
١٧ - إِذَا هَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِغَيْرِ الْهَلاَكِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ أَمْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع ف ٥٩) وَمُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْعَيْبِ ف ٣٢ وَمَا بَعْدَهَا)
الْفَسْخُ لِلإِْفْلاَسِ وَالإِْعْسَارِ وَالْمُمَاطَلَةِ:
١٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا ظَهَرَ مُفْلِسًا فَلِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعُ بِعَيْنِ مَالِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُنْظِرَهُ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (١)، وَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى
_________
(١) حديث: " من أدرك ماله بعينه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٦٢) ومسلم (٣ / ١١٩٣) من حديث أبي هريرة.
الْمُعْسِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَلَوْ بِبَعْضِ الثَّمَنِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلاَ فَسْخَ، وَيَحْجُرُ الْحَاكِمُ الْمَبِيعَ وَبَقِيَّةَ مَالِهِ حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ الْحَال أَوْ بَعْضُهُ بَعِيدًا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَر، أَوْ غَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي الْمَسَافَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ.
وَيَرَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا كَانَ مُوسِرًا مُمَاطِلًا فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُخَاصَمَةِ، قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، إِذْ نَصُّوا أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرِيمُ أَحَقَّ بِأَخْذِ عَيْنِ مَالِهِ، بَل هُوَ فِي ثَمَنِهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ مَنْ بَاعَ شَيْئًا وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ وَلَمْ تَفِ التَّرِكَةُ بِالدَّيْنِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِفْلاَس ف ٢٥، ٢٦)
وَلَيْسَ خِيَارُ الْفَسْخِ مُخْتَصًّا بِعَقْدِ الْبَيْعِ عِنْدَ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٣٧، وفتح القدير ٥ / ٣٢٨، والشرح الصغير ٣ / ٣٥٢ طبعة دار المعارف، المهذب ١ / ٣٣٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٧٨ وكشاف القناع ٣ / ٢٤٠ طبع مكة.
الْجُمْهُورِ، بَل هُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا فِي كُل عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالإِْجَارَةِ وَالْقَرْضِ، فَلِلْمُؤَجِّرِ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِذَا أَفْلَسَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْل دَفْعِ الأُْجْرَةِ، لِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ إِذَا أَفْلَسَ وَكَانَ عَيْنُ مَالِهِ قَائِمًا (١) .
وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِلإِْعْسَارِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ، وَالْفُرْقَةُ طَلاَقٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَسْخٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَلاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَجَوَازُهَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ.
وَلَمْ يُجِزِ الْحَنَفِيَّةُ التَّفْرِيقَ بِسَبَبِ الإِْعْسَارِ (٢)، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إِنْظَارَ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) .
فَسْخُ النِّكَاحِ:
١٩ - التَّفْرِيقُ فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَسْخًا أَوْ طَلاَقًا.
وَالْفَسْخُ: مِنْهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَمِنْهُ مَا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
أَمَّا الْفَسْخُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْقَضَاءِ فَهُوَ فِي
_________
(١) شرح الخرشي ٤ / ١٩١ - ١٩٣، وبداية المجتهد ٣ / ٢٣٧، ٢٤٠، والمهذب ١ / ٣٢٣ - ٣٢٧، وفتح العزيز ١٠ / ٢٣٣ - ٢٤٣، والمغني ٤ / ٤٥٦ - ٤٦٠، ٥٠٥.
(٢) الدر المختار ٢ / ٩٠٣، والفروق ٣ / ١٤٥، والشرح الصغير ٢ / ٧٤٥، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٢، والمغني ٧ / ٥٧٣.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠.
الْجُمْلَةِ يَكُونُ فِي الأُْمُورِ الآْتِيَةِ:
أ - عَدَمُ الْكَفَاءَةِ.
ب - نُقْصَانُ الْمَهْرِ عَنْ مَهْرِ الْمِثْل.
ج - إِبَاءُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الإِْسْلاَمَ إِذَا أَسْلَمَ الآْخَرُ، لَكِنَّ الْفُرْقَةَ بِسَبَبِ إِبَاءِ الزَّوْجَةِ فَسْخٌ بِالاِتِّفَاقِ، أَمَّا الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ إِبَاءِ الزَّوْجِ فَهِيَ فَسْخٌ فِي رَأْيِ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، فَلَمْ يَرَيَا تَوَقُّفَهَا عَلَى الْقَضَاءِ، لأَِنَّ الْفُرْقَةَ حِينَئِذٍ طَلاَقٌ فِي رَأْيِهِمَا.
د - خِيَارُ الْبُلُوغِ لأَِحَدِ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذَا زَوَّجَهُمَا فِي الصِّغَرِ غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ.
هـ - خِيَارُ الإِْفَاقَةِ مِنَ الْجُنُونِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا زَوَّجَ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْجُنُونِ غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَالاِبْنِ.
وَأَمَّا الْفَسْخُ غَيْرُ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى الْقَضَاءِ فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ فِي الأُْمُورِ التَّالِيَةِ:
أ - فَسَادُ الْعَقْدِ فِي أَصْلِهِ، كَالزَّوَاجِ بِغَيْرِ شُهُودٍ.
ب - طُرُوءُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
ج - رِدَّةُ الزَّوْجِ فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، فَإِنِ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ فَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
_________
(١) البدائع ٢ / ٣٣٦ وما بعدها، وفتح القدير ٣ / ٢١، وابن عابدين ٢ / ٣٠٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٦٤، وبداية المجتهد ٢ / ٧٠، وحاشية الشرقاوي ٢ / ٢٩٤ - ٢٩٦، والمغني ٧ / ٥٦ وما بعدها.
الْفَسْخُ لِعَدَمِ إِجَازَةِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ:
٢٠ - عَدَمُ إِجَازَةِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ أَوْ مِلْكٌ وَالَّذِي يَتَوَقَّفُ نَفَاذُ الْعَقْدِ عَلَى رِضَاهُ يُعَدُّ مِنْ أَسْبَابِ انْحِلاَل الْعَقْدِ أَوْ فَسْخِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِانْعِقَادِهِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ مَوْقُوف) .
الْفَسْخُ بِسَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ:
٢١ - إِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَخْيِيرِ الْمُشْتَرِي بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ بِالْفَسْخِ أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي، وَذَلِكَ فِي حَالَةِ الاِسْتِحْقَاقِ الْجُزْئِيِّ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْقَاق ف ٩، ١١) .
آثَارُ الْفَسْخِ:
تَظْهَرُ آثَارُ الْفَسْخِ فِي شَيْئَيْنِ: انْتِهَاءُ الْعَقْدِ، وَسَرَيَانُهُ عَلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل.
أَوَّلًا: انْتِهَاءُ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ:
٢٢ - يَنْتَهِي الْعَقْدُ بِالْفَسْخِ وَيَكُونُ لَهُ آثَار
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ٤ / ٥ - ٦، ١٠٤، البدائع ٥ / ١٤٨ - ١٥٠، ١٥٥، فتح القدير مع العناية بهامشه ٥ / ٣٠٩ وما بعدها، بداية المجتهد ٢ / ١٧١.
فِيمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا.
أ - أَثَرُ الْفَسْخِ فِيمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ:
٢٣ - يَظَل الْعَقْدُ قَائِمًا إِلَى حِينِ الْفَسْخِ وَيُنْتِجُ جَمِيعَ آثَارِهِ، فَإِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ انْحَل وَاعْتُبِرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرَفَيْنِ.
ب - أَثَرُ الْفَسْخِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ:
٢٤ - إِذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ الْقَابِل لِلْفَسْخِ تَصَرُّفًا يُرَتِّبُ لِلْغَيْرِ حَقًّا فِي الْمِلْكِيَّةِ امْتَنَعَ الْفَسْخُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حِفَاظًا عَلَى ذَلِكَ الْحَقِّ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَبْقَى حَقُّ الْفَسْخِ قَائِمًا وَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ وَإِلاَّ فَالْفَسْخُ عَلَى حَالِهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِرْدَاد ف ١١) .
ثَانِيًا: أَثَرُ الْفَسْخِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل:
٢٥ - بَحَثَ السُّيُوطِيُّ أَثَرَ الْفَسْخِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاضِي بِعُنْوَانِ: هَل يَرْفَعُ الْفَسْخُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ؟ فَقَال:
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ٦٤، حاشية الدسوقي ٣ / ٦١، والمهذب ١ / ٢٦٨، ٧٣، والكافي ٢ / ٧٢٤.
أ - فَسْخُ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ مِنْ حِينِهِ.
ب - الْفَسْخُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالتَّصْرِيَةِ: الأَْصَحُّ مِنْ حِينِهِ.
ج - تَلَفُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ: الأَْصَحُّ الاِنْفِسَاخُ مِنْ حِينِ التَّلَفِ.
د - الْفَسْخُ بِالتَّحَالُفِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي: الأَْصَحُّ مِنْ حِينِهِ.
هـ - السَّلَمُ: يَرْجِعُ الْفَسْخُ إِلَى عَيْنِ رَأْسِ الْمَال.
والْفَسْخُ بِالْفَلَسِ: مِنْ حِينِهِ.
ز - الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ: مِنْ حِينِهِ قَطْعًا.
ح - فَسْخُ النِّكَاحِ بِأَحَدِ الْعُيُوبِ: الأَْصَحُّ مِنْ حِينِهِ.
ط - الإِْقَالَةُ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا فَسْخٌ: الأَْصَحُّ مِنْ حِينِهِ (١) .
وَيُلاَحَظُ أَنَّ أَغْلَبَ حَالاَتِ الْفَسْخِ فِي رَأْيِ الشَّافِعِيَّةِ لَيْسَ لَهَا أَثَرٌ رَجْعِيٌّ.
وَذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ خِلاَفًا فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى مُقَارِنٍ لِلْعَقْدِ، هَل هُوَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ (٢)؟
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ - إِمَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣١٧.
(٢) القواعد ص١١٦.
بِتَرَاضِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ - رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ عَلَى الْمَاضِي، فَتَكُونُ غَلَّةُ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَقَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ، وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ بِمَا وَقَعَتْ بِهِ الإِْقَالَةُ (١) .
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ: إِنَّ الْفَسْخَ يَجْعَل الْعَقْدَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْتَقْبَل لاَ فِي مَا مَضَى (٢) .
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ١٨٦، ٢١٠.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٩.
فِسْق
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَعَنِ الدِّينِ، وَعَنِ الاِسْتِقَامَةِ.
وَالْفِسْقُ فِي الأَْصْل خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فَسَقَ الرُّطَبُ: إِذَا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الشَّوْكَانِيُّ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ وَتَجَاوُزُ الْحَدِّ بِالْمَعْصِيَةِ.
وَالْفِسْقُ يَقَعُ بِالْقَلِيل مِنَ الذُّنُوبِ إِذَا كَانَتْ كَبَائِرَ، وَبِالْكَثِيرِ، لَكِنْ تُعُورِفَ فِيمَا كَانَ كَثِيرًا، وَقَدْ يَكُونُ الْفِسْقُ شِرْكًا، وَقَدْ يَكُونُ إِثْمًا، وَأَكْثَرُ مَا يُقَال الْفَاسِقُ لِمَنِ الْتَزَمَ حُكْمَ الشَّرْعِ وَأَقَرَّ بِهِ ثُمَّ أَخَل بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ (١)
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب الأصفهاني، والتعريفات للجرجاني، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، وفتح القدير للشوكاني ٤ / ٨.