الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
ب - الْقَلْبُ:
٣ - الْقَلْبُ فِي اللُّغَةِ: تَحْوِيل الشَّيْءِ عَنْ وَجْهِهِ، وَالْفُؤَادُ (١) .
وَالْقَلْبُ اصْطِلاَحًا: هُوَ دَعْوَى أَنَّ مَا اسْتُدِل بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إِنْ صَحَّ (٢) .
وَيُشْبِهُ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَلْبَ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِل، إِلاَّ أَنَّهُ يُفَارِقُهُ بِشَيْءٍ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْقَلْبِ يَثْبُتُ نَقِيضُ الْحُكْمِ بِأَصْل الْمُسْتَدِل، وَهَذَا يَثْبُتُ بِأَصْلٍ آخَرَ، فَلَوْ ذَكَرَهُ بِأَصْلِهِ لَكَانَ هُوَ الْقَلْبَ (٣) .
ج - الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ:
٤ - الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ هُوَ إِبْدَاءُ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قُضِيَ عَلَى الْوَصْفِ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا (٤) .
وَيُشْبِهُ فَسَادُ الْوَضْعِ الْقَدْحَ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَنْفِي مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِنَقِيضِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُقْصَدُ هَاهُنَا بَيَانُ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، بَل بِنَاءُ نَقِيضِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ آخَرَ، فَلَوْ بَيَّنَ
_________
(١) لسان العرب.
(٢) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٥٦، والبحر المحيط ٥ / ٢٨٩.
(٣) التقرير والتحبير ٣ / ٢٦٨.
(٤) المرجع السابق ٣ / ٢٦٢.
مُنَاسَبَتَهُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ بِلاَ أَصْلٍ كَانَ قَدْحًا فِي الْمُنَاسَبَةِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - فَسَادُ الْوَضْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الاِعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعِلَل الْمُؤَثِّرَةِ (٢) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ الاِعْتِرَاضَاتِ الَّتِي تَرِدُ عَلَى الأَْدِلَّةِ عُمُومًا وَلاَ يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ (٣)، وَهُوَ عِنْدَهُمْ كَوْنُ الدَّلِيل لَيْسَ عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لاِعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، بَل يَكُونُ صَالِحًا لِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ نَقِيضِهِ، وَذَلِكَ كَتَلَقِّي التَّخْفِيفِ مِنَ التَّغْلِيظِ، وَالتَّوْسِيعِ مِنَ التَّضْيِيقِ، وَالإِْثْبَاتِ مِنَ النَّفْيِ، وَالنَّفْيِ مِنَ الإِْثْبَاتِ.
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٧، وحاشية التفتازاني على شرح العضد ٢ / ٢٦١، والتقرير والتحبير ٣ / ٢٦٨.
(٢) التلويح على التوضيح ٢ / ٨٥.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٥.
فَسْخ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَسْخُ لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ، مِنْهَا: النَّقْضُ أَوِ التَّفْرِيقُ، وَالضَّعْفُ فِي الْعَقْل وَالْبَدَنِ، وَالْجَهْل، وَالطَّرْحُ، وَإِفْسَادُ الرَّأْيِ، وَمِنَ الْمَجَازِ: انْفَسَخَ الْعَزْمُ وَالْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ: انْتَقَضَ، وَقَدْ فَسَخَهُ: إِذَا نَقَضَهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ (٢)، أَوْ هُوَ ارْتِفَاعُ حُكْمِ الْعَقْدِ مِنَ الأَْصْل كَأَنْ لَمْ يَكُنْ (٣)، أَوْ هُوَ: قَلْبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ (٤)، فَيُسْتَعْمَل الْفَسْخُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى رَفْعِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا فِي الْفَسْخِ بِسَبَبِ أَحَدِ الْخِيَارَاتِ، وَيُسْتَعْمَل أَيْضًا بِمَعْنَى رَفْعِ الْعَقْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل، كَمَا فِي أَحْوَال فَسْخِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ أَوْ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ (٥) .
_________
(١) تاج العروس.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣١٣.
(٣) البدائع ٥ / ١٨٢.
(٤) الفروق للقرافي ٣ / ٢٦٩.
(٥) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٩٧.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِنْفِسَاخُ:
٢ - الاِنْفِسَاخُ هُوَ: انْقِلاَبُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالاِنْفِسَاخِ: أَنَّ الأَْوَّل فِعْل الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوِ الْحَاكِمِ إِذَا ظَفِرُوا بِالْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالثَّانِي صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ، فَالأَْوَّل سَبَبٌ شَرْعِيٌّ وَالثَّانِي حُكْمٌ شَرْعِيٌّ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: انْفِسَاخ ف ١، ٦)
ب - الْخَلْعُ:
٣ - الْخَلْعُ لُغَةً: النَّزْعُ وَالإِْزَالَةُ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى قَبُول الْمَرْأَةِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ (٢) . فَالْخُلْعُ خَاصٌّ بِحَل الرَّابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ، أَمَّا الْفَسْخُ فَهُوَ أَعَمُّ، وَهُوَ حَل ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَالْخُلْعُ يَحْدُثُ بِالتَّرَاضِي، أَمَّا الْفَسْخُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
فَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا صِلَةُ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ.
ج - الطَّلاَقُ:
٤ - مِنْ مَعَانِي الطَّلاَقِ لُغَةً: رَفْعُ الْقَيْدِ مُطْلَقًا، يُقَال: أَطْلَقَ الْفَرَسَ: إِذَا
_________
(١) الفروق للقرافي ٣ / ٢٦٩.
(٢) الدر المختار ٢ / ٧٦٦، وفتح القدير ٣ / ١٩٩.
خَلاَّهُ (١)، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَال أَوِ الْمَآل بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالطَّلاَقِ: أَنَّ الْفَسْخَ مُقَارِبٌ لِلطَّلاَقِ إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ (٣) .
د - الإِْبْطَال:
٥ - الْبَاطِل لُغَةً: ضِدُّ الْحَقِّ، وَالإِْبْطَال اصْطِلاَحًا: هُوَ الْحُكْمُ بِكَوْنِ الْعَقْدِ بَاطِلًا، لاِخْتِلاَل رُكْنِهِ أَوْ مَحَلِّهِ، وَالْعَقْدُ الْبَاطِل: هُوَ مَا اخْتَل رُكْنُهُ أَوْ مَحَلُّهُ أَوْ مَا لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ.
(ر: إِبْطَال ف ١، وَبُطْلاَن ف ١)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْبْطَال وَالْفَسْخِ: أَنَّ الإِْبْطَال يَحْدُثُ أَثْنَاءَ قِيَامِ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْصُل فِي الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ، أَمَّا الْفَسْخُ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَيَقِل فِي الْعِبَادَاتِ، وَيَكُونُ فِي الْعُقُودِ قَبْل تَمَامِهَا، لأَِنَّهُ فَكُّ ارْتِبَاطِ التَّصَرُّفِ.
(ر: إِبْطَال ف ٢)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الأَْصْل فِي الْعُقُودِ شَرْعًا اللُّزُومُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٧.
(٣) فتح القدير ٣ / ٢١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، قَال الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ اللُّزُومُ، لأَِنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِتَحْصِيل الْمَقَاصِدِ مِنَ الأَْعْيَانِ، وَالأَْصْل تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا (٢) .
وَقَدْ يَرِدُ الْفَسْخُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ إِمَّا وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا، فَيَجِبُ رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَفَسْخِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لإِزَالَةِ سَبَبِ الْفَسَادِ، وَاحْتِرَامِ ضَوَابِطِ الشَّرْعِ أَوْ شَرَائِطِهِ الَّتِي قَرَّرَهَا فِي الْعُقُودِ، حِمَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَمَنْعًا لِلْمُنَازَعَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَيَجُوزُ الْفَسْخُ إِعْمَالًا لإِرَادَةِ الْعَاقِدِ، كَالْفَسْخِ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، وَالْفَسْخِ بِالتَّرَاضِي وَالاِتِّفَاقِ كَالإِْقَالَةِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْخِيَارَاتِ وَالإِْقَالَةِ (٣)، وَقَال ﵊: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (٤)
وَالْفَسْخُ الْقَضَائِيُّ يَكُونُ إِمَّا رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَإِمَّا إِحْقَاقًا لِلْحَقِّ وَرَفْعًا لِلظُّلْمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِسَبَبِ إِضْرَارِ
_________
(١) سورة المائدة / ١.
(٢) الفروق ٣ / ٢٦٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٥.
(٤) حديث: المسلمون على شروطهم. . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٦) من حديث أبي هريرة وقال: حديث حسن صحيح.
الْعَاقِدِ الآْخَرِ، وَإِصْرَارِهِ عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ مِنْ مُمَارَسَةِ حَقِّهِ فِي الْفَسْخِ، لِوُجُودِ عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ أَوِ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ مَثَلًا، وَحَقُّ الْقَاضِي فِي الْفَسْخِ نَاشِئٌ مِنْ وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ عَلَى النَّاسِ، أَوْ لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِقَابَةُ تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. .
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفَسْخُ إِمَّا شَرْعًا أَوْ قَضَاءً أَوْ بِالرِّضَا.
أَسْبَابُ الْفَسْخِ:
٧ - أَسْبَابُ الْفَسْخِ خَمْسَةٌ: إِمَّا الاِتِّفَاقُ أَوِ التَّرَاضِي وَمِنْهُ الإِْقَالَةُ، وَإِمَّا الْخِيَارُ، وَإِمَّا عَدَمُ اللُّزُومِ، وَإِمَّا اسْتِحَالَةُ تَنْفِيذِ أَحَدِ الْتِزَامَاتِ الْعَقْدِ الْمُتَقَابِلَةِ، وَإِمَّا الْفَسَادُ.
أ - الْفَسْخُ بِالاِتِّفَاقِ:
٨ - يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِالتَّرَاضِي بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ، وَالإِْقَالَةُ نَوْعٌ مِنَ الْفَسْخِ الاِتِّفَاقِيِّ وَتَقْتَضِي رُجُوعَ كُلٍّ مِنَ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَيَرْجِعُ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي وَالْمُثَمَّنُ لِلْبَائِعِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا قَبْل قَبْضِ الْمَبِيعِ (١) .
وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ الإِْقَالَةَ فَسْخٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً، لأَِنَّ الإِْقَالَةَ هِيَ الرَّفْعُ وَالإِْزَالَةُ، وَلأَِنَّ الْمَبِيعَ عَادَ إِلَى الْبَائِعِ
_________
(١) زاد المعاد لابن القيم ١ / ٧٦.
بِلَفْظٍ لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، فَكَانَ فَسْخًا (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الإِْقَالَةَ بَيْعٌ ثَانٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وَيَمْنَعُهَا مَا يَمْنَعُهُ (٢) .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ، سَوَاءٌ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَفَسْخٌ فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ، لأَِنَّهَا رَفْعٌ لُغَةً وَشَرْعًا، وَرَفْعُ الشَّيْءِ فَسْخُهُ.
وَيَرَى مُحَمَّدٌ: أَنَّ الإِْقَالَةَ فَسْخٌ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهَا فَسْخًا، فَتُجْعَل بَيْعًا لِلضَّرُورَةِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الإِْقَالَةِ الْفَسْخُ، لأَِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الشَّيْءِ لُغَةً وَشَرْعًا (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِقَالَة ف ٨)
ب - خِيَارُ الْفَسْخِ:
٩ - الْخِيَارُ: هُوَ حَقُّ الْعَاقِدِ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ أَوْ إِمْضَائِهِ لِظُهُورِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ أَوْ بِمُقْتَضَى اتِّفَاقٍ عَقْدِيٍّ، فَيَكُونُ لِلْمُتَعَاقِدِ الْحَقُّ فِي الاِخْتِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ إِمْضَائِهِ بِفَسْخِهِ إِنْ كَانَ الأَْمْرُ أَمْرَ خِيَارِ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَوْ عَيْبٍ، أَوْ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْمَبِيعَيْنِ إِنْ كَانَ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٢، والقواعد لابن رجب ص٣٧٩، والمغني ٤ / ١٢١ وما بعدها.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٠٩ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص٢٧٢.
(٣) البدائع ٥ / ٣٠٦، وفتح القدير ٥ / ٢٤٧، والدر المختار ورد المحتار ٤ / ١٥٤.
الأَْمْرُ أَمْرَ خِيَارِ التَّعْيِينِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (خِيَار ف ١ - ١٨)
ج - عَدَمُ لُزُومِ الْعَقْدِ أَصْلًا:
١٠ - يَجُوزُ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ لِكِلَيْهِمَا بِحَسَبِ الْعَقْدِ الْمُسَمَّى أَنْ يَسْتَقِل بِالْفَسْخِ، مِثْل الْعَارِيَّةُ وَالْقَرْضِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ، فَكُلُّهَا عُقُودٌ غَيْرُ لاَزِمَةٍ يَجُوزُ فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، قَال ابْنُ رَجَبٍ: عُقُودُ الْمُشَارَكَاتِ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ قَبْل الْعِلْمِ كَالْوَكَالَةِ، وَكَذَا الْوَدِيعَةُ لِلْوَدِيعِ فَسْخُهَا قَبْل عِلْمِ الْمُودَعِ بِالْفَسْخِ، وَتَبْقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً (٢) .
د - اسْتِحَالَةُ تَنْفِيذِ الاِلْتِزَامِ:
١١ - إِذَا اسْتَحَال تَنْفِيذُ أَحَدِ الاِلْتِزَامَاتِ الْعَقْدِيَّةِ جَازَ فَسْخُ الْعَقْدِ، لأَِنَّ الاِلْتِزَامَ الْمُقَابِل يُصْبِحُ بِلاَ سَبَبٍ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع ف ٦٤) وَمُصْطَلَحِ (الْتِزَام ف ٥٧) وَمُصْطَلَحِ (إِجَارَة ف ٧٤، ٧٦)
هـ - الْفَسْخُ لِلْفَسَادِ:
١٢ - يُفْسَخُ الْعَقْدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُعَامَلاَتِ
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٤٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤١٦، والقواعد لابن رجب ص١١٥.
لِلْفَسَادِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لإِزَالَةِ سَبَبِ فَسَادِ الْعَقْدِ كَجَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ أَوِ الأَْجَل أَوْ وَسَائِل التَّوْثِيقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (١) .
أَنْوَاعُ الْفَسْخِ:
١٣ - الْفَسْخُ بِإِرَادَةِ الْعَاقِدَيْنِ هُوَ إِنْهَاءُ الْعَقْدِ بِاتِّفَاقِهِمَا، إِذْ إِنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ يَكُونُ بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي عُقِدَ بِهَا الْعَقْدُ، فَكَمَا نَشَأَ الْعَقْدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مُتَطَابِقَيْنِ عَلَى إِنْشَائِهِ، كَذَلِكَ يَزُول بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مُتَوَافِقَيْنِ عَلَى إِلْغَائِهِ، وَقَدْ يَتِمُّ الْفَسْخُ بِإِرَادَةٍ مُنْفَرِدَةٍ كَمَا فِي حَالَةِ الْخِيَارِ (٢) .
الْفَسْخُ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ:
١٤ - إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ أَوْ هَلَكَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِقَوْل الْمُشْتَرِي: رَدَدْتُ، بِغَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْقَضَاءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِقَوْل الْمُشْتَرِي: رَدَدْتُ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي وَلاَ إِلَى التَّرَاضِي.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِالتَّرَاضِي. فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا - وَذَلِكَ عِنْدَ
_________
(١) المبسوط ١٣ / ٩ - ١٠.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١٧٧.