الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ وَرُهِنَ بِمُؤَجَّلٍ يَحِل بَعْدَ فَسَادِهِ أَوْ مَعَهُ، لَمْ يَجُزْ إِلاَّ إِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
وَلَوْ رُهِنَ مَا لاَ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ فَحَدَثَ قَبْل الأَْجَل مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ - كَحِنْطَةٍ ابْتَلَتْ وَتَعَذَّرَ تَجْفِيفُهَا - لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ، بَل يُبَاعُ وُجُوبًا وَيُجْعَل ثَمَنُهُ رَهْنًا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ إِصْلاَحُهُ بِالتَّجْفِيفِ كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، أَوْ لاَ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ، لأَِنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ، فَيَلْزَمُ الرَّاهِنَ كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُجَفَّفُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ كَانَ حَالًّا، أَوْ يَحِل قَبْل فَسَادِهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لاَ يَحِل قَبْل فَسَادِهِ، جُعِل ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ، سَوَاءٌ شُرِطَ فِي الرَّهْنِ بَيْعُهُ أَوْ أُطْلِقَ، لأَِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمَالِكَ لاَ يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ وَالْهَلاَكِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ حِفْظُهُ فِي بَيْعِهِ حُمِل عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَتَجْفِيفِ مَا يَجِفُّ، وَأَمَّا إِذَا شَرَطَ أَنْ لاَ يُبَاعَ فَلاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ شَرَطَ مَا يَتَضَمَّنُ فَسَادَهُ وَفَوَاتَ الْمَقْصُودِ،
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ١٤٦.
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لاَ يُجَفَّفَ مَا يَجِفُّ.
وَفِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ أَطْلَقَ لاَ يَصِحُّ.
وَإِذَا شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَجَعَل ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلاَ يُقْضَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيل وَفَاءِ الدَّيْنِ قَبْل حُلُولِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا يُخَافُ فَسَادُهَا، كَالصُّوفِ، قَال أَحْمَدُ فِيمَنْ رَهَنَ ثِيَابًا يُخَافُ فَسَادُهَا كَالصُّوفِ: أَتَى السُّلْطَانَ فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهَا (١) .
وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنِ الذَّخِيرَةِ: لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ ثَمَرَةِ الرَّهْنِ وَإِنْ خَافَ تَلَفَهَا، لأَِنَّ لَهُ وِلاَيَةَ الْحَبْسِ لاَ الْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لاَ يُمْكِنُهُ الرَّفْعُ لِلْقَاضِي أَوْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِحَالٍ يَفْسُدُ قَبْل أَنْ يُرْفَعَ، جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يُبِحِ الرَّاهِنُ لَهُ الْبَيْعَ.
وَفِي الْبِيرِيِّ عَنِ الْوَلْوَالِجِيَّةِ: وَيَبِيعُ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، وَيَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ، قَال الْبِيرِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَازُ بَيْعِ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ إِذَا تَدَاعَتْ لِلْخَرَابِ (٢) .
_________
(١) المغني ٤ / ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٥ / ٣٢٣.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الْمَرْهُونِ إِلاَّ إِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ، فَإِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ جَازَ بَيْعُهُ (١) .
ب - الْتِقَاطُ مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ:
١٨ - مَنِ الْتَقَطَ مَا لاَ يَبْقَى وَيَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ، كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْفَوَاكِهِ، فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهُ إِلَى أَنْ يَخْشَى فَسَادَهُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ خَوْفًا مِنَ الْفَسَادِ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْوْلَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنِ الْتَقَطَ شَيْئًا مِمَّا يُسْرِعُ فَسَادُهُ وَلاَ يَبْقَى بِعِلاَجٍ، فَإِنَّ آخِذَهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ: فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ اسْتِقْلاَلًا إِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، وَبِإِذْنِهِ إِنْ وَجَدَهُ وَعَرَّفَ الْمَبِيعَ بَعْدَ بَيْعِهِ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهُ فِي الْحَال وَأَكَلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ.
وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاءُ مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ بِعِلاَجٍ، كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ، فَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ بِيعَ جَمِيعُهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إِنْ وَجَدَهُ، وَإِلاَّ بَاعَهُ اسْتِقْلاَلًا، وَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي تَجْفِيفِهِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ لَهُ أَوْ غَيْرُهُ، جَفَّفَهُ، لأَِنَّهُ مَال غَيْرِهِ، فَرُوعِيَ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِتَجْفِيفِهِ بِيعَ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي
_________
(١) الدسوقي ٣ / ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) الاختيار ٣ / ٣٣، والبدائع ٦ / ٢٠٢، ومنح الجليل ٤ / ١٢٧.
التَّجْفِيفَ لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي، طَلَبًا لِلأَْحَظِّ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنِ الْتَقَطَ مَا لاَ يَبْقَى عَامًا وَكَانَ مِمَّا لاَ يَبْقَى بِعِلاَجٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَبَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ أَكَلَهُ ثَبَتَتِ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ جَازَ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَهُ بَيْعُ الْيَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا دَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ.
وَإِنْ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ حَفِظَ صِفَاتِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ عَامًا.
وَإِنْ كَانَ مَا الْتَقَطَهُ مِمَّا يُمْكِنُ إِبْقَاؤُهُ بِالْعِلاَجِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ: فَإِنْ كَانَ فِي التَّجْفِيفِ جَفَّفَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ذَلِكَ، وَإِنِ احْتَاجَ التَّجْفِيفُ إِلَى غَرَامَةٍ بَاعَ بَعْضَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ تَعَيَّنَ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ أَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ فَلَهُ أَكْلُهُ لأَِنَّ الْحَظَّ فِيهِ (٢) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٤١١.
(٢) المغني ٥ / ٧٣٩ - ٧٤٠.
فَسَادُ الاِعْتِبَارِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَسَادُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الصَّلاَحِ (١) .
وَالاِعْتِبَارُ فِي اللُّغَةِ: يَكُونُ بِمَعْنَى الاِخْتِبَارِ وَالاِمْتِحَانِ، مِثْل اعْتَبَرْتُ الدَّرَاهِمَ فَوَجَدْتُهَا أَلْفًا، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الاِتِّعَاظِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَْبْصَارِ﴾ (٢) وَيَكُونُ الاِعْتِبَارُ بِمَعْنَى الاِعْتِدَادِ بِالشَّيْءِ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِمْ: وَالْعِبْرَةُ بِالْعَقِبِ؛ أَيْ وَالاِعْتِدَادُ فِي التَّقَدُّمِ بِالْعَقِبِ (٣) .
وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ بِكَوْنِ الْقِيَاسِ مُعَارَضًا بِالنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ (٤) .
قَال السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَاسِدٌ وَإِنْ كَانَ وَضْعُهُ وَتَرْكِيبُهُ صَحِيحًا، لِكَوْنِهِ عَلَى الْهَيْئَةِ
_________
(١» لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) سورة الحشر / ٥٩.
(٣) المصباح المنير.
(٤) التقرير والتحبير ٣ / ٢٥٢، ط الأميرية ١٣١٧هـ.
الصَّالِحَةِ لاِعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
فَسَادُ الْوَضْعِ:
٢ - فَسَادُ الْوَضْعِ هُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّلِيل عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لاِعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ، كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ مِنْ وَضْعٍ يَقْتَضِي ضِدَّهُ، كَالضِّيقِ مِنَ التَّوَسُّعِ، وَالتَّخْفِيفِ مِنَ التَّغْلِيظِ، وَالإِْثْبَاتِ مِنَ النَّفْيِ. وَقَدْ صَرَّحَ الأُْصُولِيُّونَ بِأَنَّ فَسَادَ الاِعْتِبَارِ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ، فَكُل فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الاِعْتِبَارِ وَلاَ يَنْعَكِسُ.
وَجَعَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَقَال ابْنُ بُرْهَانَ: هُمَا شَيْئَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، وَقَالُوا: فَسَادُ الْوَضْعِ هُوَ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى الْعِلَّةِ ضِدُّ مَا يَقْتَضِيهِ. وَفَسَادُ الاِعْتِبَارِ هُوَ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى الْعِلَّةِ خِلاَفُ مَا يَقْتَضِيهِ.
قَال الزَّرْكَشِيُّ: اصْطِلاَحُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَغَايُرُ فَسَادِ الْوَضْعِ وَفَسَادِ الاِعْتِبَارِ، فَالأَْوَّل بَيَانُ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَالثَّانِي اسْتِعْمَال الْقِيَاسِ عَلَى مُنَاقَضَةِ النَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، فَهُوَ أَعَمُّ.
_________
(١) حاشية التفتازاني على العضد ٢ / ٢٥٩.
وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الأَْصْل فِي الْقِيَاسِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَل إِذَا عُدِمَ النَّصُّ، وَقَدْ نَقَل الزَّرْكَشِيُّ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ: " الْقِيَاسُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَحِل الْقِيَاسُ وَالْخَبَرُ مَوْجُودٌ، كَمَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ طَهَارَةً عِنْدَ الإِْعْوَازِ مِنَ الْمَاءِ وَلاَ يَكُونُ طَهَارَةً إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ " (٢) .
لِذَا يَعْتَبِرُ الأُْصُولِيُّونَ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ وَمُخَالَفَتِهِ لَهُمَا فَاسِدَ الاِعْتِبَارِ (٣) .
وَفَسَادُ الاِعْتِبَارِ مِنَ الاِعْتِرَاضَاتِ الَّتِي تَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَكُونُ الْقِيَاسُ فَاسِدَ الاِعْتِبَارِ عِنْدَمَا يُخَالِفُ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ كَانَتْ إِحْدَى مُقَدِّمَاتِهِ كَذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الْمُصَرَّاةِ بِغَيْرِهَا مِنَ الْعُيُوبِ فِي حُكْمِ الرَّدِّ وَعَدَمِهِ، وَوُجُوبِ بَدَل لَبَنِهَا الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ، أَوْ كَانَ تَرْكِيبُهُ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ (٤) .
_________
(١) البحر المحيط للزركشي ٥ / ٣١٩ وما بعدها ط وزارة الأوقاف الكويتية ١٩٨٨م إرشاد الفحول ٢ / ٢٣٠ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٧م، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٨.
(٢) البحر المحيط ٥ / ٣٣.
(٣) حاشية التفتازاني على العضد ٢ / ٢٥٩، وانظر التقرير والتحبير ٣ / ٢٥٢.
(٤) البحر المحيط للزركشي ٥ / ٢٦٠، ٣١٩.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ فَسَادِ الاِعْتِبَارِ أَنْ يُقَال: لاَ يَصِحُّ الْقَرْضُ فِي الْحَيَوَانِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ كَالْمُخْتَلِطَاتِ - أَنْوَاعِ الْمَعَاجِينِ - فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ ﵁ أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رَبَاعِيًّا وَقَال: إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً. (١) وَكَأَنْ يُقَال: لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُغَسِّل زَوْجَتَهُ الْمَيِّتَةَ لِحُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا كَالأَْجْنَبِيَّةِ، فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ فِي تَغْسِيل عَلِيٍّ فَاطِمَةَ ﵄ (٢)
_________
(١) (١) حديث أنه ﷺ " استلف بكرًا. . . ". ٥٠ أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤) .
(٢) حاشية العطار على جمع الجوامع ١ / ٣٦٨.
فَسَادُ الْوَضْعِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَسَادُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الصَّلاَحِ (١)، وَالْوَضْعُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الرَّفْعِ (٢)، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّلِيل عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لاِعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ، كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ مِنْ وَضْعٍ يَقْتَضِي ضِدَّهُ، كَالضِّيقِ مِنَ التَّوَسُّعِ، وَالتَّخْفِيفِ مِنَ التَّغْلِيظِ، وَالإِْثْبَاتِ مِنَ النَّفْيِ
قَال ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَمِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ كَوْنُ الْجَامِعِ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ (٣)، فَفَسَادُ الْوَضْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قِسْمَانِ: تَلَقِّي الشَّيْءِ مِنْ ضِدِّهِ أَوْ نَقِيضِهِ، وَكَوْنُ الْجَامِعِ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ (٤) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) لسان العرب.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٥، ٣٦٦، والبحر المحيط ٥ / ٣١٩.
(٤) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٧.
وَعَرَّفَ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَسَادَ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ: ثُبُوتُ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّقْضُ:
٢ - النَّقْصُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ إِفْسَادُ مَا أَبْرَمْتَ مِنْ عَقْدٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ عَهْدٍ (٢) . وَاصْطِلاَحًا: هُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ، أَيْ ثُبُوتُ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهَا (٣) .
وَقَدْ صَرَّحَ الأُْصُولِيُّونَ بِوُجُودِ شَبَهٍ بَيْنَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ كَوْنُ الْجَامِعِ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ وَالَّذِي هُوَ بِعَيْنِهِ تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ - وَبَيْنَ النَّقْضِ.
فَفَسَادُ الْوَضْعِ يُشْبِهُ النَّقْضَ مِنْ حَيْثُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ، إِلاَّ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً، وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ النَّقِيضَ، وَفِي النَّقْضِ لاَ يُتَعَرَّضُ لِذَلِكَ، بَل يُكْتَفَى فِيهِ بِثُبُوتِ نَقِيضِ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ، فَلَوْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ لَكَانَ هُوَ النَّقْضَ (٤) .
_________
(١) مسلم الثبوت ٢ / ٣٤٦، وكشف الأسرار ٤ / ٤٣.
(٢) لسان العرب.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٤٠، وحاشية التفتازاني على شرح العضد ٢ / ٢٦٨.
(٤) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢ / ٣٦٧، وحاشية التفتازاني على شرح العضد ١ / ٢٦١، ط الأميرية ١٣١٦ هـ، والتقرير والتحبير ٣ / ٢٦٨ ط الأميرية ١٣١٧هـ.