الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
عَقْدِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ (١) .
وَالشَّافِعِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي عُقُودٍ ذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ فَقَال: الْفَاسِدُ وَالْبَاطِل سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ عِنْدَنَا، وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ: الْحَجَّ وَالْخُلْعَ وَالْكِتَابَةَ وَالْعَارِيَّةَ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَأْتِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ فِي الْوَكَالَةِ وَالإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٣) .
قَال ابْنُ اللَّحَّامِ الْحَنْبَلِيُّ: الْبُطْلاَنُ وَالْفَسَادُ عِنْدَنَا مُتَرَادِفَانِ. . . ثُمَّ قَال: إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا مَسَائِل فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل ثُمَّ ذَكَرَ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لِلْمَسَائِل الَّتِي فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ (٤) .
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَسَادِ مِنْ أَحْكَامٍ:
٨ - يَتَعَلَّقُ بِالْفَسَادِ أَحْكَامٌ أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ فِي صُورَةِ قَوَاعِدَ فِقْهِيَّةٍ أَوْ أَحْكَامٍ لِلْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ، مِنْهَا:
أَوَّلًا - فَسَادُ الْمُتَضَمِّنِ يُوجِبُ فَسَادَ الْمُتَضَمَّنِ:
٩ - هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا
_________
(١) منح الجليل ٣ / ٦٧١ - ٧٢١.
(٢) المنثور ٣ / ٧.
(٣) القواعد والفوائد الأصلية ص١١٠ - ١١٤، والقواعد لابن رجب ص٦٥ - ٦٧.
(٤) القواعد والفوائد الأصولية ص١١٠ - ١١٤.
الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَبَّرَ عَنْهَا ابْنُ نُجَيْمٍ بِلَفْظٍ آخَرَ هُوَ: (الْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ) وَوَضَّحُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فَقَالُوا: يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَيَجِبُ قَطْعُهَا لِلْحَال، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ الشَّجَرَ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ بَطَلَتِ الإِْجَارَةُ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَعَامُل فِي إِجَارَةِ الأَْشْجَارِ الْمُجَرَّدَةِ، فَلاَ يَجُوزُ، وَطَابَتْ لَهُ الزِّيَادَةُ - وَهِيَ مَا زَادَ فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ - وَذَلِكَ لِبَقَاءِ الإِْذْنِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الأَْرْضَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ الزَّرْعُ - أَيْ إِلَى وَقْتِ إِدْرَاكِهِ - فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ، وَلَمْ تَطِبِ الزِّيَادَةُ لِفَسَادِ الإِْذْنِ بِفَسَادِ الإِْجَارَةِ، وَفَسَادُ الْمُتَضَمِّنِ يُوجِبُ فَسَادَ الْمُتَضَمَّنِ، بِخِلاَفِ الْبَاطِل، فَإِنَّهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا أَصْلًا وَوَصْفًا فَلاَ يَتَضَمَّنُ شَيْئًا، فَكَانَتْ مُبَاشَرَتُهُ عِبَارَةً عَنِ الإِْذْنِ.
وَحَاصِل الْفَرْقِ أَنَّ الْفَاسِدَ لَهُ وُجُودٌ؛ لأَِنَّهُ فَائِتُ الْوَصْفِ دُونَ الأَْصْل، فَكَانَ الإِْذْنُ ثَابِتًا فِي ضِمْنِهِ، فَيَفْسُدُ، أَمَّا الْبَاطِل فَلاَ وُجُودَ لَهُ أَصْلًا، فَلَمْ يُوجَدْ إِلاَّ الإِْذْنُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الشَّلَبِيِّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْذْنِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ الإِْجَارَةِ الْبَاطِلَةِ وَبَيْنَهُ فِي ضِمْنِ الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ: أَنَّ الإِْذْنَ فِي الإِْجَارَةِ الْبَاطِلَةِ صَارَ أَصْلًا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ الْبَاطِل لاَ وُجُودَ لَهُ، وَالْمَعْدُومَ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الإِْجَارَةُ
الْفَاسِدَةُ، لأَِنَّ الْفَاسِدَ لَيْسَ مَعْدُومًا بِأَصْلِهِ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا، فَإِذَا فَسَدَ الْمُتَضَمِّنُ فَسَدَ الْمُتَضَمَّنُ (١) .
وَالْحُكْمُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَظْهَرُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ فِيهَا بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ، كَالْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلإِْذْنِ، مِثْل الشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْوَكَالَةِ، فَهَذِهِ الْعُقُودُ لاَ يَمْنَعُ فَسَادُهَا صِحَّةَ تَصَرُّفِ الْمَأْذُونِ لِبَقَاءِ الإِْذْنِ.
فَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: الْفَاسِدُ مِنَ الْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلإِْذْنِ إِذَا صَدَرَتْ مِنَ الْمَأْذُونِ صَحَّتْ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ إِذَا أَفْسَدْنَاهَا فَتَصَرَّفَ الْوَكِيل، صَحَّ لِوُجُودِ الإِْذْنِ، وَطَرَدَهُ الإِْمَامُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الْفَسَادِ (٢) .
وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ لاَ يَمْنَعُ فَسَادُهَا نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالإِْذْنِ (٣) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا تَصَرَّفَ الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ لأَِنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا بَطَل الْعَقْدُ بَقِيَ الإِْذْنُ، فَمَلَكَ بِهِ التَّصَرُّفَ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين٤ / ٣٩ - ٤٠، وحاشية الشلبي على الزيلعي ٤ / ١٢، وفتح القدير وهوامشه ٥ / ٤٩٠ نشر دار إحياء التراث، والبحر الرائق ٥ / ٣٢٧، والاختيار ٢ / ٧.
(٢) المنثور في القواعد ٣ / ١٥، و٢ / ٤٠٩، والجمل ٣ / ٥١٧.
(٣) القواعد لابن رجب ص٦٤ - ٦٦.
(٤) المغني ٥ / ٧٢.
وَقَوَاعِدُ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تَأْبَى ذَلِكَ (١) .
ثَانِيًا - الْمِلْكُ:
١٠ - التَّصَرُّفُ الْفَاسِدُ لاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْل الْقَبْضِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، فَلاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
يَقُول الزَّرْكَشِيُّ: الْفَاسِدُ لاَ يُمْلَكُ فِيهِ شَيْءٌ، وَيَلْزَمُهُ الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْبَدَل، وَلاَ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إِنْ عَلِمَ الْفَسَادَ، وَكَذَا إِنْ جَهِل فِي الأَْصَحِّ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ فِيهَا أَكْسَابَهُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا صَالَحْنَا كَافِرًا بِمَالٍ عَلَى دُخُول الْحَرَمِ، فَدَخَل وَأَقَامَ، فَإِنَّا نَمْلِكُ الْمَال الْمَأْخُوذَ مِنْهُ (٢) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ لَمْ يَحْصُل بِهِ مِلْكٌ، سَوَاءٌ اتَّصَل بِهِ الْقَبْضُ أَوْ لَمْ يَتَّصِل، وَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِيهِ بِبَيْعٍ وَلاَ هِبَةٍ وَلاَ عِتْقٍ وَلاَ غَيْرِهِ (٣) .
_________
(١) الكافي لابن عبد البر ٢ / ٧٧٧، وفتح العلي المالك ٢ / ٢١٩ - ٢٢٠، ومنح الجليل ٣ / ٦٧١، ٧٢٢.
(٢) المنثور في القواعد ٣ / ١٣.
(٣) المغني ٤ / ٢٥٢.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَهُمْ بِالْقَبْضِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَيَمْلِكُ الْقَابِضُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مِلْكٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، لأَِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْفَسْخِ رَفْعًا لِلْفَسَادِ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ مَضْمُونٌ (١) .
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: الأَْصْل فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَنَّ كُل مَا يُمْلَكُ بِبَيْعٍ جَائِزٍ يُمْلَكُ بِفَاسِدٍ، فَلَوْ شَرَى قِنًّا بِخَمْرٍ - وَهُمَا مُسْلِمَانِ - مَلَكَ الْقِنَّ مُشْتَرِيهِ بِقَبْضِهِ بِإِذْنٍ، وَلاَ يَمْلِكُ الْبَائِعُ الْخَمْرَ (٢) .
وَالْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَبِهِ يُفْتَى، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ (٣) .
وَالْمَقْبُوضُ بِالْقِسْمَةِ الْفَاسِدَةِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ وَيَنْفُذُ التَّصَرُّفُ، كَالْمَقْبُوضِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ (٤) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَتَقَرَّرُ الْمِلْكُ فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ بِالْفَوَاتِ:
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ: الْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقَسِمُ إِلَى مُحَرَّمَةٍ وَإِلَى مَكْرُوهَةٍ: فَأَمَّا الْمُحَرَّمَةُ فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَضَتْ بِالْقِيمَةِ، وَأَمَّا
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٩٩ وما بعدها.
(٢) جامع الفصولين ٢ / ٣٦.
(٣) جامع الفصولين ٢ / ٣٥.
(٤) غمز عيون البصائر ٢ / ٢٠٨، ٦٠٩.
الْمَكْرُوهَةُ فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ صَحَّتْ عِنْدَهُ، وَرُبَّمَا صَحَّ عِنْدَهُ بَعْضُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ بِالْقَبْضِ، لِخِفَّةِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ (١) .
ثَالِثًا - الضَّمَانُ:
١١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفَاسِدَةَ تُرَدُّ إِلَى حُكْمِ صَحِيحِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، فَإِنِ اقْتَضَى التَّصَرُّفُ الصَّحِيحُ الضَّمَانَ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ، وَإِنِ اقْتَضَى عَدَمَ الضَّمَانِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ (٢) .
وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَاعِدَةٌ شَبِيهَةٌ بِمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ: الأَْصْل أَنَّ كُل مَا قُبِضَ بِجِهَةِ التَّمَلُّكِ ضُمِنَ، وَكُل مَا قُبِضَ لاَ بِجِهَةِ التَّمَلُّكِ لَمْ يُضْمَنْ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَان ف ٣٥، وَمَا بَعْدَهَا) .
رَابِعًا - سُقُوطُ الْمُسَمَّى فِي التَّصَرُّفَاتِ الْفَاسِدَةِ:
١٢ - الْوَاجِبُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا تَسْمِيَةُ نَحْوِ الأَْجْرِ أَوِ الرِّبْحِ أَوِ
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ١٩٣.
(٢) القواعد لابن رجب ص٦٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢٦، والمغني ٤ / ٤٢٥ و٥ / ٧٣، والقواعد والفوائد الأصولية ص١١٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٧٤، ٢٧٥، الجمل ٣ / ٢٩١، ٥١٧، والمنثور ٣ / ٨ - ٩، والفواكه الدواني ٢ / ١٢٩ و٥ / ٢٢٨، منح الجليل ٣ / ٦٧٠، وفتح العلي المالك ٢ / ٢١٩.
(٣) جامع الفصولين ٢ / ٥٨ - ٥٩.
الْمَهْرِ، هُوَ الْمُسَمَّى، فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، فَإِنَّ الْمُسَمَّى يَسْقُطُ، وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ إِذَا سَقَطَ الْمُسَمَّى (١)، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الإِْجَارَةُ:
١٣ - إِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ وَاسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ، أَيْ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَنِ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ فِي الْعَقْدِ تَسْمِيَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ تَسْمِيَةٌ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي: (إِجَارَة ف ٤٣ - ٤٤) .
ب - الْمُضَارَبَةُ:
١٤ - الْوَاجِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ هُوَ الرِّبْحُ الْمُسَمَّى لِلْمُضَارِبِ، فَإِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْمُضَارِبُ الرِّبْحَ الْمُسَمَّى، لأَِنَّهَا تَسْمِيَةٌ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ إِذَا عَمِل، وَيَكُونُ الرِّبْحُ جَمِيعُهُ لِرَبِّ الْمَال، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ.
_________
(١) المغني ٥ / ٢١، والمنثور ٣ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٥٩، والبدائع ٤ / ٢١٨.
(٢) البدائع ٤ / ٢١٨، وجامع الفصولين ٢ / ٣٨، والشرح الصغير ٢ / ٢٧٧ ط الحلبي، والمنثور في القواعد ٣ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٥٨ - ٣٥٩، والمغني ٥ / ٤٤٥ - ٤٤٦.
وَالْمُضَارِبُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْل بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، سَوَاءٌ أَرَبِحَتِ الْمُضَارَبَةُ أَمْ لَمْ تَرْبَحْ، لأَِنَّهُ عَمِل طَامِعًا فِي الْمُسَمَّى، فَإِذَا فَاتَ وَجَبَ رَدُّ عَمَلِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ وَهِيَ الأُْجْرَةُ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ أَبِي يُوسُفَ - وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ غَيْرَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا لِلْمُضَارِبِ قِرَاضَ الْمِثْل فِي مَسَائِل مَعْدُودَةٍ، وَأُجْرَةَ الْمِثْل فِيمَا عَدَاهَا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ضَابِطٌ، هُوَ: كُل مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الْقِرَاضِ مِنْ أَصْلِهَا فَفِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْل، وَأَمَّا إِنْ شَمَلَهَا الْقِرَاضُ، لَكِنِ اخْتَل مِنْهَا شَرْطٌ، فَفِيهَا قِرَاضُ الْمِثْل (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مُضَارَبَة)
ج - النِّكَاحُ:
١٥ - الْمَهْرُ يَسْقُطُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ - سَوَاءٌ اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ أَمْ لاَ - إِذَا حَصَل التَّفْرِيقُ قَبْل الدُّخُول عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَبْل الْخَلْوَةِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) .
_________
(١) الاختيار ٣ / ٢٠، وابن عابدين ٤ / ٤٨٤ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٣١٥، والمغني ٥ / ٧٢.
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٤٨.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥، والدسوقي ٢ / ٢٤٠، والمنثور في القواعد ٣ / ٩، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٣، والمغني ٦ / ٤٥٥.
هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْمَسَائِل الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، كَمَا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُول رَضَاعًا مُحَرِّمًا بِلاَ بَيِّنَةٍ، وَكَذَّبَتْهُ الزَّوْجَةُ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِالدُّخُول، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا. (٢)
فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ لَهَا الْمَهْرَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَعَلَّقَهُ بِالدُّخُول، فَدَل عَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْمَهْرِ، هَل هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْل أَوِ الأَْقَل مِنْهُمَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ زُفَرَ - لَهَا الأَْقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنَ الْمُسَمَّى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، والمغني ٦ / ٥٦٠، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٤٣.
(٢) حديث: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٩٩) وقال: حديث حسن.
مُسَمًّى كَنِكَاحِ الشِّغَارِ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَهَا الْمُسَمَّى فِي الْفَاسِدِ (وَهُوَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ) وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل فِي الْبَاطِل (وَهُوَ مَا اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ) (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (مَهْر - نِكَاح) .
خَامِسًا: الْفَسَادُ فِي الأَْشْيَاءِ الْمَادِّيَّةِ:
١٦ - يَرِدُ الْفَسَادُ فِي الأَْشْيَاءِ الْمَادِّيَّةِ كَعَطَبِ الأَْطْعِمَةِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، كَمَا فِي الرَّهْنِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْتِقَاطُهَا، أَوْ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهَا عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ يُوجِبُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ:
١٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ إِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ، كَرُطَبٍ وَعِنَبٍ يَتَجَفَّفَانِ، فَإِنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ وَلَكِنْ رُهِنَ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ لَكِنَّهُ يَحِل قَبْل الْفَسَادِ وَلَوِ احْتِمَالًا جَازَ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥، وابن عابدين ٢ / ٣٥٠ - ٣٥١، والدسوقي ٢ / ٢٤٠ - ٢٤١ - ٣١٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، والمهذب ٢ / ٣٦، ٦٣، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٠، والمنثور ٣ / ٩، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٣، والمغني ٦ / ٧٢٧، ونيل المآرب ٢ / ٢٠٠.