الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 21

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

إِخْوَانًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنْعًا لَهُمْ عَنِ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الاِخْتِلاَفِ فِي الْفُرُوعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اخْتِلاَفًا، إِذْ الاِخْتِلاَفُ مَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الاِئْتِلاَفُ وَالْجَمْعُ وَالَّذِي هُوَ سَبَبُ الْفَسَادِ (١) .

وَقَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . (٢)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. (٣)

قَال أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ: إِنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِالْفِرَقِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ مِنْ أَبْوَابِ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالذَّمِّ مَنْ خَالَفَ أَهْل الْحَقِّ فِي أَصْل التَّوْحِيدِ، وَفِي تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَفِي شُرُوطِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَفِي مُوَالاَةِ الصَّحَابَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذِهِ الأَْبْوَابِ،

_________

(١) تفسير القرطبي جـ٤ / ١٥٩.

(٢) سورة آل عمران / ١٠٥.

(٣) (٢) حديث أبي هريرة: " افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢)، والحاكم (١ / ١٢٨)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

فَيَرْجِعُ تَأْوِيل الْحَدِيثِ فِي افْتِرَاقِ الأُْمَّةِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الاِخْتِلاَفِ (١) .

الْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ:

٣ - رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضَ الْفِرَقِ قَبْل ظُهُورِهَا بِالاِسْمِ وَذَمَّهُمْ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ذَمَّ الْقَدَرِيَّةَ، وَأَنَّهُ ﷺ قَال عَنْهُمْ: إِنَّ مَجُوسَ هَذِهِ الأُْمَّةِ الْمُكَذِّبُونَ بِأَقْدَارِ اللَّهِ (٢)، وَرُوِيَ عَنْهُ ذَمُّ الْمُرْجِئَةِ مَعَ الْقَدَرِيَّةِ. وَذَكَرَ آخَرِينَ بِأَوْصَافِهِمْ، وَقَال: " إِنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ (٣) "، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَوْ أَشَارُوا إِلَى افْتِرَاقِ الأُْمَّةِ إِلَى فِرَقٍ، وَأَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ وَاحِدَةٌ، وَسَائِرُهَا عَلَى الضَّلاَل فِي الدُّنْيَا، وَالْبَوَارِ فِي الآْخِرَةِ (٤) .

أَهَمُّ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ:

٤ - اخْتَلَفَتِ الْفِرَقُ الْمَذْمُومَةُ فِي أُمُورٍ مِنَ الْعَقِيدَةِ، أَهَمُّهَا: الصِّفَاتُ، وَالْقَدَرُ، وَالْعَدْل، وَالْوَعْدُ، وَالْوَعِيدُ، وَالسَّمْعُ،

_________

(١) تحفة الأحوذي ٧ / ٣٩٨، وعون المعبود في شرح سنن أبي داود ١٢ / ٣٤٠.

(٢) (٣) حديث: " إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٥) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٥٥) .

(٣) حديث: " إنهم يمرقون من الدين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ٦٧) ومسلم (٢ / ٧٤٢) من حديث أبي سعيد الخدري.

(٤) الفرق بين الفرق ص٩.

وَالْعَقْل، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ، وَالرِّسَالَةُ، وَالأَْمَانَةُ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفِرَقِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ، إِلاَّ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ أَمْرًا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَنَفْيِ الصَّانِعِ، أَوْ نَفْيِ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِالإِْجْمَاعِ مِنَ الصِّفَاتِ، كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَإِثْبَاتِ مَا هُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِالإِْجْمَاعِ، كَحُدُوثِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَقِدَمِ الْعَالَمِ، أَوِ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ الْحُلُول وَالتَّنَاسُخِ، أَوِ اعْتَقَدَ أُلُوهِيَّةَ بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ، أَوْ أَنْكَرَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، أَوْ أَحَل مَا حَرَّمَ الْقُرْآنُ بِنَصٍّ لاَ يَقْبَل التَّأْوِيل كَالزِّنَا، وَنِكَاحِ الْبَنَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِهِ أَوْ تَحْلِيلِهِ نَصٌّ صَرِيحٌ لاَ يَقْبَل التَّأْوِيل، وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ الْفِرَقِ لاَ يُعَدُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ، وَلاَ تَحِل ذَبَائِحُهُمْ وَلاَ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ، وَلاَ يُقَرُّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بِالْجِزْيَةِ، بَل يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلاَّ وَجَبَ قَتْلُهُمْ (١) .

وَأَمَّا شَهَادَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ مِنْ فِرَقِ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٣٤ - ٤٣٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٤١٤ - ٤١٥، وما بعده، وشرح الزرقاني ٨ / ٦٣ - ٦٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٨١ - ٢٨٢ وما بعدها، والفرق بين الفرق ص٣٥٦ - ٣٥٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٧.

الأُْمَّةِ (١) . فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رَدِّهَا عَلَى أَقْوَالٍ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (أَهْل الأَْهْوَاءِ ف ٩) (وَبِدْعَةٌ ف ٢٩)

وَأَمَّا رَدُّ رِوَايَتِهِمْ أَوْ قَبُولُهَا، وَحُكْمُ الاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الصَّلاَةِ وَصِحَّةُ وِلاَيَتِهِمْ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بِدْعَةٌ ف ٣٠، ٣١، ٣٢)

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٤٠، ٤١، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٠٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٤ - ١٣٥.

فُرْقَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفُرْقَةُ - بِضَمِّ الْفَاءِ - اسْمٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الْمُبَايَنَةُ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْفَرْقِ بِمَعْنَى الْفَصْل، يُقَال: فَرَقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْقًا وَفُرْقَانًا: فَصَل بَيْنَهُمَا، وَافْتَرَقَ الْقَوْمُ فُرْقَةً: ضِدُّ اجْتَمَعُوا. وَالْفِرْقَةُ - بِالْكَسْرِ - جَمَاعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ مِنَ النَّاسِ (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا انْحِلاَل رَابِطَةِ الزَّوَاجِ، وَالْفَصْل وَالْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الطَّلاَقُ:

٢ - الطَّلاَقُ لُغَةً: الْحَل وَرَفْعُ الْقَيْدِ، يُقَال: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ وَأُطْلِقَتْ: سُرِّحَتْ (٣) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي

_________

(١) لسان العرب، ومتن اللغة.

(٢) المنثور في القواعد ٣ / ٢٤، ٢٥.

(٣) المصباح المنير، والصحاح للجوهري.

الْحَال أَوْ فِي الْمَآل بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الطَّلاَقِ لأَِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَسْخًا.

ب - الْخُلْعُ:

٣ - الْخَلْعُ - بِالْفَتْحِ - مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ وَالإِْزَالَةُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْخُلْعُ - بِالضَّمِّ -: فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ، أَوْ خُلْعٍ (٣) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَبَيْنَ الْفُرْقَةِ هِيَ أَنَّ الْخُلْعَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَةِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْخُلْعِ.

ج - الْفَسْخُ:

٤ - الْفَسْخُ لُغَةً: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ حَل رَابِطَةِ الْعَقْدِ، وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ (٤) .

_________

(١) الدر المختار مع رد المحتار ٢ / ٢٢٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٩٦.

(٢) المصباح المنير.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٣٣٠، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٠٧، وكشاف القناع ٥ / ٢١٢.

(٤) المصباح المنير، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣١٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٨.

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفُرْقَةِ وَالْفَسْخِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي فَسْخِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْفُرْقَةُ أَعَمُّ مِنَ الْفَسْخِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا كَمَا فِي الْفُرْقَةِ بِالطَّلاَقِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفُرْقَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَالْفَسْخِ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُرْقَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:

أَوَّلًا - أَسْبَابُ الْفُرْقَةِ:

أ - الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:

٥ - الشِّقَاقُ هُوَ النِّزَاعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِذَا وَقَعَ وَتَعَذَّرَ الإِْصْلاَحُ بَيْنَهَا يُبْعَثُ حَكَمٌ مِنْ أَهْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْعَمَل فِي الإِْصْلاَحِ بَيْنَهُمَا بِحِكْمَةٍ وَرَوِيَّةٍ، مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ . (١)

فَإِنْ نَجَحَا فِي الإِْصْلاَحِ، وَإِلاَّ جَازَ لَهُمَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِمَّا بِشَرْطِ التَّوْكِيل وَالتَّفْوِيضِ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ، أَوْ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى التَّوْكِيل وَالتَّفْوِيضِ بَل بِمُوجَبِ التَّحْكِيمِ، كَمَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ، وَعَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .

_________

(١) سورة النساء / ٣٥.

(٢) روح المعاني ٥ / ٢٧، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٢ / ٣٤٦، ٣٤٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٦١.، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٥٢.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَقٌ ف ٧٣ - ٧٦) .

ب - الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ:

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِي الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ عَلَى سَوَاءٍ، وَخَصَّ الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِعُيُوبٍ فِي الزَّوْجِ، وَهِيَ: الْجَبُّ وَالْعُنَّةُ وَالْخِصَاءُ فَقَطْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَزَادَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ: الْجُنُونَ (١) .

وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي أَنْوَاعِ الْعُيُوبِ الَّتِي تَجُوزُ بِسَبَبِهَا الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ مُوَسِّعٍ وَمُضَيِّقٍ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَقٌ ف ٩٣ - ١٠٦) .

ج - الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ الْوَطْءِ، هَل حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ كَالزَّوْجِ، أَوْ لاَ؟

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل

_________

(١) فتح القدير ٣ / ٢٦٧، والبحر الرائق ٤ / ١٢٦.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٠٢، ٢٠٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ١٢٥ - ١٢٧.

الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي الْوَطْءِ قَضَاءٌ يَنْتَهِي بِالْوَطْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَرَكَ لَهَا مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ طَلَبِ الْفُرْقَةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَابِتٌ لِلزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، عَلَى ذَلِكَ فَلَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ مِنْهُ بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَفَرُهُ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - فِيمَا عَدَا الْقَاضِيَ - إِلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الزَّوْجِ عُذْرٌ مَانِعٌ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَقٌ ف ٨٧، ٨٨، غَيْبَة)

د - الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الإِْعْسَارِ:

٨ - الإِْعْسَارُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالصَّدَاقِ، أَوْ يَكُونَ بِالنَّفَقَةِ.

أَمَّا الإِْعْسَارُ بِالصَّدَاقِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ كَالتَّالِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفُرْقَةِ بِالإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لِلزَّوْجَةِ

_________

(١) الدر المختار ٢ / ٢٠٢، ٢٠٣، والشرح الكبير مع الدسوقي ١ / ٣٣٩، والقليوبي ٤ / ٥١، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٣٤.

قَبْل الدُّخُول مَنْعُ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ مُعَجَّل صَدَاقِهَا.

وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ إِعْسَارِ الزَّوْجِ عَنْ مُعَجَّل الصَّدَاقِ إِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ، وَلاَ يُرْجَى زَوَالُهُ،

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ حَسَبَ اخْتِلاَفِ الأَْحْوَال (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِعْسَارٌ ف ١٤، وَطَلاَقٌ ف ٧٩) .

أَمَّا الإِْعْسَارُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَإِذَا ثَبَتَ بِشُرُوطِهِ وَطَلَبَتِ الزَّوْجَةُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، وَيُؤْمَرُ بِالأَْدَاءِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا لَوْلاَ الزَّوْجُ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِعْسَارٌ ف ١٩) - وَطَلاَقٌ (ف ٨٢) .

هـ - الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الإِْيلاَءِ:

٩ - إِذَا حَصَل الإِْيلاَءُ مِنَ الزَّوْجِ كَأَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ لاَ يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ عَلَّقَ عَلَى قُرْبَانِهَا أَمْرًا فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ كَأَنْ يَقُول: إِنْ قَرِبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٥٩٠، والدسوقي ٢ / ٢٩٩، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٤، والمغني لابن قدامة ٨ / ٨٨١.

(٢) رد المحتار ٢ / ٦٥٦، والدسوقي ٢ / ٥١٨، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٨٨، ٥٠٦، والمغني٧ / ٥٧٣.