الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
فِدْيَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفِدْيَةُ لُغَةً: مَالٌ أَوْ نَحْوُهُ يُسْتَنْقَذُ بِهِ الأَْسِيرُ أَوْ نَحْوُهُ فَيُخَلِّصُهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ. (١)
قَال تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، (٢) أَيْ جَعَلْنَا الذِّبْحَ فِدَاءً لَهُ وَخَلَّصْنَاهُ بِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
وَاصْطِلاَحًا: هِيَ الْبَدَل الَّذِي يَتَخَلَّصُ بِهِ الْمُكَلَّفُ مِنْ مَكْرُوهٍ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجِزْيَةُ:
٢ - الْجِزْيَةُ هِيَ: اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ لإِسْكَانِهِمْ فِي دِيَارِنَا وَحِمَايَتِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَتُطْلَقُ الْجِزْيَةُ عَلَى الْعَقْدِ أَيْضًا (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالْجِزْيَةِ أَنَّ الْفِدْيَةَ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ.
_________
(١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط.
(٢) سورة الصافات / ١٠٧.
(٣) التعريفات للجرجاني ط دار الكتب العلمية.
(٤) القليوبي وعميرة ٤ / ٢٢٨.
ب - الدِّيَةُ:
٣ - الدِّيَةُ هِيَ: الْمَال الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى حُرٍّ فِي نَفْسٍ أَوْ غَيْرِهَا (١)
وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْفِدْيَةِ.
ج - الْكَفَّارَةُ:
٤ - الْكَفَّارَةُ لُغَةً: السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ (٢)، وَاصْطِلاَحًا: مَا يُغَطِّي الإِْثْمَ (٣) .
وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْفِدْيَةِ.
د - الْخُلْعُ:
٥ - الْخُلْعُ لُغَةً: النَّزْعُ، وَمِنْهُ خَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا إِذَا افْتَدَتْ مِنْهُ بِمَالٍ.
وَالْخُلْعُ فِي الشَّرْعِ: فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ (٤)، قَال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥) .
وَالْخُلْعُ أَخَصُّ مِنَ الْفِدْيَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْفِدْيَةِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ إِبَاحَةً بِحَسَبِ مَا يَلِي:
_________
(١) القليوبي وعميرة ٤ / ١٢٩.
(٢) المصباح المنير.
(٣) المفردات للراغب.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ٣٣٠، والقليوبي ٣ / ٣٠٧، وكشاف القناع ٥ / ٢١٢، وروضة الطالبين ٧ / ٣٧٤.
(٥) سورة البقرة / ٢٢٩.
أ - ارْتِكَابُ أَحَدِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَقَصِّ الأَْظْفَارِ وَالاِدِّهَانِ وَالتَّطَيُّبِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِحْرَامٌ ف ١٤٨)
ب - الإِْحْصَارُ:
٨ - الإِْحْصَارُ: مَنْعُ الْحَاجِّ أَوِ الْمُعْتَمِرِ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ لِئَلاَّ يَمْتَدَّ إِحْرَامُهُ فَيَشُقَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَحَلَّل حَل لَهُ كُل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ الإِْحْصَارُ فِي الْحِل وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَشَاتَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١)، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَلْقِ
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْصَارٌ ف ٣٨ - ٤٢) .
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٥١ - ٥٦، واللباب في شرح الكتاب ١ / ٢١٨ - ٢٢٠، وأوجز المسالك ٥ / ١٤، وأحكام القرآن ١ / ٢٨٠، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٢١.
(٢) سورة البقرة / ١٩٦.
ج - الْوُقُوعُ فِي الأَْسْرِ:
٩ - الأَْسْرُ لُغَةً: الْحَبْسُ، وَاصْطِلاَحًا: وُقُوعُ الْمُحَارِبِ حَيًّا فِي يَدِ عَدُوِّهِ أَثْنَاءَ الْقِتَال، فَإِذَا وَقَعَ الْمُحَارِبُ أَسِيرًا وَجَبَ فِدَاؤُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَدْبِهِ إِذَا لَمْ يُعَذَّبْ، فَإِذَا عُذِّبَ وَجَبَ الْفِدَاءُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَسْرَى ف ٥٦ - ٦١) .
مَا تَكُونُ بِهِ الْفِدْيَةُ:
أَوَّلًا - الْفِدْيَةُ فِي الصِّيَامِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ إِذَا تَكَلَّفَ الصَّوْمَ، فَصَامَ فِي رَمَضَانَ، فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ، فَإِذَا أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١)، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٣)، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَفْسِيرِهَا:
_________
(١) البدائع ٢ / ٩٢، ٩٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، والمجموع للنووي ٦ / ٢٥٧ - ٢٥٩، والمغني ٣ / ١٤١.
(٢) سورة الحج / ٧٨.
(٣) سورة البقرة / ١٨٤.
نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلاَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا، وَلِقَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْكِبَرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ صِيَامَ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ لِكُل يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ قَمْحٍ وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَمَكْحُولٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، لأَِنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّوْمِ لِعَجْزِهِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَكَالْمَرِيضِ الَّذِي تَرَكَ الصِّيَامَ لِمَرَضٍ اتَّصَل بِهِ الْمَوْتُ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ إِعْطَاءُ الْفِدْيَةِ.
مِقْدَارُ الْفِدْيَةِ
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْفِدْيَةِ مُدٌّ عَنْ كُل يَوْمٍ، وَبِهِ قَال طَاوُوسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الْفِدْيَةِ هُوَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَذَلِكَ عَنْ كُل يَوْمٍ يُفْطِرُهُ، يُطْعِمُ بِهِ مِسْكِينًا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْوَاجِبُ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ (١) .
_________
(١) البدائع ٢ / ٩٢، ٩٧، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٦، والمجموع للنووي ٦ / ٢٥٧ - ٢٥٩، والمغني ٣ / ١٤١.
اشْتِرَاطُ الْيَسَارِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ لَوْ كَانَ مُوسِرًا.
وَقَال النَّوَوِيُّ: إِذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ. . . وَكَانَ مُعْسِرًا هَل يَلْزَمُهُ إِذَا أَيْسَرَ أَمْ يَسْقُطُ عَنْهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الأَْصَحُّ هُنَا أَنَّهَا تَسْقُطُ وَلاَ يَلْزَمُهُ إِذَا أَيْسَرَ كَالْفِطْرَةِ، لأَِنَّهُ عَاجِزٌ حَال التَّكْلِيفِ بِالْفِدْيَةِ، وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الإِْفْطَارِ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ لَمْ يَفْدِ حَتَّى مَاتَ لَزِمَ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، قَال: لأَِنَّ الإِْطْعَامَ فِي حَقِّهِ كَالْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ إِذَا مَاتَا قَبْل تَمَكُّنِهِمَا مِنَ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ وَإِنْ زَال عُذْرُهُمَا وَقَدَرَا عَلَى الْقَضَاءِ لَزِمَهُمَا، فَإِنْ مَاتَا قَبْلَهُ وَجَبَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُمَا مَكَانَ كُل يَوْمٍ مُدَّ طَعَامٍ، فَكَذَا هُنَا، وَإِلَى مِثْل هَذَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالشَّيْخُ الْهِمُّ - أَيِ الْفَانِي - لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ فَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ الإِْطْعَامِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (١)، قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٩، والمجموع ٦ / ٢٥٨، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٤٠.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦.
تَعْجِيل الْفِدْيَةِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إِذَا كَانَ يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الْعَاجِزِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ تَعْجِيل الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ دَفْعَ الْفِدْيَةِ فِي أَوَّل الشَّهْرِ كَمَا يَجُوزُ دَفْعُهَا فِي آخِرِهِ. (١) وَقَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الْعَاجِزِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ تَعْجِيل الْفِدْيَةِ قَبْل دُخُول رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ كُل يَوْمٍ، وَهَل يَجُوزُ قَبْل الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ؟ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ. (٢)
مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ فَاتَهُ بِعُذْرٍ:
١٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ فَاتَهُ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْعْذَارِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَائِهِ حَتَّى مَاتَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُصَامُ عَنْهُ وَلاَ يُطْعَمُ عَنْهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. (٣)
وَلأَِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، وَمَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْل إِمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٩.
(٢) المجموع للنووي ٦ / ٢٦٠.
(٣) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٥١) ومسلم (٢ / ٩٧٥) من حديث أبي هريرة.
وَقَال طَاوُوسٌ وَقَتَادَةُ: يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُل يَوْمٍ مِسْكِينٌ، لأَِنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ فَوَجَبَ الإِْطْعَامُ عَنْهُ، كَالشَّيْخِ الْهِمِّ إِذَا تَرَكَ الصِّيَامَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ. (١)
وَأَمَّا مَنْ مَاتَ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَصُمْهُ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل اللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُل يَوْمٍ مِسْكِينٌ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا (٢)، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَلاَ يُصَامُ عَنْهُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ يَصُومُ شَهْرًا، وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ، قَال: أَمَّا رَمَضَانُ فَيُطْعَمُ عَنْهُ، وَأَمَّا النَّذْرُ فَيُصَامُ عَنْهُ، وَلأَِنَّ الصَّوْمَ لاَ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاةِ
_________
(١) البدائع ٢ / ١٠٣، والقوانين الفقهية ص١١٠، والمجموع للنووي ٦ / ٣٧٢، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٤٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٨.
(٢) حديث ابن عمر " من مات وعليه صيام شهر. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٨٧)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٠٩) عن الدارقطني والبيهقي أنهما صوبا وقفه على ابن عمر.
كَالصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيل عِنْدَهُمْ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ وَطَاوُوسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (٢)، وَلأَِنَّهُ ﷺ قَال لاِمْرَأَةٍ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ صُومِي عَنْ أُمِّكِ (٣)، زَادَ الشَّافِعِيَّةُ: سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ مَنْ فَاتَهُ الصِّيَامُ بِعُذْرٍ كَالْمَرَضِ، أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْمُتَعَدِّي بِالْفِطْرِ إِذَا مَاتَ قَبْل الْقَضَاءِ لِمَا فَاتَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَبَيْنَ مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ (٤) .
الْحَامِل وَالْمُرْضِعُ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَامِل وَالْمُرْضِعَ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا مِنَ الصَّوْمِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا كَالْمَرِيضِ،
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) حديث: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٩٢)، ومسلم (٢ / ٨٠٣) من حديث عائشة.
(٣) حديث: أنه ﷺ " قال لامرأة قالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٤) من حديث ابن عباس.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٤٣٩.
وَكَذَا إِنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَوَلَدَيْهِمَا. (١)
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ وَإِطْعَامَ مِسْكِينٍ عَنْ كُل يَوْمٍ، لأَِنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . (٢)
وَسَبَقَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لِهَذِهِ الآْيَةِ (ف ١٠) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ ﵃، وَلأَِنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَالشَّيْخِ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ بَل تُسْتَحَبُّ لَهُمَا (٤)، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاَةِ، وَعَنِ
_________
(١) المجموع للنووي ٦ / ٢٦٧ - ٢٦٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٣٩ - ١٤٠، والبدائع ٢ / ٩٧، والفواكه الدواني ١ / ٣٥٩ وما بعدها.
(٢) سورة البقرة / ١٨٤.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) المصادر السابقة.