الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 12

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

يَبْذُلُهُ فِي عِبَادَةٍ قَصَّرَ فِيهَا، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ، (١) نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ . (٢) وَالْفِدْيَةُ أَعَمُّ مِنَ الْفِدَاءِ

ب - الْفَكَاكُ:

٣ - الْفَكَاكُ: - بِالْفَتْحِ وَقَدْ يُكْسَرُ - مِنْ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فَانْفَكَّ. وَفَكَّ الشَّيْءَ: خَلَّصَهُ، يُقَال: فَكَّ الرَّهْنَ يَفُكُّهُ فَكًّا، وَالأَْسِيرَ: خَلَّصَهُ، وَكُل شَيْءٍ أَطْلَقْتَهُ فَقَدْ فَكَكْتَهُ (٣) .

وَبَيْنَ الْفِدَاءِ وَالْفَكَاكِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفِدَاءِ:

فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ:

٤ - الأَْصْل أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ مُسْلِمٌ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ أَسِيرًا لَزِمَ الْمُسْلِمِينَ النُّهُوضُ لِتَخْلِيصِهِ مِنْ يَدِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوا دَارَنَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُجُوبَ عَيْنٍ النُّهُوضُ لِدَفْعِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا دَخَلُوا بَلَدًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَحُرْمَةُ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الدَّارِ، هَذَا إِنْ رُجِيَ

_________

(١) المفردات للراغب الأصفهاني.

(٢) المفردات للراغب الأصفهاني.

(٣) القاموس المحيط.

إِمْكَانُ تَخْلِيصِهِ، (١) فَإِنْ تَعَذَّرَ تَخْلِيصُهُ بِالْقِتَال وَجَبَ فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ، وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ (٢)، وَلأَِنَّ بَيْتَ الْمَال مَوْضُوعٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْ أَهَمِّهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُول إِلَيْهِ، فَمِنْ مَال الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ، وَيَتَوَلَّى الإِْمَامُ جِبَايَتَهُ، وَالأَْسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، (٣) لِحَدِيثِ: أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ. (٤)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اضْطُرِرْنَا لِبَذْل مَالٍ لِفِدَاءِ أَسْرَى يُعَذِّبُونَهُمْ أَوْ لإِحَاطَتِهِمْ بِنَا،

_________

(١) المنهج ٥ / ١٩٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢٠، والتاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٣ / ١٩٠، والسير الكبير ١ / ٢٠٧.

(٢) حديث: " إن على المسلمين في فيئهم. . . " أخرجه سعيد بن منصور (٢ / ٣١٧) من حديث حبان بن أبي جبلة مرسلًا.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٣، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٢، والبحر الرائق ٥ / ٩٠، وفتح القدير ٥ / ٢١٩ وابن عابدين جـ ٣ / ٢٢٩، والسير الكبير ٤ / ١٦٦٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٤، والتاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٣ / ٣٨٧.

(٤) حديث: " أطعموا الجائع. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١١٢) من حديث أبي موسى الأشعري.

وَخِفْنَا اسْتِئْصَالَهُمْ لَنَا وَجَبَ بَذْلُهُ، قَال الشُّبْرَامِلْسِيُّ: يُبْذَل مِنْ بَيْتِ الْمَال إِنْ وُجِدَ فِيهِ، وَإِلاَّ فَمِنْ مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَل ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْسُورِ مَالٌ، وَإِلاَّ قُدِّمَ عَلَى بَيْتِ الْمَال، وَقَالُوا يُنْدَبُ فَكُّ الأَْسْرَى غَيْرِ الْمُعَذَّبِينَ إِذَا أُمِنَ قَتْلُهُمْ. (١) فَإِنْ لَمْ يَفْدِ الإِْمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ أَثِمُوا جَمِيعًا، لأَِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَسْقُطُ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهَا، وَعَلَى الأَْسِيرِ فِي هَذَا الْحَال أَنْ يَفُكَّ نَفْسَهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا افْتَدَاهُ مُسْلِمٌ بِأَمْرِ الأَْسِيرِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا افْتَدَاهُ بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَمْ كَثِيرًا (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَسْرَى ف ٥٦ - ٦١) .

فِدَاءُ أَسْرَى الْكُفَّارِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْسْرَى الرِّجَال الأَْحْرَارَ الْعُقَلاَءَ مِنَ الْكُفَّارِ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَخْذُ الْفِدْيَةِ بِالْمَال عَنْهُمْ، إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . (٣)

أَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنَ الْكُفَّارِ فَلاَ يَجُوزُ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ١٠٢.

(٢) التاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٣ / ٣٧٨، وشرح الزرقاني ٣ / ١٥٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٧، والسير الكبير ٤ / ١٦٢٩، وفتح القدير ٥ / ٢١٩ وابن عابدين ٣ / ٢٢٩.

(٣) سورة محمد / ٤.

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِدَاؤُهُمْ بِالْمَال، لأَِنَّهُمْ يَصِيرُونَ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ فِدَاءُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِالْمَال.

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِدَاءُ الأَْسْرَى. وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: لاَ بَأْسَ بِالْفِدَاءِ إِذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ اسْتِدْلاَلًا بِأَسْرَى بَدْرٍ. (١)

فِدَاءُ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ، بِآلاَتِ الْحَرْبِ، وَالْكُرَاعِ:

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ فِدَاءِ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ بِسِلاَحٍ نَدْفَعُهُ لِلْعَدُوِّ.

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ وَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ ذَلِكَ.

وَفِي جَوَازِهِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لاِبْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: فَالْمَنْعُ لاِبْنِ الْقَاسِمِ، وَالْجَوَازُ لأَِشْهَب، مَا لَمْ يَكُنِ الْخَيْل وَالسِّلاَحُ أَمْرًا كَثِيرًا يَكُونُ لَهُمْ بِهِ الْقُدْرَةُ الظَّاهِرَةُ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا رَأْيَانِ. (٢)

_________

(١) البحر الرائق ٥ / ٩٠، والزرقاني ٣ / ١٢٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥، ٦٦، والمغني ٨ / ٣٧٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٠.

(٢) روض الطالب ٤ / ١٩٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٨، وحاشية الزرقاني ٣ / ١٥٠، والبحر الرائق ٥ / ٩٠.

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ:

وَلاَ يَجُوزُ رَدُّ أَسْلِحَتِهِمُ الَّتِي اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهَا بِمَالٍ يَبْذُلُونَهُ لَنَا، لأَِنَّا لاَ نَبِيعُهُمْ سِلاَحًا، لَكِنَّهُ يَجُوزُ فِي الأَْوْجَهِ عِنْدَهُمْ مُفَادَاةُ أَسْرَانَا بِسِلاَحِهِمُ الَّذِي غَنِمْنَاهُ مِنْهُمْ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الإِْمَامُ أَهْل الذِّمَّةِ بِدَفْعِ ذَلِكَ لِلْعَدُوِّ، وَيُحَاسِبَهُمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ جَازَ شِرَاءُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لاِفْتِدَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ لِلضَّرُورَةِ، وَقَالُوا: وَمَحَل ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَرْضَوْا إِلاَّ بِذَلِكَ، أَمَّا إِذَا رَضُوا بِغَيْرِهِ فَلاَ يَجُوزُ الْفِدَاءُ بِهِمَا. (١)

فِدَاءُ أَسْرَى الْعَدُوِّ بِأَسْرَى مُسْلِمِينَ:

٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ فِدَاءَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ بِأَسْرَى مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمِّيِّينَ، وَلَوْ وَاحِدًا فِي مُقَابِل جَمْعٍ مِنْ أَسْرَاهُمْ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: رِجَالًا، أَوْ نِسَاءً، أَوْ خَنَاثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِنْ رَأَى الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ " (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٨، وشرح الزرقاني ٣ / ١٥٠، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥.

(٢) روض الطالب ٤ / ١٩٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥، ٦٨، وكشاف القناع ٣ / ٥٣، والمغني ٨ / ٣٧٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٨، وشرح الزرقاني ٣ / ١٥٠، وفتح القدير ٥ / ٢١٩، وابن عابدين ٣ / ٢٢٩، والسير الكبير ٤ / ١٥٨٧.

وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١) . وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَنِي عَقِيلٍ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ. (٢)

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لاَ مُفَادَاةَ بِالأَْسْرَى، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً لِلْكُفْرِ، لأَِنَّ أَسْرَاهُمْ يَعُودُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَدَفْعُ شَرِّ حِرَابَتِهِمْ خَيْرٌ مِنَ اسْتِنْقَاذِ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ، لأَِنَّهُ إِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ كَانَ ابْتِلاَءً فِي حَقِّهِ غَيْرَ مُضَافٍ إِلَيْنَا، وَالإِْعَانَةُ بِدَفْعِ أَسِرْهُمْ إِلَيْهِمْ مُضَافٌ إِلَيْنَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَحَمُّل الضَّرَرِ الْخَاصِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) . وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ الْقَتْل وَهُوَ فَرْضٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِقَامَتِهِ بِحَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِجَوَازِ ذَلِكَ. وَجَاءَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ تَخْلِيصَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ وَلاَ يُتَوَصَّل إِلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَرْكِ قَتْل أَسَارَى الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ

_________

(١) سورة محمد / ٤.

(٢) حديث عمران بن حصين " أن النبي ﷺ فدى رجلين. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٦٢ - ١٢٦٣) .

(٣) سورة التوبة / ٥.

جَائِزٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ قَتْل الْكَافِرِ وَمِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، لأَِنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَظِيمَةٌ. (١)

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَسْرَى ف ٢٥)

٨ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ مُفَادَاةِ الأَْسْرَى مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ بِمَالٍ أَوْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ. وَوَجَّهَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ الرَّدِّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِ سَابِيهِ، فَلاَ يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا أُسِرَ الصِّبْيَانُ وَحْدَهُمْ بِدُونِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأُخْرِجُوا إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَال يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلدَّارِ، فَلاَ يَجُوزُ رَدُّهُمْ لِدَارِ الْكُفْرِ لِذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ قَال: وَلَعَل الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا أُخِذَ الْبَدَل مَالًا وَإِلاَّ فَلاَ. (٢)

فِدَاءُ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَسْلَمُوا:

٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَسْلَمَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ قَبْل أَنْ يُفَادَى بِهِمْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ، لأَِنَّهُمْ صَارُوا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَعْرِيضُهُمْ لِلْفِتْنَةِ بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ، إِلاَّ إِذَا أُمِنَ عَلَى إِسْلاَمِهِمْ وَطَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ. (٣)

_________

(١) فتح القدير٥ / ٢٢٠، والسير الكبير ٤ / ١٥٨٧، وابن عابدين ٣ / ٢١٩.

(٢) المصادر السابقة.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٠.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ مُفَادَاتُهُمْ بِالأَْسْرَى، وَبِالْمَال إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، إِذَا كَانَ الأَْسِيرُ لَهُ ثَمَّ عَشِيرَةٌ يَأْمَنُ مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ، لِحُرْمَةِ الإِْقَامَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَمْنَعُ عَنْهُ. (١)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَسْلَمَ الأَْسِيرُ صَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُفَادَى إِلاَّ بِإِذْنِ الْغَانِمِينَ، لأَِنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ، لأَِنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ، وَقِيل: يَحْرُمُ الْقَتْل، وَيُخَيَّرُ فِيهِمُ الأَْسِيرُ بَيْنَ رِقٍّ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ.

وَيَحْرُمُ رَدُّهُ إِلَى الْكُفَّارِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ عَشِيرَةٍ وَنَحْوِهَا، (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ: أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ: أَسَرُوا رَجُلًا فَأَسْلَمَ، وَفَادَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ (٣) .

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لِلإِْمَامِ أَنْ يُفَادِيَ بِالأَْسِيرِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي سَهْمِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ، رَضِيَ أَمْ أَبَى، وَيُعَوِّضَهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لأَِنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ مِنَ الأَْسْرِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَعَلَى كُل مُسْلِمٍ، بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ٦٦، وأسنى المطالب ٤ / ١٩٣.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٤، والمغني ٨ / ٣٧٤.

(٣) حديث: " أن أصحاب النبي ﷺ أسروا رجلًا فأسلم. . . ". تقدم ف٧ من حديث عمران بن الحصين.

وَالإِْمْكَانِ، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنْهُ نَابَ عَنْهُ الأَْمِيرُ وَعَوَّضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، كَمَا لَوِ اسْتُحِقَّ سَهْمٌ.

أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَلاَ يُجِيزُ الْمُفَادَاةَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (١) .

فِدَاءُ الْمَمْلُوكِ الْجَانِي:

١٠ - إِذَا جَنَى مَمْلُوكٌ جِنَايَةَ خَطَأٍ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ عَمْدًا وَعُفِيَ عَلَى مَالٍ، فَلِسَيِّدِهِ الْخِيَارُ، بَيْنَ فِدَائِهِ بِالْمَال، وَتَسْلِيمِهِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَإِنِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ.

وَفِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ يَفْدِيهِ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَهَا فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَفِيهِ عِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٢٢٠، والسير الكبير ٤ / ١٦٦٠.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤١، وفتح القدير ٨ / ٣٥٥، والقليوبي ٤ / ١٥٨.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رِقٌّ ف ١٢٠)

فِدَاءُ أُمِّ الْوَلَدِ:

١١ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَوْلِدِ فِدَاءُ أُمِّ وَلَدِهِ إِذَا جَنَتْ بِمَا يُوجِبُ الْمَال، وَإِنْ مَاتَتْ عَقِبَ الْجِنَايَةِ لِمَنْعِهِ بَيْعَهَا بِالإِْيلاَدِ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيلاَدٌ ف ١٤)