الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْحَامِل أَوِ الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ، قَال الرَّاوِي: وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَهُمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ - وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْحَامِل تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْمُرْضِعَ تُفْطِرُ وَتَقْضِي وَتَفْدِي، لأَِنَّ الْمُرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا، بِخِلاَفِ الْحَامِل، وَلأَِنَّ الْحَمْل مُتَّصِلٌ بِالْحَامِل، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا، وَلأَِنَّ الْحَامِل أَفْطَرَتْ لِمَعْنًى فِيهَا، فَهِيَ كَالْمَرِيضِ، وَالْمُرْضِعَ أَفْطَرَتْ لِمُنْفَصِلٍ عَنْهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ. (٢)

وَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵃ إِلَى أَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا. (٣)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ: مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ مُشْرِفٍ عَلَى هَلاَكٍ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ،

_________

(١) حديث: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٨٥) من حديث أنس بن مالك، وحسنه.

(٢) البدائع ٢ / ٩٧، والفواكه الدواني ١ / ٣٥٩، والمجموع ٦ / ٢٦٧ - ٢٦٩، والمغني ٣ / ١٣٩.

(٣) المجموع للنووي ٦ / ٢٦٩.

فَهُوَ فِطْر ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ: وَهُوَ حُصُول الْفِطْرِ لِلْمُفْطِرِ، وَالْخَلاَصِ لِغَيْرِهِ (١) .

مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّى دَخَل رَمَضَانُ آخَرُ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى الإِْنْسَانِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ بَعْضِهِ، وَأَخَّرَهُ إِلَى أَنْ يَدْخُل رَمَضَانُ، وَكَانَ مَعْذُورًا فِي تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ بِأَنِ اسْتَمَرَّ مَرَضُهُ أَوْ سَفَرُهُ وَنَحْوُهُمَا، جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ مَا دَامَ الْعُذْرُ وَلَوْ بَقِيَ سِنِينَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ تَكَرَّرَ دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ أَدَاءِ رَمَضَانَ بِهَذَا الْعُذْرِ، فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.

وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَل رَمَضَانُ آخَرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، هَل تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ لاَ؟

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ - إِلَى لُزُومِ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ، وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ عَنْ كُل يَوْمٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَدَاوُدُ وَالْمُزَنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٤٤١.

فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ فِدْيَةٌ، وَلأَِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ خَلَفًا عَنِ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِهِ عَجْزًا لاَ يُرْجَى مَعَهُ الْقُدْرَةُ عَادَةً، كَمَا فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي، وَلَمْ يُوجَدِ الْعَجْزُ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقَضَاءِ فَلاَ مَعْنَى لإِيجَابِ الْفِدْيَةِ. (١)

مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عُدْوَانًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَوِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عُدْوَانًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلاَ فِدْيَةٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ (٢)، وَلأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْكَفَّارَةِ أَوِ الْفِدْيَةِ إِلاَّ فِيمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَلأَِنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ فَلَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ، وَالْحُكْمُ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَدَاوُدُ (٣)،

_________

(١) البدائع ٢ / ١٠٤، والفواكه الدواني ١ / ٣٦٠، والمجموع ٦ / ٣٦٣ - ٣٦٦، مغني المحتاج ١ / ٤٤١، والمغني ٣ / ١٤٤ - ١٤٥.

(٢) حديث: " من استقاء عمدًا فليقض ". أخرجه الترمذي (٣ / ٨٩) من حديث أبي هريرة وحسنه.

(٣) المجموع للنووي ٦ / ٣٢٨ - ٣٣٠، المغني لابن قدامة ٣ / ١١٥ - ١١٦.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِذَا أَفْطَرَ بِإِيصَال مَا يُقْصَدُ بِهِ التَّغَذِّي أَوِ التَّدَاوِي إِلَى جَوْفِهِ عَنْ طَرِيقِ الْفَمِ، لأَِنَّ بِهِ يَحْصُل قَضَاءُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ، كَمَا يَحْصُل بِالْجِمَاعِ قَضَاءُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْفِطْرَ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ يُوجِبُ مَا يُوجِبُهُ الْجِمَاعُ.

أَمَّا مَا لاَ يُقْصَدُ بِهِ التَّغَذِّي أَوِ التَّدَاوِي كَبَلْعِ الْحَصَاةِ أَوِ التُّرَابِ أَوِ النَّوَاةِ وَنَحْوِهَا فَلاَ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا إِنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَل أَوِ اسْتَمْنَى (١) .

وَعَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ عَلَيْهِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ عِشْرُونَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ بِشُرُوطٍ مِنْهَا: أَنْ يُفْطِرَ مُتَعَمِّدًا، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَأَنْ يَأْكُل أَوْ يَشْرَبَ عَنْ طَرِيقِ الْفَمِ وَأَنْ يَكُونَ الإِْفْطَارُ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ وَإِنْ جَهِل وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ، وَالْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ فِي هَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِثْل الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْجِمَاعِ، لأَِنَّهُ إِفْطَارٌ فِي رَمَضَانَ فَأَشْبَهَ الْجِمَاعَ،

_________

(١) المصدران السابقان، والبدائع ٢ / ٩٧ - ٩٨.

حَيْثُ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا هَتَكَ حُرْمَةَ الصِّيَامِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمَعْصِيَةٍ (١) .

ثَانِيًا - الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ:

١٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ فِدْيَةَ الْحَجِّ تَجِبُ فِي حَجِّ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَفِي تَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَفِي فِعْل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَفِي الْفَوَاتِ وَالإِْحْصَارِ.

وَاتَّفَقُوا فِي بَعْضِ تَفَاصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا كَمَا يَلِي

التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ:

١٩ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ فِدْيَةٌ، وَهِيَ ذَبْحُ شَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الأَْنْعَامِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢)، وَلأَِنَّهُ فِي الْقَارِنِ إِذَا وَجَبَ الدَّمُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا، فَلأَنْ يَجِبَ عَلَى الْقَارِنِ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الإِْحْرَامِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِمَا صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا إِلَى بِلاَدِهِمَا.

_________

(١) البدائع ٢ / ٩٧ - ٩٨، والمجموع ٦ / ٣٢٨ - ٣٣٠، والمغني ٣ / ١١٥ - ١١٦، والفواكه الدواني ١ / ٣٦٥.

(٢) سورة البقرة / ١٩٦.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَمَتُّعٌ ف ١٦، وَهَدْي وَقِرَان)

تَرْكُ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ:

٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ فِدْيَةٌ فِي تَرْكِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَتَرْكِ الإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَتَرْكِ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ، وَتَرْكِ الرَّمْيِ لِلْجَمَرَاتِ، وَتَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ الَّتِي لاَ يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهَا.

وَالْوَاجِبُ فِي هَذَا كُلِّهِ بِاتِّفَاقِهِمْ ذَبْحُ شَاةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ لِشُرُوطِ الأُْضْحِيَّةِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا صَامَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ كَالْمُتَمَتِّعِ (١)، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (حَجّ ف ١٢٦ وَمَا بَعْدَهَا)

وَهَل الْفِدْيَةُ تَجِبُ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ كُلِّهِ أَوْ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ لِجَمْرَةٍ مِنَ الْجِمَارِ الثَّلاَثَةِ، أَوْ فِي تَرْكِ رَمْيِ ثَلاَثِ حَصَيَاتٍ مِنَ الْحَصَيَاتِ السَّبْعِ وَهَكَذَا فِي الْمَبِيتِ؟

تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ ف ٥٧، ٥٨، ٥٩ وَمَا بَعْدَهَا)

فِعْل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَكَبَ الْحَاجُّ

_________

(١) المجموع للنووي ٧ / ٥٠٧ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٩١، ٥٥٢.

أَوِ الْمُعْتَمِرُ مَحْظُورًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ حَسَبَ الْمَحْظُورِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ: فَفِعْل بَعْضِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ كَالْجِمَاعِ يُفْسِدُ الْحَجَّ كُلِّيَّةً، بَيْنَمَا غَيْرُهُ لاَ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَعَلَيْهِ تَخْتَلِفُ الْفِدْيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي هَذَا عَنِ الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ فِي ذَاكَ. (١)

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْفِدْيَةِ، وَهَل هِيَ مُخَيَّرَةٌ أَوْ مُرَتَّبَةٌ، مُقَدَّرَةٌ أَوْ مُعَدَّلَةٌ؟ وَهَل تَجِبُ بِمُجَرَّدِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ أَمْ يُشْتَرَطُ لِتَكَامُلِهَا تَكْرَارُ الْفِعْل وَتَعَدُّدُهُ أَوِ اسْتِمْرَارُ ارْتِكَابِهِ لِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ؟ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ ف ١٠٨ وَإِحْرَامٌ ف ١٤٥ وَمَا بَعْدَهَا)

الْفَوَاتُ وَالإِْحْصَارُ:

٢٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ ذَبْحِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فَقَطْ، أَوْ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ أَوْ كَانَ قَارِنًا، أَيْ مُحْرِمًا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا.

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْصَارٌ ف ٣٦ وَمَا بَعْدَهَا) .

ثَالِثًا - فِدَاءُ الأَْسْرَى: الاِفْتِدَاءُ بِالْمَال:

٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْسِيرَ الْمُسْلِمَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ يَجِبُ فِدَاؤُهُ وَمِمَّا يُفْدَى بِهِ الْمَال،

_________

(١) انظر المصادر السابقة.

وَيَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَإِلاَّ فَمِنْ مَال الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِمْ، وَالأَْسِيرُ كَأَحَدِهِمْ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يَجِبُ الْمَال الَّذِي يُفْدَى بِهِ الأَْسِيرُ عَلَى الأَْسِيرِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ وَجَبَ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَ يُعَذَّبُ، وَإِلاَّ نُدِبَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَسْرَى ف ٥٦)

الاِفْتِدَاءُ بِتَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُفِيدُهُمْ:

٢٤ - يَجُوزُ افْتِدَاءُ أَسْرَى الْكُفَّارِ، بِتَعْلِيمِهِمُ الْمُسْلِمِينَ مَا يَنْفَعُهُمْ كَتَعْلِيمِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ أَوْ تَعْلِيمِهِمْ حِرْفَةً كَالْحِدَادَةِ وَالنِّجَارَةِ، أَوْ صِنَاعَةً مِنَ الصِّنَاعَاتِ النَّافِعَةِ، لأَِنَّ تَعْلِيمَ مِثْل هَذِهِ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ يَقُومُ مَقَامَ الْمَال وَيُقَوَّمُ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: كَانَ نَاسٌ مِنَ الأَْسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ، فَجَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلاَدَ الأَْنْصَارِ الْكِتَابَةَ (١) .

الاِفْتِدَاءُ بِتَبَادُل الأَْسْرَى:

٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ فِدَاءَ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، لِمَا رَوَى

_________

(١) البداية والنهاية ٣ / ٣٠٧.، وحديث ابن عباس " كان ناس من الأسرى يوم بدر. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٤١٧) .

عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) .

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفَادَى الأَْسِيرُ الْمُسْلِمُ بِأَسْرَى الْمُشْرِكِينَ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً لِلْكُفْرِ، فَأَسْرَاهُمْ بَعْدَ فِدَائِهِمْ يَعُودُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَسْرَى ف ٢٥)

فَرَائِض

انْظُرْ: إِرْث

_________

(١) حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ " فدى رجلين من أصحابه. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٦٢) .

فِرَار

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفِرَارُ - بِالْكَسْرِ - وَالْفَرُّ - بِالْفَتْحِ - لُغَةً: الْهَرَبُ، يُقَال: فَرَّ مِنَ الْحَرْبِ فِرَارًا أَيْ هَرَبَ (١) . وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا﴾ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفِرَارِ:

أ - الْفِرَارُ مِنَ الزَّكَاةِ:

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّهُ يَحْرُمُ الاِحْتِيَال لِسُقُوطِ الزَّكَاةِ، وَتَجِبُ مَعَ الْحِيلَةِ، كَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ فَبَاعَهَا قَبْل الْحَوْل بِدَرَاهِمَ

_________

(١) تاج العروس، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط، والمفردات.

(٢) سورة نوح / ٦.

(٣) العناية على الهداية ٤ / ٣٢٠ ط بولاق.