الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
هَذِهِ الصَّدَقَةَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَال: فَسَلْهُ يَا رَسُول اللَّهِ، هَل كَتَمْت مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا قَطُّ، أَوْ مَاكَسْت فِيهَا طَالِبَهَا؟ قَال: فَسَأَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: قُمْ، إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنْك. (١)
أُمُورٌ تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ:
١٠ - الأَْصْل فِي الْغِيبَةِ التَّحْرِيمُ لِلأَْدِلَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أُمُورًا سِتَّةً تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلأَِنَّ الْمُجَوِّزَ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ لاَ يُمْكِنُ الْوُصُول إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا وَتِلْكَ الأُْمُورُ هِيَ:
الأَْوَّل: التَّظَلُّمُ. يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ، فَيَذْكُرُ أَنَّ فُلاَنًا ظَلَمَنِي وَفَعَل بِي كَذَا وَأَخَذَ لِي كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. (٢)
_________
(١) حديث أبي الطفيل " أن رجلًا مر على قوم فسلم عليهم. . ". أخرجه أحمد (٥ / ٤٥٥) وصحح إسناده العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣ / ١٤٥ - بهامش الإحياء) .
(٢) الأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتاب العربي، والجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣٣٩ ط الكتب المصرية، وفتح الباري ١٠ / ٤٧٢ ط الرياض، ومختصر منهاج القاصدين ١٧٣ نشر دار البيان.
الثَّانِي: الاِسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ. وَبَيَانُهُ أَنْ يَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ: فُلاَنٌ يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ إِزَالَةَ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا. (١)
الثَّالِثُ: الاِسْتِفْتَاءُ: وَبَيَانُهُ أَنْ يَقُول لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ فُلاَنٌ بِكَذَا. فَهَل لَهُ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلاَصِ مِنْهُ وَتَحْصِيل حَقِّي وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنِّي؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَلَكِنَّ الأَْحْوَطَ أَنْ يَقُول: مَا تَقُول فِي رَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا، أَوْ فِي زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ تَفْعَل كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْصُل لَهُ الْغَرَضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ، (٢) لِحَدِيثِ هِنْدٍ ﵂ وَقَوْلِهَا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ. . (٣) الْحَدِيثُ. وَلَمْ يَنْهَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ.
_________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١٦ / ١٤٢ ط المصرية، والأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتاب العربي، ورفع الريبة للشوكاني ص١٣ ط السلفية، والجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٣٣٩ ط الكتب المصرية، وفتح الباري ١٠ / ٤٧٢ ط الرياض، ومختصر منهاج القاصدين ١٧٣ نشر دار البيان.
(٢) الأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتب المصرية، رفع الريبة ١٣ ط السلفية، فتح الباري ١٠ / ٤٧٢ ط الرياض، شرح صحيح مسلم ١٦ / ١٤٢ ط المصرية.
(٣) حديث هند: " إن أبا سفيان رجل شحيح. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) ومسلم (٣ / ١٣٣٨)
الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ.
أَوَّلًا: جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ، بَل وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ.
ثَانِيًا. الإِْخْبَارُ بِغِيبَةٍ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِهَا.
ثَالِثًا: إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، تَذْكُرُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ نَصِيحَةً لَهُ، لاَ لِقَصْدِ الإِْيذَاءِ وَالإِْفْسَادِ.
رَابِعًا: إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا. وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْك نَصِيحَتُهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ.
خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ لاَ يَقُومُ لَهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ، فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةٌ لِيَسْتَبْدِل بِهِ غَيْرَهُ أَوْ يَعْرِفَ. فَلاَ يَغْتَرَّ بِهِ وَيُلْزِمُهُ الاِسْتِقَامَةَ. (١)
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ. فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيُوبِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ
_________
(١) رفع الريبة ص١٣، ١٤ ط السلفية، والأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتاب العربي، وشرح مسلم للنووي ١٦ / ١٤٢، ١٤٣ ط المصرية.
لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَرُ. (١)
السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ. . فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالأَْعْمَشِ وَالأَْعْرَجِ وَالأَْزْرَقِ وَالْقَصِيرِ وَالأَْعْمَى وَالأَْقْطَعِ وَنَحْوِهَا جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى. (٢)
كَيْفِيَّةُ مَنْعِ الْغِيبَةِ:
١١ - ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَسَاوِئَ الأَْخْلاَقِ كُلَّهَا إِنَّمَا تُعَالَجُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَل، وَإِنَّ عِلاَجَ كُل عِلَّةٍ بِمُضَادَّةٍ سَبَبِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عِلاَجَ كَفِّ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَالآْخَرُ عَلَى التَّفْصِيل.
أَمَّا عِلاَجُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ: فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ تَعَرُّضَهُ لِسُخْطِ اللَّهِ ﷾ لِغَيْبَتِهِ، وَذَلِكَ لِلأَْخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا مُحْبِطَةٌ لِحَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهَا تَنْقُل حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنِ اغْتَابَهُ بَدَلًا عَمَّا اسْتَبَاحَهُ مِنْ عِرْضِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ نُقِل إِلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ خَصْمِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُتَعَرِّضٌ
_________
(١) الأذكار للنووي ٣٠٣ ط الكتب المصرية، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٦ / ١٤٣ ط المصرية، وفتح الباري ١٠ / ٤٧٢ ط الرياض، ورفع الريبة ١٤ ط السلفية، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٧٦ ط الرياض.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٦ / ١٤٣ ط المصرية، والأذكار للنووي ص٣٠٤ ط الكتاب العربي، ورفع الريبة ص ١٤ط السلفية، وفتح الباري ١٠ / ٤٧٢ ط الرياض.
لِمَقْتِ اللَّهِ ﷿، وَمُشَبَّهٌ عِنْدَهُ بِآكِل الْمَيْتَةِ، وَإِنَّمَا أَقَل الدَّرَجَاتِ أَنْ تُنْقِصَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالسُّؤَال وَالْجَوَابِ وَالْحِسَابِ، قَال ﷺ: مَا النَّارُ فِي الْيَبِسِ بِأَسْرَعَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي حَسَنَاتِ الْعَبْدِ (١) وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال لِلْحَسَنِ: بَلَغَنِي أَنَّك تَغْتَابُنِي؟ فَقَال: مَا بَلَغَ مِنْ قَدْرِك عِنْدِي أَنِّي أُحَكِّمُك فِي حَسَنَاتِي، فَمَهْمَا آمَنَ الْعَبْدُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الأَْخْبَارِ فِي الْغِيبَةِ لَمْ يُطْلِقْ لِسَانَهُ بِهَا خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ. وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَتَدَبَّرَ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا عَيْبًا اشْتَغَل بِعَيْبِ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﷺ: طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ (٢) وَمَهْمَا وَجَدَ الْعَبْدُ عَيْبًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ ذَمَّ نَفْسِهِ وَيَذُمَّ غَيْرَهُ، بَل يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّ عَجْزَ غَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي التَّنَزُّهِ عَنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ كَعَجْزِهِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ. وَإِنْ كَانَ أَمْرًا خُلُقِيًّا فَالذَّمُّ لَهُ ذَمٌّ لِلْخَالِقِ، فَإِنَّ مَنْ ذَمَّ صَنْعَةً فَقَدْ ذَمَّ صَانِعَهَا، قَال رَجُلٌ
_________
(١) حديث: " ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة. . . ". قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: (٣ / ١٤٥ - بهامش الإحياء) لم أجد له أصلًا.
(٢) حديث: " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. . . ". عزاه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣ / ١٤٥) إلى البزار من حديث أنس وضعف إسناده
لِحَكِيمٍ: يَا قَبِيحَ الْوَجْهِ، قَال: مَا كَانَ خَلْقُ وَجْهِي إِلَيَّ فَأُحَسِّنَهُ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْعَبْدُ عَيْبًا فِي نَفْسِهِ فَلْيَشْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى وَلاَ يُلَوِّثَنَّ نَفْسَهُ بِأَعْظَمِ الْعُيُوبِ، فَإِنَّ ثَلْبَ النَّاسِ وَأَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، بَل لَوْ أَنْصَفَ لَعَلِمَ أَنَّ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُل عَيْبٍ جَهْلٌ بِنَفْسِهِ. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ.
وَيَنْفَعُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تَأَلُّمَ غَيْرِهِ بِغِيبَتِهِ كَتَأَلُّمِهِ بِغِيبَةِ غَيْرِهِ لَهُ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُغْتَابَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَرْضَى لِغَيْرِهِ مَا لاَ يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا عِلاَجُهُ عَلَى التَّفْصِيل: فَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى السَّبَبِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْغِيبَةِ فَيَقْطَعُهُ، فَإِنَّ عِلاَجَ كُل عِلَّةٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَطْعِ سَبَبِهَا. (١)
كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ.
١٢ - ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ كُل مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهَا، وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يُشْتَرَطُ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَال. وَإِنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا، وَأَنْ يَعْزِمَ أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَيْهَا، وَالتَّوْبَةُ مِنْ
_________
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٥ - ١٤٧، ومختصر منهاج القاصدين ١٧١ - ١٧٢.
حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ يُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ،
وَرَابِعٌ: وَهُوَ رَدُّ الظُّلاَمَةِ إِلَى صَاحِبِهَا، أَوْ طَلَبُ عَفْوِهِ عَنْهَا وَالإِْبْرَاءُ مِنْهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَابِ التَّوْبَةُ بِهَذِهِ الأُْمُورِ الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّ الْغِيبَةَ حَقُّ آدَمِيِّ، وَلاَ بُدَّ مِنَ اسْتِحْلاَلِهِ مَنِ اغْتَابَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجْهَيْنِ فِي كَوْنِهِ هَل يَكْفِيهِ أَنْ يَقُول: قَدِ اغْتَبْتُك فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، أَوْ لاَ بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا اغْتَابَ بِهِ؟
أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَبْرَأهُ عَنْ مَالٍ مَجْهُولٍ.
وَالثَّانِي: لاَ يُشْتَرَطُ لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِخِلاَفِ الْمَال. وَالأَْوَّل أَظْهَرُ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِالْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَقَدْ تَعَذَّرَ تَحْصِيل الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، لَكِنْ قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الاِسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَى الاِسْتِغْفَارِ دُونَ الاِسْتِحْلاَل. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ: كَفَّارَةُ مَنْ
اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ (١)، وَقَال مُجَاهِدٌ: كَفَّارَةُ أَكْلِك لَحْمَ أَخِيك أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ وَتَدْعُوَ لَهُ بِخَيْرٍ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ قَوْل عَطَاءٍ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ التَّوْبَةِ مِنَ الْغِيبَةِ، وَهُوَ: أَنْ تَمْشِيَ إِلَى صَاحِبِك، فَتَقُول لَهُ: كَذَبْت فِيمَا قُلْت وَظَلَمْتُك وَأَسَأْت، فَإِنْ شِئْت أَخَذْت بِحَقِّك، وَإِنْ شِئْت عَفَوْت.
وَأَمَّا قَوْل الْقَائِل: الْعِرْضُ لاَ عِوَضَ لَهُ، فَلاَ يَجِبُ الاِسْتِحْلاَل مِنْهُ بِخِلاَفِ الْمَال، فَكَلاَمٌ ضَعِيفٌ، إِذْ قَدْ وَجَبَ فِي الْعِرْضِ حَدُّ الْقَذْفِ وَتَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، بَل فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لأَِخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْل أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَتْ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِل عَلَيْهِ (٢)، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لاِمْرَأَةٍ قَالَتْ لأُِخْرَى إِنَّهَا طَوِيلَةُ الذَّيْل: قَدِ اغْتَبْتِيهَا
_________
(١) حديث: " كفارة من اغتبته أن تستغفر له. . . ". عزاه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣ / ١٥٠) إلى ابن أبي الدنيا في الصمت، والحارث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس، وضعف إسناده.
(٢) حديث: " من كان له مظلمة لأخيه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.
فَاسْتَحِلِّيهَا. فَإِذَنْ لاَ بُدَّ مِنَ الاِسْتِحْلاَل إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَيِّتًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الاِسْتِغْفَارَ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ. (١)
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْغِيبَةِ أَنْ يُبْرِئَ الْمُغْتَابَ مِنْهَا، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ وَإِسْقَاطُ حَقٍّ، فَكَانَ إِلَى خِيرَتِهِ. وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا لِيُخَلِّصَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَبَال هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ، وَيَفُوزَ هُوَ بِعَظِيمِ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَفْوِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ ﷾، وَقَال: إِنَّ الصَّوَابَ هُوَ الْحَثُّ عَلَى الإِْبْرَاءِ مِنَ الْغِيبَةِ. (٢)
_________
(١) الأذكار للنووي ٣٠٨ ط دار الكتاب العربي، إحياء علوم الدين ٣ / ١٥٠ ط الحلبي، ومختصر منهاج القاصدين ص١٧٣، ١٧٤ نشر دار البيان.
(٢) الأذكار للنووي ص ٣٠٨، ٣٠٩ ط دار الكتاب العربي.
غَيْرَة
التَّعْرِيفُ
١ - الْغَيْرَةُ فِي اللُّغَةِ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَغَيُّرِ الْقَلْبِ وَهَيَجَانِ الْغَضَبِ بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا بِهِ الاِخْتِصَاصُ، يُقَال: غَارَ الرَّجُل عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ فُلاَنٍ، وَهِيَ عَلَيْهِ مِنْ فُلاَنَةَ يَغَارُ غَيْرَةً وَغِيَارًا: أَنِفَ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَكَرِهَ شَرِكَةَ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ بِهَا، أَوْ فِي حَقِّهَا بِهِ. (١)
وَاصْطِلاَحًا: لاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الْغَيْرَةُ مِنَ الْغَرَائِزِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الإِْنْسَانِ تَبْرُزُ كُلَّمَا أَحَسَّ شَرِكَةَ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ بِلاَ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، أَوْ يَرَى الْمُؤْمِنُ تُنْتَهَكُ حُرُمَاتُ اللَّهِ. (٢) وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الْغَيْرَةِ بِاخْتِلاَفِ الْمُغَارِ عَلَيْهِ.
_________
(١) لسان العرب وتاج العروس، وفتح الباري ٩ / ٣٢٠.
(٢) فتح الباري ٩ / ٣٢٠.