الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
إِلَيْهِ: إِمَّا تَقْدُمْ أَوْ وَكِّل، فَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ وَلاَ وَكَّل حَكَمَ عَلَيْهِ، وَالْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمُدَّعِي مَعَ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ، لِيَجِدَ الْغَائِبُ لَهُ مَدْفَعًا عِنْدَ قُدُومِهِ. لأَِنَّهُ بَاتَ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا قَدِمَ، وَالْغَيْبَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي هَذَا كَالْبَعِيدَةِ (١) . وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبَ مُسَخَّرٍ يُنْكِرُ عَلَى الْغَائِبِ عِنْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُقِرًّا، فَيَكُونُ إِنْكَارُ الْمُسَخَّرِ كَذِبًا. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَصْبُهُ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّصْبِ وَعَدَمِهِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُهُ، لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِنْكَارِ مُنْكِرٍ. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ اخْتَبَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلاَثًا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَيَجْمَعُ أَمَاثِل جِيرَانِهِ وَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إِعْذَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ وَخَتَمَ مَنْزِلَهُ بِطَلَبٍ مِنَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ فُلاَنٍ أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا وَحَكَمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ. (٣)
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ١٦٢.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٠٧.
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١١ / ٤١٢، ٤١٣.
غِيبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغِيبَةُ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ - فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ اغْتَابَهُ اغْتِيَابًا: إِذَا ذَكَرَهُ بِمَا يَكْرَهُ مِنَ الْعُيُوبِ وَهُوَ حَقٌّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا فَهُوَ الْغِيبَةُ فِي بَهْتٍ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبُهْتَانُ:
٢ - الْبُهْتَانُ فِي اللُّغَةِ: الْقَذْفُ بِالْبَاطِل وَافْتِرَاءُ الْكَذِبِ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ بَهَتَهُ بَهْتًا مِنْ بَابِ نَفَعَ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا لَيْسَ فِيهِ. (٤) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ هُوَ: أَنَّ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجاني ص١٤٣ ط الحلبي.
(٣) المصباح المنير، والصحاح.
(٤) التعريفات للجرجاني / ١٤٣ ط الحلبي.
الْغِيبَةَ ذِكْرُ الإِْنْسَانِ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَهُ، وَالْبُهْتَانَ وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ أَمْ فِي وُجُودِهِ. (١)
ب - الْحَسَدُ:
٣ - الْحَسَدُ فِي اللُّغَةِ: تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنِ الْغَيْرِ. (٢)
وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَمَنِّي زَوَال نِعْمَةِ الْغَيْرِ، سَوَاءٌ تَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لاَ، بِأَنْ تَمَنَّى انْتِقَالَهَا عَنْ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ. (٣)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ: أَنَّ الْحَسَدَ مِنَ الأَْسْبَابِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْغِيبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا يَحْسُدُ مَنْ يُثْنِي النَّاسُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ، فَيُرِيدُ زَوَال تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ، فَلاَ يَجِدُ سَبِيلًا إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْقَدْحِ فِيهِ. (٤)
ج - الْحِقْدُ:
٤ - الْحِقْدُ مَعْنَاهُ: الاِنْطِوَاءُ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ
_________
(١) جامع البيان ٢٦ / ١٣٧ ط الحلبي، وشرح صحيح مسلم ١٦ / ١٤٢.
(٢) الصحاح، والقاموس، واللسان، والمصباح.
(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٤ ط الحلبي.
(٤) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٤ ط الحلبي.
الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (١)
وَالصِّلَةُ هِيَ أَنَّ الْحِقْدَ مِنَ الْبَوَاعِثِ الْعَظِيمَةِ عَلَى الْغِيبَةِ. (٢)
د - الشَّتْمُ:
٥ - الشَّتْمُ فِي اللُّغَةِ: السَّبُّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: وَصْفُ الْغَيْرِ بِمَا فِيهِ نَقْصًا وَازْدِرَاءً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ هُوَ: أَنَّ الْغِيبَةَ ذِكْرُ الشَّخْصِ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَهُ، وَالشَّتْمُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَفِي حَال حُضُورِهِ. (٣)
هـ - النَّمِيمَةُ:
٦ - النَّمِيمَةُ فِي اللُّغَةِ: السَّعْيُ لِلإِْيقَاعِ فِي الْفِتْنَةِ وَالْوَحْشَةِ (٤) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا إِيقَاعَ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ.
_________
(١) المصباح المنير والتعريفات للجرجاني / ١٢١ ط العربي، وإحياء علوم الدين ٣ / ١٥٧ ط الحلبي.
(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٣ ط الحلبي.
(٣) الصحاح، والتعريفات للجرجاني ١١٠، ١٤٣ ط الحلبي.
(٤) المصباح، والقاموس.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - الْغِيبَةُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ (١): لاَ خِلاَفَ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ مَنِ اغْتَابَ أَحَدًا عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُل لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (٢) وَيَقُول الرَّسُول ﷺ: لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْت بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْت: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيل؟ قَال: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ (٣) وَبِقَوْلِهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُل الإِْيمَانُ قَلْبَهُ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ (٤) وَبِقَوْلِهِ ﷺ
_________
(١) أحكام القرآن للقرطبي ١٦ / ٣٣٦، ٣٣٧، والزواجر ٢ / ٧.
(٢) سورة الحجرات / ١٢.
(٣) حديث: " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار. . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٤) من حديث أنس بن مالك، وصححه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣ / ١٣٩. بهامش الإحياء)
(٤) حديث: " يا معشر من آمن بلسانه. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٩٤) من حديث أبي برزة الأسلمي، وذكر المنذري في مختصره (٧ / ٢١٤) أن في إسناده راويًا مجهولًا، وذكره في الترغيب والترهيب (٣ / ١٩٨) وقال: رواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء.
: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ (١) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ، قِيل: أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول؟ قَال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدِ اغْتَبْته. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ (٢) قَال الْقَرَافِيُّ: حُرِّمَتْ أَيِ الْغِيبَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إِفْسَادِ الأَْعْرَاضِ. (٣)
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ إِنْ كَانَتْ فِي أَهْل الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ. وَإِلاَّ فَصَغِيرَةٌ. (٤)
مَا تَكُونُ بِهِ الْغِيبَةُ:
٨ - الْغِيبَةُ تَكُونُ بِالْقَوْل وَتَكُونُ بِغَيْرِهِ، قَال الْغَزَالِيُّ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ إِنَّمَا حَرُمَ لأَِنَّ فِيهِ تَفْهِيمَ الْغَيْرِ نُقْصَانَ أَخِيك وَتَعْرِيفَهُ بِمَا يَكْرَهُهُ، فَالتَّعْرِيضُ بِهِ كَالتَّصْرِيحِ، وَالْفِعْل فِيهِ كَالْقَوْل، وَالإِْشَارَةُ وَالإِْيمَاءُ وَالْغَمْزُ
_________
(١) حديث: " إن من أكبر الكبائر استطالة المرء. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٩٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث أبي هريرة: " أتدرون ما الغيبة ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠١) .
(٣) الفروق للقرافي ٤ / ٢٠٥، ٢٠٩.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٧.
وَالْهَمْزُ وَالْكِتَابَةُ وَالْحَرَكَةُ وَكُل مَا يُفْهِمُ الْمَقْصُودَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ، (١) مِنْ ذَلِكَ قَوْل عَائِشَة ﵂: دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ، فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْت بِيَدَيَّ: أَنَّهَا قَصِيرَةٌ، فَقَال ﵇: اغْتَبْتِيهَا. (٢)
الأَْسْبَابُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْغِيبَةِ:
٩ - ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ أَنَّ الأَْسْبَابَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الْغِيبَةِ أَحَدَ عَشَرَ سَبَبًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ تِلْكَ الأَْسْبَابِ تَطَّرِدُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ، وَثَلاَثَةً تَخْتَصُّ بِأَهْل الدِّينِ وَالْخَاصَّةِ.
أَمَّا الثَّمَانِيَةُ الَّتِي تَطَّرِدُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ فَهِيَ:
الأَْوَّل: أَنْ يَشْفِيَ الْغَيْظَ.
الثَّانِي: مُوَافَقَةُ الأَْقْرَانِ وَمُجَامَلَةُ الرُّفَقَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى الْكَلاَمِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَشْعِرَ مِنْ إِنْسَانٍ أَنَّهُ يُقَبِّحُ عِنْدَ مُحْتَشِمٍ. أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةٍ، فَيُبَادِرُهُ قَبْل أَنْ يُقَبِّحَ هُوَ وَيَطْعَنَ فِيهِ لِيُسْقِطَ أَثَرَ شَهَادَتِهِ.
_________
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) حديث عائشة: " دخلت علينا امرأة. . . ". عزاه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣ / ١٤٢ بهامش الإحياء) إلى ابن أبي الدنيا وابن مردويه، وقال: من راوية حسان بن مخارق عنها، وحسان وثقه ابن حبان، وباقيهم ثقات.
الرَّابِعُ: أَنْ يُنْسَبَ إِلَى شَيْءٍ، فَيُرِيدَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ، فَيَذْكُرَ الشَّخْصَ الَّذِي فَعَلَهُ.
الْخَامِسُ: إِرَادَةُ التَّصَنُّعِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ بِتَنْقِيصِ غَيْرِهِ.
السَّادِسُ: الْحَسَدُ. وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا يَحْسُدُ مَنْ يُثْنِي النَّاسُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ، فَيُرِيدُ زَوَال تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ. فَلاَ يَجِدُ سَبِيلًا إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْقَدْحِ فِيهِ.
السَّابِعُ: اللَّعِبُ وَالْهَزْل وَالْمُطَايَبَةُ وَتَزْجِيَةُ الْوَقْتِ بِالضَّحِكِ، فَيَذْكُرُ عُيُوبَ غَيْرِهِ بِمَا يُضْحِكُ النَّاسَ عَلَى سَبِيل الْمُحَاكَاةِ.
الثَّامِنُ: السُّخْرِيَةُ وَالاِسْتِهْزَاءُ اسْتِحْقَارًا لِلْغَيْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجْرِي فِي الْحُضُورِ وَيَجْرِي أَيْضًا فِي الْغِيبَةِ.
وَأَمَّا الأَْسْبَابُ الثَّلاَثَةُ الَّتِي هِيَ فِي الْخَاصَّةِ،
فَهِيَ أَغَمْضُهَا وَأَدَقُّهَا. وَهِيَ:
الأَْوَّل: أَنْ تَنْبَعِثَ مِنَ الدِّينِ دَاعِيَةُ التَّعَجُّبِ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالْخَطَأِ فِي الدِّينِ، فَيَقُول: مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْت مِنْ فُلاَنٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِهِ صَادِقًا، وَيَكُونُ تَعَجُّبُهُ مِنَ الْمُنْكَرِ. وَلَكِنْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَتَعَجَّبَ وَلاَ يَذْكُرَ اسْمَهُ، فَيُسَهِّل الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ ذِكْرَ اسْمِهِ فِي إِظْهَارِ تَعَجُّبِهِ، فَصَارَ بِهِ مُغْتَابًا وَآثِمًا مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي.
الثَّانِي: الرَّحْمَةُ، وَهُوَ أَنْ يَغْتَمَّ بِسَبَبِ
مَا يُبْتَلَى بِهِ غَيْرُهُ، فَيَقُول: مِسْكِينٌ فُلاَنٌ قَدْ غَمَّنِي أَمْرُهُ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُغْتَابًا، فَيَكُونُ غَمُّهُ وَرَحْمَتُهُ خَيْرًا وَكَذَا تَعَجُّبُهُ، وَلَكِنْ سَاقَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى شَرٍّ مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي، وَهُوَ ذِكْرُ اسْمِهِ لِيُبْطِل بِهِ ثَوَابَ اغْتِمَامِهِ وَتَرَحُّمِهِ.
الثَّالِثُ: الْغَضَبُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ قَدْ يَغْضَبُ عَلَى مُنْكَرٍ قَارَفَهُ إِنْسَانٌ إِذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، فَيُظْهِرُ غَضَبَهُ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ عَلَيْهِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلاَ يُظْهِرُهُ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ يَسْتُرَ اسْمَهُ وَلاَ يَذْكُرَهُ بِالسُّوءِ.
فَهَذِهِ الثَّلاَثَةُ مِمَّا يَغْمُضُ دَرْكُهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنِ الْعَوَّامِ. فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ التَّعَجُّبَ وَالرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ إِذَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ عُذْرًا فِي ذِكْرِ الاِسْمِ وَهُوَ خَطَأٌ. بَل الْمُرَخَّصُ فِي الْغَيْبَةِ حَاجَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لاَ تُرَخِّصُ الْغِيبَةَ فِي سِوَاهَا، (١) فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلاَم، فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ قَال رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَُبْغِضُ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَال أَهْل الْمَجْلِسِ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْت، أَمَّا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ، قُمْ يَا فُلاَنُ - رَجُلًا مِنْهُمْ -
_________
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٤٣ - ١٤٥ ط الحلبي، ومختصر منهاج القاصدين ١٧١ / ١٧٢ نشر مكتبة دار البيان.
فَأَخْبِرْهُ، قَال: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَال، فَانْصَرَفَ الرَّجُل حَتَّى أَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَرَرْت بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلاَنٌ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ، فَلَمَّا جَاوَزْتهمْ أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلاَنًا قَال: وَاللَّهِ إِنِّي لأَُبْغِضُ هَذَا الرَّجُل فِي اللَّهِ، فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلَى مَا يُبْغِضُنِي؟ فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُل فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ، وَقَال: قَدْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَلِمَ تَبْغُضُهُ؟ قَال: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْته يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَال الرَّجُل: سَلْهُ يَا رَسُول اللَّهِ هَل رَآنِي قَطُّ أَخَّرْتهَا عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ أَسَأْت الْوُضُوءَ لَهَا، أَوْ أَسَأْت الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهَا؟ فَسَأَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ، ثُمَّ قَال: وَاللَّهِ مَا رَأَيْته يَصُومُ قَطُّ إِلاَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي يَصُومُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ. قَال: فَسَلْهُ يَا رَسُول اللَّهِ، هَل رَآنِي قَطُّ أَفْطَرْت فِيهِ أَوِ انْتَقَصْت مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا؟ فَسَأَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَال: لاَ، ثُمَّ قَال: وَاللَّهِ مَا رَأَيْته يُعْطِي سَائِلًا قَطُّ، وَلاَ رَأَيْته يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فِي شَيْءٍ مِنْ سَبِيل اللَّهِ بِخَيْرٍ، إِلاَّ