الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ، فَإِنَّهُ فِيمَا دُونَهَا يَسْهُل إِحْضَارُهُ وَمُرَاجَعَتُهُ، وَنُقِل عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْقَاضِيَ يَفْرِضُ نَفَقَةَ عُرْسِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ سَوَاءٌ أَكَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ أَمْ لاَ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ عَنْ الْحَمَوِيِّ عَلَى الأَْشْبَاهِ، حَتَّى لَوْ ذَهَبَ إِلَى الْقَرْيَةِ وَتَرَكَهَا فِي الْبَلَدِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ زَوْجِهَا عِنْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَقْبَل الَّذِي أَرَادَ الْغَيْبَةَ فِيهِ قَبْل سَفَرِهِ لِمُدَّةِ غِيَابِهِ عَنْهَا، أَوْ يُقِيمُ لَهَا كَفِيلًا يَدْفَعُهَا لَهَا، وَإِذَا سَافَرَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَدْفَعْ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَل وَلَمْ يُقِمْ لَهَا كَفِيلًا بِهَا، وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ وَطَلَبَتْ نَفَقَتَهَا فَرَضَ الْحَاكِمُ لَهَا النَّفَقَةَ فِي مَال الزَّوْجِ الْغَائِبِ. وَلَوْ وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، وَكَذَا فِي دَيْنِهِ الثَّابِتِ عَلَى مَدِينِهِ، وَبِيعَتْ دَارُهُ فِي نَفَقَتِهَا بَعْدَ حَلِفِهَا بِاسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِي مَال زَوْجِهَا الْغَائِبِ. (٢)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ مُوجِبَ النَّفَقَةِ التَّمْكِينُ، وَيَحْصُل بِالْفِعْل أَوْ أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَهَا، وَتُخْبِرَهُ: أَنِّي مُسَلِّمَةٌ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٦٥، والبدائع ٤ / ٢٦، والزيلعي ٣ / ٥٩.
(٢) الشرح الصغير للدردير ٢ / ٧٤٧، وجواهر الإكليل ١ / ٤٠٦.
نَفْسِي إِلَيْك، فَلَوْ غَابَ عَنْ بَلَدِهَا قَبْل عَرْضِهَا إِلَيْهِ وَرَفَعَتِ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ مُظْهِرَةً لَهُ التَّسْلِيمَ، كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ الْحَال فَيَجِيءُ الزَّوْجُ لَهَا يَتَسَلَّمُهَا أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَجِيءُ يُسَلِّمُهَا لَهُ أَوْ يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل شَيْئًا مِنَ الأَْمْرَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ الْمَجِيءِ أَوِ التَّوْكِيل، وَمَضَى زَمَنُ إِمْكَانِ وُصُولِهِ لَهَا، فَرَضَ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ مِنْ حِينِ إِمْكَانِ وُصُولِهِ، وَجُعِل كَالْمُتَسَلِّمِ لَهَا؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلاَ يُفْرَضُ عَلَيْهِ شَيْئًا لأَِنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا عُلِمَ مَكَانُ الزَّوْجِ، فَإِنْ جُهِل ذَلِكَ كَتَبَ الْحَاكِمُ إِلَى الْحُكَّامِ الَّذِينَ تَرِدُ عَلَيْهِمُ الْقَوَافِل مِنْ بَلَدِهِ عَادَةً لِيُنَادِيَ بِاسْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَعْطَاهَا الْقَاضِي نَفَقَتَهَا مِنْ مَالِهِ الْحَاضِرِ، وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا بِمَا يَصْرِفُ لَهَا؛ لاِحْتِمَال مَوْتِهِ أَوْ طَلاَقِهِ، أَمَّا إِذَا غَابَ بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ تَسَلُّمِهَا فَإِنَّ النَّفَقَةَ تُقَرَّرُ عَلَيْهِ، وَلاَ تَسْقُطُ بِغَيْبَتِهِ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ غَابَ الزَّوْجُ مُدَّةً وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَرَضَهَا حَاكِمٌ أَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٤٣٦.
﵄ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا (١) قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ ﵁؛ وَلأَِنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعِوَضِ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، وَقَال: هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَلاَ يَزُول مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إِلاَّ بِمِثْلِهَا، وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ، وَإِذَا أَنْفَقَتِ الزَّوْجَةُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ مَالِهِ فَبَانَ الزَّوْجُ مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ، لأَِنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ ارْتَفَعَ بِمَوْتِ الزَّوْجِ، فَلاَ تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنَ النَّفَقَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ فَارَقَهَا الزَّوْجُ بَائِنًا فِي غَيْبَتِهِ فَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ. (٢)
التَّوْكِيل أَثْنَاءَ الْغَيْبَةِ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ تَوْكِيل الْغَائِبِ غَيْرَهُ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَمْلِكُ الْمُوَكِّل إِبْرَامَهَا، كَمَا أَجَازُوا الْوَكَالَةَ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِيفَائِهَا
_________
(١) أثر عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد. أخرجه الشافعي في مسنده (٢ / ٦٥ - ترتيبه) وعنه البيهقي في السن (٧ / ٤٦٩) .
(٢) كشاف القناع ٥ / ٤٦٩، ٤٧٠.
وَاسْتِيفَائِهَا؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَالشَّخْصُ قَدْ لاَ يُحْسِنُ الْمُعَامَلَةَ أَوْ لاَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى السُّوقِ، أَوْ لاَ يَتَفَرَّغُ لِلْقِيَامِ بِالْعَمَل بِنَفْسِهِ.
٦ - وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْكِيل الْغَائِبِ غَيْرَهُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيل بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ مِنَ الْغَائِبِ، وَكَذَا فِي الْقِصَاصِ؛ لأَِنَّ خُصُومَةَ الْوَكِيل تَقُومُ مَقَامَ خُصُومَةِ الْمُوَكِّل. (١)
وَقَال أَبُو يُوسُفَ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لأَِنَّهَا نِيَابَةٌ، فَيُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. (٢)
٧ - وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِوَاسِطَةِ الْوَكِيل:
فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاءِ حَقٍّ لآِدَمِيٍّ أَوْ لِلَّهِ، كَقَوَدٍ وَحَدِّ زِنًا وَشُرْبٍ - وَلَوْ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل - كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْخُصُومَاتِ، قَال
_________
(١) حاشية الزرقاني ٨ / ٢١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٥، وفتح القدير ٤ / ١٩٧، وحاشية الجمل ٣ / ٤٠٤، والمغني لابن قدامة ٥ / ٨٩.
(٢) الاختيار ٢ / ١٥٧، وحاشية الجمل ٣ / ٤٠٤.
ابْنُ قُدَامَةَ: كُل مَا جَازَ التَّوْكِيل فِيهِ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّل وَغَيْبَتِهِ، كَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَاحْتِمَال الْعَفْوِ بَعِيدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ عَفَا لَبَعَثَ وَأَعْلَمَ وَكِيلَهُ بِعَفْوِهِ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ فَلاَ يُؤَثِّرُ، أَلاَ تَرَى أَنَّ قُضَاةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَحْكُمُونَ فِي الْبِلاَدِ وَيُقِيمُونَ الْحُدُودَ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ مَعَ احْتِمَال النَّسْخِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ إِلاَّ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّل، لأَِنَّهَا عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَوِ اسْتَوْفَاهُ الْوَكِيل مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّل كَانَ مَعَ احْتِمَال أَنَّهُ عَفَا، أَوْ أَنَّ الْمَقْذُوفَ قَدْ صَدَّقَ الْقَاذِفَ أَوْ أَكْذَب شُهُودَهُ فَلاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ. (٢)
وَلِتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (وَكَالَةٍ) .
غَيْبَةُ الشَّفِيعِ:
٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ غَيْبَةَ مُسْتَحِقِّ الشُّفْعَةِ لاَ تُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْمُطَالَبَةِ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٢٥، وحاشية الجمل ٣ / ٤٠٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢١، والمغني لابن قدامة ٥ / ٨٨، ٨٩.
(٢) فتح القدير ٤ / ١٩٧، والمراجع السابقة.
بِالشُّفْعَةِ.
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ مَا يَعْلَمُ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ. (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا (٢)
٩ - وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ حَالاَتٍ، مِنْهَا: إِذَا كَانَ مُسْتَحِقُّ الشُّفْعَةِ غَائِبًا: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا يَقْضِي بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ فِي الْجَمِيعِ، وَلاَ يَنْتَظِرُ لِحُضُورِ الْغَائِبِ لاِحْتِمَال عَدَمِ طَلَبِهِ فَلاَ يُؤَخِّرُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا فَطَلَبَ الْحَاضِرُ، يَقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا، ثُمَّ إِذَا حَضَرَ وَطَلَبَ قُضِيَ لَهُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مِثْل الأَْوَّل كَأَنْ كَانَا شَرِيكَيْنِ أَوْ جَارَيْنِ قُضِيَ لَهُ بِنِصْفِهِ، وَلَوْ كَانَ الْغَائِبُ فَوْقَهُ كَأَنْ يَكُونَ الأَْوَّل جَارًا وَالثَّانِي شَرِيكًا فَيَقْضِي لِلْغَائِبِ الَّذِي حَضَرَ بِالْكُل، وَتَبْطُل شُفْعَةُ الأَْوَّل. (٣) وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، كَأَنْ كَانَ الأَْوَّل شَرِيكًا وَالَّذِي حَضَرَ جَارًا مَنَعَهُ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ تَثْبُتُ
_________
(١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٧، وكشاف القناع ٤ / ١٤٠.
(٢) حديث: " الشفعة لمن واثبها ". قال ابن حجر في الدراية (٢ / ٢٠٣): لم أجده، وإنما ذكره عبد الرزاق من قول شريح، وكذا ذكره قاسم بن ثابت في أواخر غريب الحديث، وفي المعنى ما أخرجه ابن ماجه والبزار وابن عدي من حديث ابن عمر رفعه: " الشفعة كحل العقال "، وإسناد
(٣) حاشية رد المحتار مع الدر المختار ٥ / ١٤١.
عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ عَدَمِ الشَّرِيكِ. (١) وَقَال الأَْبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَخَذَ الْحَاضِرُ جَمِيعَ مَا يَشْفَعُ فِيهِ هُوَ وَشَرِيكُهُ الْغَائِبُ. ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَلِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ مِنَ الشُّفَعَاءِ حِصَّتُهُ مِنَ الْمَشْفُوعِ فِيهِ مِنَ الْحَاضِرِ إِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعُهْدَةِ، أَيْ ضَمَانِ ثَمَنِ حِصَّةِ مَنْ حَضَرَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ إِنْ ظَهَرَ فِيهَا عَيْبٌ أَوِ اسْتُحِقَّتْ:
فَفِي رَأْيٍ أَنَّ الْعُهْدَةَ عَلَى الشَّفِيعِ الَّذِي حَضَرَ ابْتِدَاءً وَأَخَذَ الْجَمِيعَ؛ لأَِنَّ الَّذِي حَضَرَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ إِنَّمَا أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْهُ لاَ مِنَ الْمُشْتَرِي؛ وَلأَِنَّ الَّذِي حَضَرَ لَوْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ فَلاَ تَرْجِعُ لِلْمُشْتَرِي، بَل تَبْقَى لِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَهُوَ الْحَاضِرُ ابْتِدَاءً.
وَفِي رَأْيٍ آخَرَ: الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ؛ لأَِنَّ الشَّفِيعَ الأَْوَّل إِنَّمَا أَخَذَ مِنَ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْغَائِبِ نِيَابَةً عَنْهُ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْمُشْتَرِي غَيْبَةً حَائِلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُبَاشَرَةِ الطَّلَبِ، فَلْيُوَكِّل فِي طَلَبِهَا إِنْ قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيل فِيهِ، لأَِنَّهُ الْمُمْكِنُ،
_________
(١) نفس المرجع.
(٢) جواهر الإكليل ٣ / ١٦٢.
وَيُعْذَرُ الْغَائِبُ فِي تَأْخِيرِ الْحُضُورِ، وَإِلاَّ بِأَنْ عَجَزَ عَنِ التَّوْكِيل فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ لَهَا عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلًا وَامْرَأَتَيْنِ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا بَطَل حَقُّهُ فِي الأَْظْهَرِ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا فَحَضَرَ عِنْدَ قَاضِي بَلَدِ الْغَيْبَةِ، وَأَثْبُت الشُّفْعَةَ، وَحَكَمَ لَهُ بِهَا، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى بَلَدِ الْبَيْعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لاَ تَبْطُل لأَِنَّهَا تَقَرَّرَتْ بِحُكْمِ الْقَاضِي. (١)
وَمِثْلُهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَسْأَلَةَ التَّوْكِيل إِلاَّ فِي قِيَامِ الْعُذْرِ بِهِ. (٢)
كَفَالَةُ النَّفْسِ فِي غَيْبَةِ الْمَكْفُول:
١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَلَوْ كَانَ الْمَكْفُول بِهِ غَائِبًا. فَإِذَا قَال: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلاَنٍ أَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ أَوْ بِوَجْهِهِ كَانَ كَفِيلًا بِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٠٧، ٣٠٨.
(٢) كشاف القناع ٤ / ١٤٣.
(٣) سورة يوسف / ٦٦.
وَهَذَا أَيْضًا قَوْل شُرَيْحٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. (١)
وَحُكْمُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ هُوَ وُجُوبُ إِحْضَارِ الْمَكْفُول بِهِ لأَِيِّ وَقْتٍ كَانَ قَدْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ، فَيَلْزَمُ إِحْضَارُهُ عَلَى الْكَفِيل بِطَلَبِ الْمَكْفُول لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ. وَأَضَافُوا: فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَبِهَا وَإِلاَّ يُجْبَرْ عَلَى إِحْضَارِهِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَالَةٍ) .
الْقَضَاءُ عَلَى شَخْصٍ فِي غَيْبَتِهِ:
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِهِ بِشُرُوطٍ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٍ) .
نَصْبُ الْوَكِيل عَنْ شَخْصٍ فِي غَيْبَتِهِ:
١٢ - إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْحُضُورِ وَإِرْسَال وَكِيلٍ إِلَى الْمَحْكَمَةِ فَهَل يُنْصَبُ لَهُ وَكِيلٌ مُسَخَّرٌ يُنْكِرُ عَلَى الْغَائِبِ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ دُونَ نَصْبِ الْمُسَخَّرِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٦١٤.
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (٦٤٢) والدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٣٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٣ وما بعدها.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْحُضُورِ وَإِرْسَال وَكِيلٍ إِلَى الْمَحْكَمَةِ بَعْد دَعْوَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، يُحْضَرُ إِلَيْهَا جَبْرًا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِحْضَارُهُ يُدْعَى إِلَى الْمَحْكَمَةِ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي أَيَّامٍ مُتَفَاوِتَةٍ. فَإِنْ أَبَى الْمَجِيءَ أَفْهَمَهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّهُ سَيَنْصِبُ لَهُ وَكِيلًا وَيَسْمَعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَبَيِّنَتَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْحُضُورِ وَإِرْسَال وَكِيلٍ نَصَبَ الْحَاكِمُ لَهُ وَكِيلًا يُحَافِظُ عَلَى حُقُوقِهِ، وَسَمِعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ فِي مُوَاجَهَتِهِ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبَلِّغُ الْحُكْمَ الْغِيَابِيَّ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غِيَابًا إِلَى الْمَحْكَمَةِ وَتَشَبَّثَ بِدَعْوَى صَالِحَةٍ لِدَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَتُفَصَّل عَلَى الْوَجْهِ الْمُوجِبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِدَفْعِ الدَّعْوَى، أَوْ تَشَبَّثَ وَلَمْ يَكُنْ تَشَبُّثُهُ صَالِحًا لِلدَّفْعِ يَنْفُذُ الْحُكْمُ الْوَاقِعُ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسَخَّرِ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْقَاضِي الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَتِ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةِ مَعَ الأَْمْنِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٨٣٣، ١٨٣٤، ١٨٣٥) والدر المختار ٤ / ٣٣٩.