الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 64

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، إِذِ الْخُمُسُ عِنْدَهُمْ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ كَالزَّكَاةِ، فَلاَ مَجَال لِتَخْمِيسِ مَا يَأْخُذُهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ وَلَوْ قَاتَل (١) .

انْفِرَادُ أَهْل الرَّضْخِ بِغَزْوَةٍ.

٣٧ - إِذَا انْفَرَدَ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِغَزْوَةٍ وَغَنِمُوا، أَخَذَ الإِْمَامُ خُمُسَهُ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ كَمَا يُقْسَمُ الرَّضْخُ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْيُ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ عَلَى أَصَحِّ الأَْوْجُهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الاِحْتِمَالَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَطْلَقَهَا ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ (٢) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ احْتِمَالٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ كَالْغَنِيمَةِ: لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِل سَهْمٌ؛ لأَِنَّهُمْ تَسَاوَوْا فَأَشْبَهُوا الرِّجَال الأَْحْرَارَ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْهُ، وَيُجْعَل الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَال.

_________

(١) شرح السير الكبير ٢ / ٦٨٧ - ٦٨٨، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٢، وحاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٢ / ٢٩٨ - ٢٩٩.

(٢) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١، وكشاف القناع ٣ / ٨٧، ٨٨، والمغني ٨ / ٤١٣.

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١، والمغني ٨ / ٤١٣.

وَخَصَّصَ الْبَغَوِيّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا الْخِلاَفَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَقَطَعَ فِي الْعَبِيدِ بِكَوْنِهِ لِسَادَتِهِمْ (١) .

أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الرَّضْخِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْل الْكَمَال:

فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُرْضَخُ لَهُمْ، وَالْبَاقِي لِذَلِكَ الْوَاحِدِ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: أُعْطِيَ هَذَا الرَّجُل الْحُرُّ سَهْمًا، وَفُضِّل عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَفْضُل الأَْحْرَارُ عَلَى الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ بَقِيَ عَلَى مَا يَرَاهُ الإِْمَامُ مِنَ التَّفْضِيل؛ لأَِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَهُ سَهْمٌ (٣) .

جَوَازُ بَيْعِ الْغَازِي شَيْئًا مِنْ مَال دَارِ الْحَرْبِ:

٣٨ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ رَجُلٌ مِنْ أَهْل الْعَسْكَرِ مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَبَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ الأَْمِيرُ بِهِ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَرَأَى الإِْمَامُ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الثَّمَنَ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّ أَهْل الْعَسْكَرِ كَانُوا شُرَكَاءَهُ فِيمَا بَاعَ قَبْل الْبَيْعِ. فَيَكُونُ لَهُمُ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا.

_________

(١) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١.

(٢) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١.

(٣) المغني ٨ / ٤١٣.

وَلَوْ كَانَ احْتَشَّ حَشِيشًا وَبَاعَهُ جَازَ ذَلِكَ. وَكَانَ الثَّمَنُ طَيِّبًا لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ فَيَبِيعُهُ؛ لأَِنَّ الْحَشِيشَ وَالْمَاءَ مُبَاحٌ لَيْسَ مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ، فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِهِ كَانَ هُوَ الْمُنْفَرِدَ بِإِحْرَازِهِ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَطَعَ خَشَبًا أَوْ حَطَبًا فَبَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ، فَإِنَّ الأَْمِيرَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْهُ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، لأَِنَّ الْحَطَبَ وَالْخَشَبَ مَالٌ مَمْلُوكٌ، فَيَكُونُ كَسَائِرِ الأَْمْوَال (١) .

اسْتِيلاَءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ:

٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اسْتِيلاَءِ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ، هَل يَمْلِكُونَهَا فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ أَمْ لاَ؟ عَلَى أَقْوَالٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيلاَءٍ ف ١٥) .

غَوْثٌ

انْظُرْ: اسْتِغَاثَةٌ.

_________

(١) شرح السير الكبير ٤ / ١١٧٤.

غَيْبَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَيْبَةُ - بِالْفَتْحِ - مَصْدَرُ غَابَ. وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الْبُعْدُ، يُقَال: غَابَ الشَّيْءُ يَغِيبُ غَيْبًا وَغَيْبَةً وَغِيَابًا أَيْ بَعُدَ، وَتُسْتَعْمَل بِمَعْنَى التَّوَارِي. يُقَال: غَابَتِ الشَّمْسُ إِذَا تَوَارَتْ عَنِ الْعَيْنِ.

وَالْغِيبَةُ - بِالْكَسْرِ - ذِكْرُ شَخْصٍ بِمَا يَكْرَهُ مِنَ الْعُيُوبِ وَهُوَ حَقٌّ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَيْبَةِ:

غَيْبَةُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ:

٢ - لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا - وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (٢) .

_________

(١) المصباح المنير، لسان العرب، والمفردات للراغب الأصفهاني.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٩٦، ٢٩٧، والشرح الصغير للدردير ٢ / ٢٥٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٧، وكشاف القناع ٥ / ٤٩، والمغني ٦ / ٤٤٨.

وَيُرَاعَى فِي النِّكَاحِ وِلاَيَةُ الأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا غَابَ الأَْقْرَبُ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً جَازَ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَ دُونَ السُّلْطَانِ. لِقَوْلِهِ ﷺ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ (١)، وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ، كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ وِلاَيَةٌ نَظَرِيَّةٌ. وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إِلَى مَنْ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ؛ لأَِنَّ التَّفْوِيضَ إِلَى الأَْقْرَبِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ أَقْرَب، بَل لأَِنَّ فِي الأَْقْرَبِيَّةِ زِيَادَةَ مَظِنَّةٍ لِلْحِكْمَةِ، وَهِيَ الشَّفَقَةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى زِيَادَةِ إِتْقَانِ الرَّأْيِ لِلْمُوَلِّيَةِ. فَحَيْثُ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ أَصْلًا سُلِبَتْ إِلَى الأَْبْعَدِ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ، فَإِذَا غَابَ الأَْبُ مَثَلًا زَوَّجَهَا الْجَدُّ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ، كَمَا إِذَا مَاتَ الأَْقْرَبُ (٢) .

وَقَال زُفَرُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الأَْبْعَدُ فِي غِيَابِ الأَْقْرَبِ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْقْرَبِ قَائِمَةٌ؛ لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ حَقًّا لَهُ صِيَانَةً لِلْقَرَابَةِ، فَلاَ تَبْطُل بِغَيْبَتِهِ.

_________

(١) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٩٩) من حديث عائشة وقال: حديث حسن.

(٢) الهداية مع الفتح ٢ / ٤١٥، كشاف القناع ٥ / ٥٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٥٧.

وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لاَ تَصِل إِلَيْهَا الْقَوَافِل فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ، وَقِيل: أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ نِهَايَةَ لأَِقْصَاهُ، وَقِيل: إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَفُوتُ الْخَاطِبُ الْكُفْءُ بِاسْتِطْلاَعِ رَأْيِ الْوَلِيِّ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُنْقَطِعَةَ هِيَ مَا لاَ تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، قَال الْبُهُوتِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُوَفَّقِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ. فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلاَ تَوْقِيفَ، وَتَكُونُ الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لأَِنَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (٢) .

وَقَالُوا: إِنْ كَانَ الأَْقْرَبُ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لاَ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ فَزَوَّجَ الأَْبْعَدُ صَحَّ، لأَِنَّهُ صَارَ كَالْبَعِيدِ، كَمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الأَْقْرَبُ غَائِبًا لاَ يُعْلَمُ مَحَلُّهُ أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ؟ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ (٣) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ الأَْقْرَبَ إِذَا كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ ابْنَةَ الْغَائِبِ الْمُجْبَرَةِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا فِي

_________

(١) فتح القدير مع الهداية ٢ / ٤١٦.

(٢) كشاف القناع ٥ / ٥٥.

(٣) نفس المرجع.

غَيْبَةٍ قَرِيبَةٍ، لاَ لِلْحَاكِمِ وَلاَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ وَبِدُونِ تَفْوِيضِهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا: يُفْسَخُ النِّكَاحُ أَبَدًا إِذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُجْبِرُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَلَوْ وَلَدَتِ الأَْوْلاَدَ (١) .

وَهَذَا - أَيْ تَحَتُّمُ الْفَسْخِ - إِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ جَارِيَةً عَلَيْهَا. وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا الْفَسَادَ، وَكَانَتِ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ إِضْرَارُهُ بِهَا بِغَيْبَتِهِ بِأَنْ قَصَدَ تَرْكَهَا مِنْ غَيْرِ زَوَاجٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ تَزَوُّجَهَا أَوْ تُوَكِّل وَكِيلًا يُزَوِّجُهَا، وَإِلاَّ زَوَّجْنَاهَا عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَلاَ فَسْخَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَالِغَةً أَوْ لاَ (٢) .

وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَسَافَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ذَهَابًا، وَحَدُّ الْبَعِيدَةِ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ.

أَمَّا الْغَيْبَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ، ثُمَّ قَال: وَيَبْقَى الْكَلاَمُ فِي النِّصْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ، وَيُلْحَقُ بِالْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٢٩.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٢٩.

فَيُفْسَخُ (١) .

وَهَذَا كُلُّهُ فِي غِيَابِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ. أَمَّا غَيْبَةُ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ الأَْقْرَبِ، فَحَدُّهَا الثَّلاَثُ فَمَا فَوْقَهَا، فَإِذَا غَابَ غَيْبَةً مَسَافَتُهَا مِنْ بَلَدِ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا، وَدَعَتْ لِكُفْءٍ. وَأَثْبَتَتْ مَا تَدَّعِيهِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَالْمَسَافَةِ وَالْكَفَاءَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لاَ الأَْبْعَدُ، فَلَوْ زَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْبْعَدُ صَحَّ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ نَسَبًا أَوْ وَلاَءً إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلاَ وَكِيل لَهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، زَوَّجَ سُلْطَانُ بَلَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ نَائِبُهُ، لاَ سُلْطَانُ غَيْرِ بَلَدِهَا، وَلاَ الأَْبْعَدُ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْغَائِبَ وَلِيٌّ، وَالتَّزْوِيجُ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمُ، وَقِيل: يُزَوِّجُ الأَْبْعَدُ كَالْجُنُونِ. قَال الشَّيْخَانِ: وَالأَْوْلَى لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلأَْبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَ، أَوْ يَسْتَأْذِنَهُ فَيُزَوِّجَ الْقَاضِي لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ. أَمَّا فِيمَا دُونَ الْمَرْحَلَتَيْنِ فَلاَ يُزَوِّجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ فِي الأَْصَحِّ؛ لِقِصَرِ الْمَسَافَةِ، فَيُرَاجَعُ لِيَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّل كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: يُزَوِّجُ؛ لِئَلاَّ تَتَضَرَّرَ بِفَوَاتِ الْكُفْءِ الرَّاغِبِ كَالْمَسَافَةِ

_________

(١) نفس المرجع.

(٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٢ / ٢٣٠.

الطَّوِيلَةِ، وَعَلَى الْقَوْل الأَْوَّل لَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُول إِلَيْهِ لِفِتْنَةٍ أَوْ خَوْفٍ جَازَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِغَيْبَةِ وَلِيِّهَا ثُمَّ قَدِمَ وَقَال: كُنْتُ زَوَّجْتُهَا فِي الْغَيْبَةِ، قُدِّمَ نِكَاحُ الْحَاكِمِ (١) .

التَّفْرِيقُ لِغَيْبَةِ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ:

٣ - غَيْبَةُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ لاَ تَخْلُو عَنْ حَالَيْنِ.

الأُْولَى: أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً قَصِيرَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ بِحَيْثُ يُعْرَفُ خَبَرُهُ وَيَأْتِي كِتَابُهُ. فَهَذَا لَيْسَ لاِمْرَأَتِهِ أَنْ تَطْلُبَ التَّفْرِيقَ إِذَا لَمْ يَتَعَذَّرِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَال الزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

الثَّانِيَةُ: الْغَيْبَةُ الطَّوِيلَةُ الَّتِي يَنْقَطِعُ فِيهَا خَبَرُهُ، بِأَنْ لَمْ يُدْرَ مَوْضِعُهُ وَحَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْغَيْبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ أَوْ يَمْضِيَ مِنَ الزَّمَنِ مَا لاَ يَعِيشُ إِلَى مِثْلِهِ

_________

(١) المنهاج مع شرحه مغني المحتاج ٣ / ١٥٧.

غَالِبًا (١) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَسَّمُوا حَالاَتِ الْغَيْبَةِ إِلَى أَقْسَامٍ وَبَيَّنُوا لِكُل قِسْمٍ حُكْمَهُ.

وَالتَّفْصِيل فِي: (طَلاَقٍ ف ٨٧ وَمَا بَعْدَهَا، وَمَفْقُودٍ)

أَثَرُ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ:

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْضِ الْقَاضِي لِزَوْجَةِ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ أَوْ عَدَمِ فَرْضِهَا، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

فَفِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ لأَِبِي حَنِيفَةَ.

الأَْوَّل: لِلْقَاضِي فَرْضُ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَتْهَا، وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، هَذَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ عِنْدَ آخَرَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْمَال وَالزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الأَْمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِهَا؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ لاَ تُقَامُ عَلَى غَائِبٍ. وَأَجَازَ زُفَرُ ذَلِكَ.

وَقَيَّدَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الْغِيَابَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِفَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ بِمَا إِذَا كَانَ مُدَّةَ سَفَرٍ، أَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قَال

_________

(١) الهداية مع فتح القدير ٥ / ٣٧٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧، ٣٩٧.