الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

الْوَقْعَةِ

وَإِنْ دَخَل دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا. ثُمَّ حَضَرَ الْوَقْعَةَ رَاجِلًا حَتَّى فَرَغَتِ الْحَرْبُ لِمَوْتِ فَرَسِهِ أَوْ شُرُودِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ وَلَوْ صَارَ فَارِسًا بَعْدَ الْوَقْعَةِ، اعْتِبَارًا بِحَال شُهُودِهَا (١) .

الرَّضْخُ مِنْ الْغَنِيمَةِ:

٢٧ - الرَّضْخُ دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِْمَامُ فِي قَدْرِهِ (٢) وَلاَ يَبْلُغُ بِرَضْخِ الرَّجُل سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلاَ الْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ، لأَِنَّ السَّهْمَ أَكْمَل مِنَ الرَّضْخِ، فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ إِلَيْهِ، كَمَا لاَ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ (٣) .

أَصْحَابُ الرَّضْخِ:

٢٨ - الأَْصْل أَنَّ مَنْ يَلْزَمُهُ الْقِتَال وَشَارَكَ فِيهِ يُسْهَمُ لَهُ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنَّ مَنْ لاَ يَلْزَمُهُ الْقِتَال فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ لاَ يُسْهَمُ لَهُ إِلاَّ أَنَّهُ يَرْضَخُ لَهُ حَسَبَ مَا يَرَاهُ الإِْمَامُ تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَال، مَعَ إِظْهَارِ انْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ (٤) .

وَأَصْحَابُ الرَّضْخِ مَنْ يَلِي:

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٨٩.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٣٥، والشرح الصغير ٢ / ٢٩٩، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٨٧.

(٤) الاختيار لتعليل المختار ٤ / ١٣٠، ١٣١، والهداية مع البناية ٥ / ٧٣١، ٧٣٣.

أ - الصَّبِيُّ:

٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُرْضَخُ وَلاَ يُسْهَمُ لَهُ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ كَانَ الصِّبْيَانُ يُحْذَوْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ إِذَا حَضَرُوا الْغَزْوَ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ (١) .

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّ الصَّبِيَّ يُسْهَمُ لَهُ إِنْ أَطَاقَ الْقِتَال وَأَجَازَهُ الإِْمَامُ وَقَاتَل بِالْفِعْل. وَإِلاَّ فَلاَ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ - وَشَهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ - أَنَّهُ لاَ يُسْهَمُ لَهُ مُطْلَقًا (٢) .

وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: يُسْهَمُ لِلصَّبِيِّ؛ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلصِّبْيَانِ بِخَيْبَرِ. (٣) وَأَسْهَمَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِكُل مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادٍ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ قَال: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي قَالَتْ: كُنْت مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَكَانَ يُسْهِمُ لأُِمَّهَاتِ الأَْوْلاَدِ لِمَا فِي بُطُونِهِنَّ (٤) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٤٣٥، والبناية ٥ / ٧٣١، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨، والمغني ٨ / ٤١٢، والقوانين الفقهية ص ١٤٨ ط دار الكتاب العربي.

(٢) الشرح الصغير ص٢٩٨ ط دار المعارف بمصر.

(٣) قول الأوزاعي: " أسهم رسول الله ﷺ للصبيان بخيبر ". أخرجه الترمذي (٤ / ١٢٦) .

(٤) المغني ٨ / ٤١٢ - ٤١٣، والبناية ٥ / ٧٣٢.

ب - الْمَرْأَةُ:

٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلْمَشْهُورِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعْطَى الرَّضْخَ وَلاَ يُسْهَمُ لَهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ الْحَرُورِيَّ سَأَل ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: هَل كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَل كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ فَأَجَابَهُ: قَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ. فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَدْ كَانَ يَرْضَخُ لَهُنَّ (١) وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْل الْقِتَال. فَلَمْ يُسْهَمْ لَهَا كَالصَّبِيِّ (٢) .

وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل يُرْضَخُ لَهُ مِثْل الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَبِنْ ذُكُورَتُهُ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ: كَمَا لاَ يُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ لاَ يُرْضَخُ لَهَا وَلَوْ قَاتَلَتْ (٤) .

_________

(١) حديث أن نجدة بن عامر الحروري سأل ابن عباس: " هل كان. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٤٤) وأبو داود (٣ / ١٧٠) والرواية الأخرى له.

(٢) البناية ٥ / ٧٣١، وابن عابدين ٣ / ٢٣٥، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٠، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨، والمغني ٨ / ٤١٠، ٤١١، والقوانين الفقهية ص١٤٨.

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ١٤٨، وكشاف القناع ٣ / ٧٨.

(٤) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٩٨ - ٢٩٩.

وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: يُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ لِمَا رَوَى حَشْرَجُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا حَضَرَتْ فَتْحَ خَيْبَرَ قَالَتْ. فَأَسْهَمَ لَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَال (١)

وَأَسْهَمَ أَبُو مُوسَى فِي غَزْوَةِ تَسْتُرَ لِنِسْوَةٍ مَعَهُ، وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَسْهَمْنَ النِّسَاءَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ (٢) .

ح - الْعَبْدُ.

٣١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ، إِلَى أَنَّ الْعَبِيدَ لاَ يُسْهَمُ لَهُمْ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ حَسَبَ مَا يَرَاهُ الإِْمَامُ إِذَا قَاتَلُوا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٣) "، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَال: شَهِدْت خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمُوهُ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ

_________

(١) حديث حشرج بن زياد عن جدته " أنها حضرت غزوة خيبر. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٧٠، ١٧١) وضعف إسناده الخطابي في معالم السنن (٢ / ٣٠٧) .

(٢) البناية ٥ / ٧٣٢، والمغني ٨ / ٤١١.

(٣) البناية ٥ / ٧٣١، وبدائع الصنائع ٧ / ١٢٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨، والمغني ٨ / ٤١٠، وشرح الزركشي ٦ / ٤٩٥، والقوانين الفقهية ص١٤٨.

خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ (١)

وَلاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لإِعْطَاءِ الرَّضْخِ لِلْعَبْدِ إِذْنَ السَّيِّدِ، فَيُعْطَى لَهُ الرَّضْخُ إِذَا حَضَرَ الْوَقْعَةَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدُهُ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا غَزَا الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُرْضَخْ لَهُ وَلاَ لِفَرَسِهِ لِعِصْيَانِهِ (٣) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لاَ يُرْضَخُ لِلْعَبِيدِ كَمَا لاَ يُسْهَمُ لَهُمْ (٤) .

د - الذِّمِّيُّ:

٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ يُرْضَخُ لَهُ إِذَا بَاشَرَ الْقِتَال وَلاَ يُسْهَمُ لَهُ؛ لأَِنَّ السَّهْمَ لِلْغُزَاةِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِغَازٍ، فَإِنَّ الْغَزْوَ عِبَادَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا الرَّضْخُ فَلِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الإِْعَانَةِ إِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ (٥) .

_________

(١) حديث عمير مولى آبي اللحم: " شهدت خيبر مع سادتي. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ١٢٧) وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٣٥، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٨٧.

(٤) القوانين الفقهية ص١٤٨ - ١٤٩ ط دار الكتاب العربي، وحاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٢ / ٢٩٨ - ٢٩٩، والزرقاني ٣ / ١٣٠.

(٥) ابن عابدين ٣ / ٢٣٥، والفتاوى الهندية ٢ / ٢١٤، والمبسوط ١٠ / ١٣٨، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨، والمغني ٨ / ٤١٤.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ، بَل يُعَزِّرُهُ الإِْمَامُ آنَذَاكَ، وَيُلْحَقُ بِالذِّمِّيِّ الْمُعَاهَدُ وَالْمُؤَمَّنُ وَالْحَرْبِيُّ إِنْ جَازَتِ الاِسْتِعَانَةُ بِهِمْ. وَأَذِنَ الإِْمَامُ لَهُمْ (١) .

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: لَوْ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ قَوْمٌ مُسْتَأْمَنُونَ، فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِإِذْنِ الإِْمَامِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْل الذِّمَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ وَاسْتِحْقَاقِ النَّفَل إِذَا قَاتَلُوا، وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ فَلاَ شَيْءَ لَهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ مِنَ السَّلَبِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، بَل ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، قَال الْخَصَّافُ: لأَِنَّ هَذَا الاِسْتِحْقَاقَ مِنَ الْمَرَافِقِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْل دَارِنَا، فَلاَ يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل دَارِنَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ اسْتَعَانَ بِهِمْ. فَبِاسْتِعَانَتِهِ بِهِمْ يُلْحَقُونَ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْل دَارِنَا حُكْمًا (٢) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ كَمَا لاَ يُسْهَمُ لِلذِّمِّيِّ لاَ يُرْضَخُ لَهُ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُسْهَمُ لَهُ إِذَا غَزَا مَعَ الإِْمَامِ بِإِذْنِهِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ

_________

(١) روضة الطالبين ٦ / ٣٧٠، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٨.

(٢) شرح السير الكبير ٢ / ٦٨٧.

(٣) حاشية الصاوي مع الشرح الكبير ٢ / ٢٩٨، ٢٩٩.

وَإِسْحَاقُ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فِي حَرْبِهِ. فَأَسْهَمَ لَهُمْ. (٢)

وَلاَ يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ السَّهْمَ إِلاَّ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا دَل، فَيُزَادُ عَلَى السَّهْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ كَالأُْجْرَةِ (٣) .

التَّفْضِيل وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَهْل الرَّضْخِ:

٣٣ - الرَّضْخُ مَالٌ مَوْكُولٌ تَقْدِيرُهُ لِلإِْمَامِ (٤)، فَإِنْ رَأَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَهْل الرَّضْخِ سَوَّى بَيْنَهُمْ، وَإِنْ رَأَى التَّفْضِيل بِحَسَبِ نَفْعِهِمْ فَضَّل (٥)، قَال النَّوَوِيُّ: يُفَاوِتُ الإِْمَامُ بَيْنَ أَهْل الرَّضْخِ بِحَسَبِ نَفْعِهِمْ. فَيُرَجَّحُ الْمُقَاتِل " وَمَنْ قِتَالُهُ أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِل، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَسْقِي الْعِطَاشَ عَلَى الَّتِي تَحْفَظُ الرِّحَال، بِخِلاَفِ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ. فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُقَاتِل وَغَيْرُهُ؛ لأَِنَّهُ

_________

(١) المغني ٨ / ٤١٤، وكشاف القناع ٣ / ٨٧.

(٢) قول الزهري: " أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود. . ". أورده ابن قدامة في المغني (٨ / ٤١٤) وعزاه إلى سعيد بن منصور.

(٣) المغني ٨ / ٤١٥، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٠، وابن عابدين ٣ / ٢٣٥، وشرح السير الكبير ٣ / ٩٩٥ِ.

(٤) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٢ / ٢٩٩.

(٥) المغني ٨ / ٤١٠، وكشاف القناع ٣ / ٨٧، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٠.

مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالرَّضْخُ بِالاِجْتِهَادِ، كَدِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ (١) .

مَحَل الرَّضْخِ:

٣٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إِلَى أَنَّ مَحَل الرَّضْخِ هُوَ أَصْل الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْمُعَاوَنَةِ فِي تَحْصِيل الْغَنِيمَةِ، فَأَشْبَهَ أُجْرَةَ النَّقَّالِينَ وَالْحَافِظِينَ لَهَا (٢) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ، أَنَّ الرَّضْخَ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، فَأَشْبَهَ سِهَامَ الْغَانِمِينَ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، إِلَى أَنَّ مَحَل الرَّضْخِ هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَحَل الرَّضْخِ الْخُمُسُ كَالنَّفَل (٥) .

زَمَنُ الرَّضْخِ

٣٥ - يَجْرِي فِي زَمَنِ الرَّضْخِ الْخِلاَفُ

_________

(١) روضة الطالبين ٦ / ٣٧٠ - ٣٧١.

(٢) البناية ٥ / ٧٣٣، وابن عابدين ٣ / ٢٣٥، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧١، والمغني ٨ / ٣١٥.

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١، والمغني ٨ / ٤١٥.

(٤) روضة الطالبين ٦ / ٣٧١

(٥) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٢ / ٢٩٩

الْجَارِي فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ فِي الْغَنَائِمِ.

فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِلْكَ الْغُزَاةِ يَثْبُتُ فِي الْغَنِيمَةِ فَوْرَ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَبِالتَّالِي يَجُوزُ عِنْدَهُمْ قَسْمُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِحُجَّةِ أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالاِسْتِيلاَءِ فَصَحَّتْ قِسْمَتُهَا، كَمَا لَوْ أُحْرِزَتْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ (١) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمِلْكَ لاَ يَثْبُتُ فِي الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالاِسْتِيلاَءِ أَصْلًا، لاَ مِنْ كُل وَجْهٍ وَلاَ مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهَا عَلَى أَنْ تَصِيرَ عِلَّةً عِنْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ حَقِّ الْمِلْكِ أَوْ حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِسْتِيلاَءَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْمِلْكَ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ وَلَمْ يُوجَدْ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْكَفَرَةِ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ، وَالْمِلْكُ مَتَى ثَبَتَ لإِنْسَانٍ لاَ يَزُول إِلاَّ بِإِزَالَتِهِ، أَوْ بِخُرُوجِ الْمَحَل مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ حَقِيقَةً بِالْهَلاَكِ، أَوْ بِعَجْزِ الْمَالِكِ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ فِيمَا شُرِعَ الْمِلْكُ لَهُ. وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (٢) .

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل، إِذَا قَسَمَ الإِْمَامُ

_________

(١) المغني ٨ / ٤٢١ - ٤٢٢، والقوانين الفقهية ص ١٤٧، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٦.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٢١.

الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُجَازِفًا غَيْرَ مُجْتَهِدٍ وَلاَ مُعْتَقِدٍ جَوَازَ الْقِسْمَةِ لاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا إِذَا رَأَى الْقِسْمَةَ فَقَسَمَهَا نَفَذَتْ قِسْمَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الْبَيْعَ فَبَاعَهَا؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ أَمْضَاهُ فِي مَحَل الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ فَيَنْفُذُ (١) .

انْفِرَادُ الْكُفَّارِ بِغَزْوَةٍ:

٣٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الاِحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ مَا يُصِيبُهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ لَهُمْ مَنَعَةٌ أُخْرِجَ خُمُسُهُ، وَالْبَاقِي غَنِيمَةٌ بَيْنَهُمْ، لأَِنَّهُ غَنِيمَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَأَشْبَهَ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ إِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي السُّكْنَى حِينَ صَارُوا مِنْ أَهْل دَارِنَا، فَيَكُونُونَ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُصِيبُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَيْضًا، وَقَدْ تَمَّ الإِْحْرَازُ بِالْكُل، فَلِهَذَا يُخَمَّسُ جَمِيعُ الْمُصَابِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُخَمَّسُ مَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ (٣) .

وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُوَ لَهُمْ لاَ خُمُسَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ مُقْتَضَى

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٢١، وانظر المغني ٨ / ٤٢١.

(٢) شرح السير الكبير ٢ / ٦٨٨، والمغني ٨ / ٤١٤.

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٧٢.