الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
وَالْخِرْفَانِ بِكَذَا. فَيَجُوزُ أَخْذُهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ (١) .
السَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْغُلُول.
٢٠ - الأَْخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ حَوْزِهَا سَرِقَةٌ " وَالأَْخْذُ مِنْهَا قَبْل حَوْزِهَا غُلُولٌ (٢) .
فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَال: كَانَ عَلَى ثِقَل النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَال لَهُ كَرْكَرَةٌ، فَمَاتَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا.
(٣) وَقَدْ عُدَّ الْغُلُول كَبِيرَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِمَا غَل يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) . وَلَيْسَ مِنَ الْغُلُول أَخْذُ قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا إِذَا كَانَ الأَْمِيرُ جَائِرًا لاَ يَقْسِمُ قِسْمَةً شَرْعِيَّةً، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ (٥) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غُلُولٍ) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٩٤، ومنح الجليل ١ / ٧٤٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ٢١٣، وكشاف القناع ٣ / ٩١.
(٢) منح الجليل ١ / ٧٢٠، وفتح الباري ٦ / ١٨٧.
(٣) حديث: عبد الله بن عمرو: " كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٨٧) .
(٤) سورة آل عمران / ١٦١.
(٥) منح الجليل ١ / ٧١٩، والشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ١٧٩.
التَّنْفِيل مِنْ الْغَنِيمَةِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَال.
٢١ - لاَ خِلاَفَ أَنَّ التَّنْفِيل جَائِزٌ قَبْل الإِْصَابَةِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَال، فَإِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّحْرِيضِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ . (١) وَقَال: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَنْفِيلٍ ف ٣) .
حَقُّ الْغَائِبِ عَنْ الْقِتَال لِمَصْلَحَةٍ فِي الْغَنِيمَةِ:
٢٢ - يُعْطِي الأَْمِيرُ لِمَنْ بَعَثَهُ لِمَصْلَحَةٍ، كَرَسُولٍ وَجَاسُوسٍ وَدَلِيلٍ وَشِبْهِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا " وَلِمَنْ خَلَّفَهُ الأَْمِيرُ فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ، فَكُل هَؤُلاَءِ يُسْهِمُ لَهُمْ لأَِنَّهُمْ فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، وَهُمْ أَوْلَى بِالإِْسْهَامِ مِمَّنْ شَهِدَ وَلَمْ يُقَاتِل (٣) . وَلَوْ أَنَّ قَائِدًا فَرَّقَ جُنُودَهُ فِي وَجْهَيْنِ، فَغَنِمَتْ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ وَلَمْ تَغْنَمِ الأُْخْرَى، أَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ عَسْكَرٍ، أَوْ خَرَجَتْ هِيَ، فَغَنِمَتْ فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَغْنَمِ الْعَسْكَرُ، أَوْ غَنِمَ الْعَسْكَرُ وَلَمْ تَغْنَمِ السَّرِيَّةُ، شَرِكَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ؛ لأَِنَّهُ جَيْشٌ
_________
(١) سورة الأنفال / ٦٥.
(٢) سورة النساء / ٨٤.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٨٣، ومنح الجليل ١ / ٧٤٢.
وَاحِدٌ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِيَّةٍ ف ٦)
شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ:
٢٣ - يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:
أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّ صَحِيحًا أَيْ مِنْ أَهْل الْقِتَال، وَإِنْ كَانَ يُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي شَهِدَ ابْتِدَاءَ الْقِتَال صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ وَاسْتَمَرَّ يُقَاتِل، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ مِنَ الْقِتَال، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ فَلاَ يُسْهَمُ لَهُ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ، كَمُقْعَدٍ أَوْ أَعْرَج أَوْ أَشَل أَوْ أَعْمَى لَهُ رَأْيٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْجِهَادِ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ، أَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْهُ فَحَضَرَ، فَيُسْهِمُ لَهُ لِتَعَيُّنِ الْجِهَادِ بِحُضُورِهِ، أَيْ لِصَيْرُورَةِ الْجِهَادِ فَرْضَ عَيْنٍ بِحُضُورِهِ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْذْنِ.
ثَانِيًا: أَنْ يَدْخُل دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَال، سَوَاءٌ قَاتَل أَوْ لَمْ يُقَاتِل؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ وَالْقِتَال إِرْهَابٌ لِلْعَدُوِّ " وَهَذَا كَمَا يَحْصُل بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْل يَحْصُل بِثَبَاتِ الْقَدَمِ فِي صَفِّ الْقِتَال رَدًّا لِلْمُقَاتِلَةِ، خَشْيَةَ كَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.
_________
(١) الأم ٤ / ٧٠، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٥ - ١٤٦.
وَكَذَلِكَ إِذَا حَضَرَ بِنِيَّةٍ أُخْرَى وَقَاتَل، لِقَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: إِنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ. لأَِنَّ فِي شُهُودِ الْقِتَال تَكْثِيرَ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ. فَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ هَرَبَ أَسِيرٌ مِنْ كُفَّارٍ فَحَضَرَ بِنِيَّةِ خَلاَصِ نَفْسِهِ دُونَ الْقِتَال لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلاَّ إِنْ قَاتَل. وَلاَ شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال وَحِيَازَةِ الْمَال، أَمَّا مَنْ حَضَرَ قَبْل حِيَازَةِ الْمَال وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال. فَيُعْطَى - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ - لِلُحُوقِهِ قَبْل تَمَامِ الاِسْتِيلاَءِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْمَنْعُ. لأَِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِنَ الْوَقْعَةِ.
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال وَقَبْل الْحِيَازَةِ يُعْطَى عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلتَّمْلِيكِ وَهُوَ انْقِضَاءُ الْقِتَال، وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُعْطَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تُمْلَكُ بِالاِنْقِضَاءِ مَعَ الْحِيَازَةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَال قَبْل حِيَازَةِ شَيْءٍ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
أَمَّا الأَْجِيرُ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الأَْمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرُ وَالْمُحْتَرِفُ فَيُسْهِمُ لَهُمْ إِذَا قَاتَلُوا. لِشُهُودِ الْوَقْعَةِ وَقِتَالِهِمْ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُسْهِمُ لَهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ
يَقْصِدُوا الْجِهَادَ.
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، فَلاَ يُسْهِمُ لِلأُْنْثَى وَلَوْ قَاتَلَتْ.
رَابِعًا: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يُسْهِمُ لِكَافِرٍ وَلَوْ قَاتَل.
خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ حُرًّا، فَلاَ يُسْهِمُ لِعَبْدٍ وَلَوْ قَاتَل.
سَادِسًا. أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا. فَلاَ يُسْهِمُ لِمَجْنُونٍ أَوْ لِصَبِيٍّ (١) .
وَيَرْضَخُ لِمَنْ سَبَقَ بِحَسَبِ رَأْيِ الإِْمَامِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رَضْخٍ ف ٥ - ٦) .
قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ:
٢٤ - يَبْدَأُ الإِْمَامُ فِي الْقِسْمَةِ بِالأَْسْلاَبِ فَيَدْفَعُهَا إِلَى أَهْلِهَا. لأَِنَّ الْقَاتِل يَسْتَحِقُّهَا غَيْرَ مُخَمَّسَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَالٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ دُفِعَ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَيِّنٌ.
ثُمَّ يَبْدَأُ بِمُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ، مِنْ أُجْرَةِ نَقَّالٍ وَحَمَّالٍ، وَحَافِظِ مَخْزَنٍ وَحَاسِبٍ، لأَِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْغَنِيمَةِ. وَإِعْطَاءِ جُعْل مَنْ دَلَّهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ كَطَرِيقٍ أَوْ قَلْعَةٍ.
٢٥ - ثُمَّ يَجْعَلُهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةً.
_________
(١) البدائع ٧ / ١٢٦، ومنح الجليل ١ / ٧٤٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٩٢، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٦، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٢٥٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٦٨، ٤٦٩، وكشاف القناع ٣ / ٨٢.
الْخُمُسُ الأَْوَّل يُقْسَمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَهْمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى ﵃، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لأَِبْنَاءِ السَّبِيل.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خُمُسٍ ٧ - ١٢) .
أَمَّا الأَْخْمَاسُ الأَْرْبَعَةُ فَتُوَزَّعُ كَمَا يَلِي:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُقَاتِل إِذَا كَانَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ فَارِسًا فَلَهُ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ (١) . وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا. (٢)
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْهِمُ لِلْفَارِسِ بِسَهْمَيْنِ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمٌ لِفَرَسِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُجْعَل سَهْمُ الْفَرَسِ أَفْضَل مِنْ سَهْمِ الرَّجُل الْمُسْلِمِ؛ لأَِنَّ الْفَرَسَ لاَ يُقَاتِل بِدُونِ الرَّجُل، وَالرَّجُل يُقَاتِل بِدُونِ الْفَرَسِ، وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الرَّجُل قَدْ تَزْدَادُ عَلَى مُؤْنَةِ الْفَرَسِ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٢٦، والشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي ٢ / ١٩٣ والأم ٤ / ٧٠، والمغني ٦ / ٤١٩.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٦٧)، ومسلم (٣ / ١٣٨٣) .
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٢٦، والبحر الرائق ٥ / ٨٨، وشرح السير الكبير ٣ / ٨٨٥.
وَلَقَدْ تَعَارَضَتْ رِوَايَاتُ الأَْخْبَارِ فِي الْبَابِ: فَرُوِيَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ قَسَمَ لَهُ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ. (١)
وَإِذَا شَهِدَ الْفَارِسُ الْقِتَال بِفَرَسٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ مَرِضَ هَذَا الْفَرَسُ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ الْقِتَال عَلَى حَالَةٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَيُتَرَقَّبُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ. وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ. وَفِي قَوْل أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ لاَ يُسْهِمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الْقِتَال عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْهِمُ لِفَرَسٍ مُحَبَّسٍ، وَسَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِل عَلَيْهِ لاَ لِلْمُحَبَّسِ، وَلاَ فِي مَصَالِحِهِ كَعَلَفٍ وَنَحْوِهِ، وَلِفَرَسٍ مَغْصُوبٍ، وَسَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِل عَلَيْهِ إِنْ غُصِبَ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَقَاتَل بِهِ فِي غَنِيمَةٍ أُخْرَى. وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لِلْجَيْشِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ، بِأَنْ غَصَبَهُ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ، وَلِرَبِّهِ أُجْرَةُ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ " قسم للفارس سهمين ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٧٥) من حديث مجمع بن جارية، وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (٦ / ٦٨) .
(٢) منح الجليل ١ / ٧٤٥، والخرشي ٣ / ١٣٤.
الْمِثْل (١) .
وَلاَ يُسْهِمُ لِفَرَسٍ أَعْجَفَ - أَيْ مَهْزُولٍ - وَلاَ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ كَالْهَرَمِ وَالْكَبِيرِ، وَلاَ لِبَعِيرٍ وَغَيْرِهِ كَالْفِيل وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَصْلُحُ لِلْحَرْبِ صَلاَحِيَّةَ الْخَيْل، وَلَكِنْ يَرْضَخُ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُفَاوِتُ بَيْنَهَا بِحَسَبِ النَّفْعِ، فَيَكُونُ رَضْخُ الْفِيل أَكْثَر مِنْ رَضْخِ الْبَغْل، وَرَضْخُ الْبَغْل أَكْثَرُ مِنْ رَضْخِ الْحِمَارِ.
وَلَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَسْهَمُوا لِغَيْرِ الْخَيْل؛ لأَِنَّ غَيْرَ الْخَيْل لاَ يُلْحَقُ بِهَا فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَلاَ يَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ (٢) . وَلاَ يُسْهِمُ لأَِكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ؛ لأَِنَّ الإِْسْهَامَ لِلْخَيْل فِي الأَْصْل ثَبَتَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ لِفَرَسٍ وَاحِدٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تُرَدُّ إِلَى أَصْل الْقِيَاسِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ؛ لأَِنَّ الْغَازِيَ تَقَعُ الْحَاجَةُ لَهُ إِلَى فَرَسَيْنِ، يَرْكَبُ أَحَدَهُمَا وَيُجَنِّبُ الآْخَرَ.
_________
(١) الشرح الكبير ٢ / ١٩٣.
(٢) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٢١٨، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٧ وما بعدها، وروضة الطالبين ٦ / ٣٨٣ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٨٧ - ٨٩.
حَتَّى إِذَا أَعْيَا الْمَرْكُوبُ عَنِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ تَحَوَّل إِلَى الْجَنِيبَةِ، وَلِمَا رَوَى الأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْل، وَكَانَ لاَ يُسْهِمُ لِلرَّجُل فَوْقَ فَرَسَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشْرَةُ أَفْرَاسٍ (١) . وَإِنْ غَزَا اثْنَانِ عَلَى فَرَسٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا " أُعْطِيَا سَهْمَهُ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا (٢) .
الْفَارِسُ وَاسْتِخْدَامُهُ لِلْفَرَسِ:
٢٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ رَجَّالَةً، وَقَدْ سَرَّجُوا خُيُولَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، لَمْ يَضْرِبْ لَهُمْ إِلاَّ بِسَهْمِ الرَّجَّالَةِ؛ لأَِنَّهُمْ مَا قَاتَلُوا عَلَى الأَْفْرَاسِ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا. فَإِسْرَاجُ الْفَرَسِ لَيْسَ مِنْ عَمَل الْقِتَال فِي شَيْءٍ.
وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْخَيْل " ثُمَّ نَزَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ وَقَاتَلُوا رَجَّالَةً اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ؛ لأَِنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فُرْسَانًا، وَإِنَّمَا تَرَجَّلُوا لِضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِزِيَادَةِ جَدٍّ مِنْهُمْ فِي الْقِتَال، فَلاَ
_________
(١) حديث الأوزاعي: أن النبي ﷺ " كان يسهم للخيل. . . ". أورده ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٠٧) وقال: رواه سعيد بن منصور، وهو معضل.
(٢) البدائع ٧ / ١٢٦، والدسوقي ٢ / ١٩٣، والإقناع ٢ / ٢١٨، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٧، وكشاف القناع ٣ / ٨٧، ٨٩.
يُحْرَمُونَ بِهِ سَهْمُ الْفَرَسَانِ (١) . وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِ الْفَارِسِ فَارِسًا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فَرَسٌ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْقِتَال وَلَوْ أَوْجَفَ رَاجِلًا، وَلِذَا يُسْهِمُ لِلْفَرَسِ وَإِنْ كَانَ الْقِتَال بِسَفِينَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حَمْل الْخَيْل فِي الْجِهَادِ إِرْهَابُ الْعَدُوِّ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُسْهِمُ كَذَلِكَ لِلْفَارِسِ بِسَهْمِ فَارِسٍ إِذَا حَضَرَ شَيْئًا مِنَ الْحَرْبِ فَارِسًا قَبْل أَنْ تَنْقَطِعَ الْحَرْبُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فَارِسًا إِذَا دَخَل بِلاَدَ الْعَدُوِّ، أَوْ كَانَ فَارِسًا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَرْبِ وَقَبْل جَمْعِ الْغَنِيمَةِ، فَلاَ يُسْهِمُ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ، وَقَال الْبَعْضُ: إِذَا دَخَل بِلاَدَ الْعَدُوِّ فَارِسًا ثُمَّ مَاتَ فَرَسُهُ، أَسْهَمَ لَهُ سَهْمَ فَارِسٍ (٤) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ دَخَل دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا. ثُمَّ مَلَكَ فَرَسًا أَوِ اسْتَعَارَهُ أَوِ اسْتَأْجَرَهُ وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ وَلَوْ صَارَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ رَاجِلًا؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ بِاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ الْوَقْعَةَ. لاَ حَال دُخُول الْحَرْبِ، وَلاَ مَا بَعْدَ
_________
(١) شرح السير الكبير ٣ / ٩١٩.
(٢) منح الجليل ١ / ٧٤٥، والخرشي على مختصر خليل ٣ / ١٣٤.
(٣) سورة الأنفال / ٦٠.
(٤) الأم ٤ / ١٤٥ ط. دار المعرفة للطباعة والنشر، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٧.