الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
الْغَيْرَةُ عَلَى حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى:
٣ - الْغَيْرَةُ وَالْحَمِيَّةُ مِنْ هَتْكِ حُرُمَاتِ اللَّهِ مَشْرُوعَةٌ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ بِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِكُل مَا يَمْلِكُونَهُ، (١) فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٢) وَعَابَ اللَّهُ جَل شَأْنُهُ بَنِي إِسْرَائِيل وَلَعَنَهُمْ لأَِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: مَا انْتَقَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا. (٤)
وَأَشَدُّ الآْدَمِيِّينَ غَيْرَةً عَلَى حُرُمَاتِ اللَّهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لأَِنَّهُ كَانَ
_________
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ١٧١ ط الاستقامة بالقاهرة، وفتح الباري ٩ / ٣٢٠ - ٣٢١.
(٢) حديث: " من رأى منكم منكرًا. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) سورة المائدة / ٧٨ - ٧٩.
(٤) حديث عائشة: " ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥٦٦) ومسلم (٤ / ١٨١٤)
يَغَارُ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ.
الْغَيْرَةُ عَلَى حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ:
٤ - الْغَيْرَةُ عَلَى حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّرْعُ مَشْرُوعَةٌ، وَمِنْهَا غَيْرَةُ الرَّجُل عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ مَحَارِمِهِ، وَتَرْكُهَا مَذْمُومٌ. قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَفِي رِوَايَةٍ. إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي. (١)
وَإِنَّمَا شُرِعَتِ الْغَيْرَةُ - لِحِفْظِ الأَْنْسَابِ - وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلَوْ تَسَامَحَ النَّاسُ بِذَلِكَ لاَخْتَلَطَتِ الأَْنْسَابُ، لِذَا قِيل: كُل أُمَّةٍ وُضِعَتِ الْغَيْرَةُ فِي رِجَالِهَا وُضِعَتِ الصِّيَانَةُ فِي نِسَائِهَا. (٢)
وَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ مَنْ قُتِل فِي سَبِيل الدِّفَاعِ عَنْ عِرْضِهِ شَهِيدًا، فَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ قُتِل دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (٣) . وَمَنْ لاَ يَغَارُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَحَارِمِهِ يُسَمَّى
_________
(١) حديث: " أتعجبون من غيرة سعد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١٧٤)، ومسلم (٢ / ١١٣٦) من حديث المغيرة بن شعبة، والرواية الأخرى لمسلم.
(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ١٦٨.
(٣) حديث: " من قتل دون أهله فهو شهيد ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٠) من حديث سعيد بن زيد، وقال: حديث حسن صحيح.
دَيُّوثًا " (١) وَالدِّيَاثَةُ مِنَ الرَّذَائِل الَّتِي وَرَدَ فِيهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ، جَاءَ فِي الأَْثَرِ: ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ ﷿ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ (٢)
وَغَيْرَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَشْرُوعَةٌ أَيْضًا، لأَِنَّ الْغَيْرَةَ مِنَ الْغَرَائِزِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الإِْنْسَانِ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً. وَهِيَ فِطْرِيَّةٌ تَبْرُزُ كُلَّمَا أَحَسَّ الإِْنْسَانُ شَرِكَةَ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ بِلاَ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، وَلاَ سَبِيل إِلَى اسْتِئْصَالِهَا مِنَ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلاَ خِيَارَ لِلإِْنْسَانِ فِيهَا، فَهِيَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، فَلاَ إِثْمَ إِنْ غَارَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ مَا لَمْ تُفْحِشْ فِي الْقَوْل وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا. (٣) لِمَا وَرَدَ أَنَّ عَائِشَة ﵂ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ خَدِيجَةَ ﵂ لِكَثْرَةِ مَا يَذْكُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ. (٤) وَكَانَتْ سَائِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يَغَرْنَ مِنْ
_________
(١) رد المحتار ٣ / ١٨٥.
(٢) حديث: " ثلاثة لا ينظر الله ﷿ إليهم يوم القيامة. . . ". أخرجه النسائي (٥ / ٨٠) والحاكم (٤ / ١٤٧) من حديث ابن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) إحياء علوم الدين ٣ / ١٨٠.
(٤) حديث عائشة " أنها كانت تغار من خديجة ﵄ ". أخرجه مسلم (٤ / ١٨٨٨) .
عَائِشَة ﵅ جَمِيعًا. (١)
٥ - أَمَّا الْغَيْرَةُ عَصَبِيَّةً وَنُصْرَةً لِلْقَبِيلَةِ عَلَى ظُلْمٍ فَهِيَ حَرَامٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهَا، قَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ قَاتَل عَصَبِيَّةً (٣) وَقَال ﵊ فِي الْغَيْرَةِ لِلْقَبِيلَةِ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. (٤)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (عَصَبِيَّةٍ)
_________
(١) حديث " غيرة أمهات المؤمنين من عائشة ﵂ ". أخرجه مسلم (٤ / ١٨٩١) .
(٢) سورة المائدة / ٢.
(٣) حديث: " ليس منا من دعا إلى عصبية. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٤٢) من حديث جبير بن مطعم، وفي إسناده انقطاع وجهالة، كذا في مختصر السنن للمنذري (٨ / ١٩) .
(٤) حديث: " دعوها فإنها منتنة ". أخرجها البخاري (فتح الباري ٨ / ٦٥٢) ومسلم (٤ / ١٩٩٩) من حديث جابر بن عبد الله.
غِيلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْغِيلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْخَدِيعَةُ. يُقَال: قُتِل فُلاَنٌ غِيلَةً، أَيْ: خُدْعَةً، وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ، فَإِذَا صَارَ إِلَيْهِ قَتَلَهُ.
وَالْغِيلَةُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ: إِيصَال الشَّرِّ وَالْقَتْل إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُ وَلاَ يَشْعُرُ.
وَمِنْ مَعَانِي الْغِيلَةِ فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ: وَطْءُ الرَّجُل زَوْجَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ، وَإِرْضَاعُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيلَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
الْقَتْل غِيلَةٌ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الْقَتْل الْعَمْدِ عُدْوَانًا الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْل غِيلَةً أَمْ لَمْ يَكُنْ.
_________
(١) لسان العرب.
(٢) نيل الأوطار ٧ / ١٣، الشرح الكبير والدسوقي ٤ / ٢٣٨، والموطأ ٢ / ٤٥، وشرح الموطأ للزرقاني ٤ / ١٨٢.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل غِيلَةً. وَمِنْ هَذِهِ الْمَسَائِل:
أ - قَتْل الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ:
٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُقْتَل بِالذِّمِّيِّ مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (١)، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ، وَلاَ يَبْلُغُ بِحَبْسِهِ سَنَةً، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقَطْ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقْتَل الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣)، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وَقَال: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ (٤)؛ وَلاِسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِصْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ؛ وَلأَِنَّ عَدَمَ الْقِصَاصِ فِيهِ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنْ قَبُول عَقْدِ الذِّمَّةِ. (٥) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَتَلَهُ غِيلَةً بِأَنْ خَدَعَهُ
_________
(١) حديث: " لا يقتل مسلم بكافر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٠٤) من حديث علي بن أبي طالب.
(٢) الأم ٦ / ٣٣، والمغني ٩ / ٣٤١.
(٣) سورة المائدة / ٤٥.
(٤) حديث جابر: " أن النبي ﷺ " قاد مسلمًا بذمي. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٣٥) من حديث ابن البيلماني مرسلًا، وضعف الدارقطني ابن البيلماني.
(٥) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٧.
حَتَّى ذَهَبَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ فَقَتَلَهُ، يُقْتَل بِهِ سِيَاسَةً لاَ قِصَاصًا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْتُلْهُ غِيلَةً، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقَطْ. (١)
ب - قَتْل الْحُرِّ بِالْعَبْدِ:
٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحُرَّ لاَ يُقَادُ بِالْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٢) - وَقَالُوا: إِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣) مُطْلَقٌ، وَهَذِهِ الآْيَةُ مُقَيِّدَةٌ: " وَبِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ يُقْتَل حُرٌّ بِعَبْدٍ (٤) وَبِمَا رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لاَ يُقْتَل حُرٌّ بِعَبْدٍ؛ وَلأَِنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ فَلاَ يُقْتَل بِهِ الْحُرُّ. (٥) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحُرَّ يُقْتَل بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٦) وَقَوْل الرَّسُول ﷺ: الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (٧) وَلأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ. (٨)
_________
(١) شرح الموطأ للرزقاني ٥ / ١٥٩.
(٢) سورة البقرة / ١٧٨.
(٣) سورة المائدة / ٤٥.
(٤) حديث: " لا يقتل حر بعبد ". أخرجه البيهقي (٨ / ٣٥) من حديث ابن عباس، وضعف إسناده.
(٥) الأم ٦ / ٢١، والمغني ٩ / ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٦) سورة المائدة / ٤٥.
(٧) حديث: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٦٦٧) من حديث علي بن أبي طالب.
(٨) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٧.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَل بِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ سَيِّدَهُ، وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ: لاَ يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكِهِ، وَلاَ وَلَدٌ مِنْ وَالِدِهِ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُقْتَل الْحُرُّ بِالْعَبْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْقَتْل غِيلَةً، فَيُقْتَل حِينَئِذٍ بِهِ، وَأَنَّ الْقَتْل لِلْفَسَادِ لاَ لِلْقِصَاصِ. (٢)
ح - قَتْل الْوَالِدِ بِالْوَلَدِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل: بِأَنَّ الأَْبَ لاَ يُقْتَل مُطْلَقًا إِذَا قَتَل ابْنَهُ، (٣) وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ يُقَادُ الأَْبُ مِنَ ابْنِهِ. (٤)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُقَادُ الأَْبُ بِالاِبْنِ إِلاَّ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ، فَأَمَّا إِذَا حَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ عَصًا فَقَتَلَهُ لَمْ يُقْتَل. وَكَذَلِكَ الْجَدُّ مَعَ حَفِيدِهِ. (٥)
_________
(١) سبل السلام ٣ / ٢٣٣. وحديث: " لا يقاد مملوك من مالكه. . . ". أخرجه ابن عدي في الكامل (٥ / ١٧١٣) من حديث عمر بن الخطاب، وأسند عن البخاري أنه قال في أحد رواته: منكر الحديث.
(٢) الخرشي على مختصر خليل ٨ / ٣.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٥، والأم ٦ / ٢٩، والمغني ٩ / ٣٥٩.
(٤) حديث: " لا يقاد الأب من ابنه ". أخرجه البيهقي في المعرفة (١٢ / ٤٠) من حديث عمر بن الخطاب، وصحح إسناده.
(٥) الدسوقي ٤ / ٢٣٨.
د - الْعَفْوُ عَنِ الْقَاتِل غِيلَةً:
٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ عَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُول غِيلَةً عَنِ الْقَاتِل، فَإِنَّ عَفْوَهُ لاَ يُسْقِطُ عُقُوبَةَ الْقَتْل؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَيْسَ لَهُ، وَإِنَّمَا لِلَّهِ ﷾، وَيُعْتَبَرُ الْقَتْل غِيلَةً حِرَابَةً فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الْقَاتِل ظَاهِرًا عَلَى وَجْهٍ يُتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ. (١)
حُكْمُ الْغِيلَةِ بِالإِْرْضَاعِ أَوِ الْوَطْءِ:
٧ - كَانَ الْعَرَبُ يَكْرَهُونَ وَطْءَ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعِ. وَإِرْضَاعَ الْمَرْأَةِ الْحَامِل وَلَدَهَا، وَيَتَّقُونَهُ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ اللَّبَنِ، فَيُصْبِحُ دَاءً، فَيَفْسُدُ بِهِ جِسْمُ الصَّبِيِّ وَيَضْعُفُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا حَقًّا لَنَهَى عَنْهُ الرَّسُول ﷺ. قَال ﷺ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْت فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ. فَلاَ يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا (٢) وَمَعْنَى هَذَا: لَوْ كَانَ الْجِمَاعُ حَال الرَّضَاعِ، أَوِ الإِْرْضَاعُ حَال الْحَمْل مُضِرًّا.
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٢٣٨.
(٢) حديث: " لقد هممت أن أنهي عن الغيلة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٦٧) من حديث جدامة بنت وهب الأسدية.
لَضَرَّ أَوْلاَدَ الرُّومِ وَفَارِسٍ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الأَْطِبَّاءِ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ كَانَ مُضِرًّا لَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ﷺ.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي أَعْزِل عَنِ امْرَأَتِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَفْعَل ذَلِكَ؟ فَقَال: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهَا. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ (١) وَقَال الْفُقَهَاءُ اسْتِنَادًا إِلَى حَدِيثِ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ. . .، وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِجَوَازِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعِ وَإِرْضَاعِ الْمَرْأَةِ الْحَامِل؛ لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَنَهَى عَنْهُ الرَّسُول ﷺ إِرْشَادًا. لأَِنَّهُ رَءُوفٌ بِالْمُؤْمِنِينَ.
وَقَال الأَْبِيُّ: وَالْغِيلَةُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعِ. وَتَجُوزُ الْغِيلَةُ، وَهِيَ إِرْضَاعُ الْحَامِل، وَتَرْكُهَا أَوْلَى إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَرَضُ الرَّضِيعِ، وَإِلاَّ مُنِعَتْ. (٢)
_________
(١) حديث سعد بن أبي وقاص: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٦٧) .
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٤٠٢.