الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

الْخِبْرَةِ (١)، وَلِذَلِكَ نَقَل الْجَاحِظُ عَنْ غَيْرِهِ: أَنَّ النَّغَمَ فَضْلٌ بَقِيَ مِنَ النُّطْقِ لَمْ يَقْدِرِ اللِّسَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ، فَاسْتُخْرِجَ بِالأَْلْحَانِ عَلَى التَّرْجِيعِ (٢)، لاَ عَلَى التَّقْطِيعِ (٣)، فَلَمَّا ظَهَرَ عَشِقَتْهُ النُّفُوسُ، وَحَنَّتْ إِلَيْهِ الرُّوحُ، أَلاَ تَرَى إِلَى أَهْل الصِّنَاعَاتِ كُلِّهَا، إِذَا خَافُوا الْمَلاَلَةَ وَالْفُتُورَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ تَرَنَّمُوا بِالأَْلْحَانِ وَاسْتَرَاحَتْ إِلَيْهَا أَنْفُسُهُمْ، وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ - كَائِنًا مَنْ كَانَ - إِلاَّ وَهُوَ يَطْرَبُ مِنْ صَوْتِ نَفْسِهِ، وَيُعْجِبُهُ طَنِينُ رَأْسِهِ (٤)، وَقَدْ ذَكَرَ مَا يُقَارِبُ هَذَا لَفْظًا وَمَعْنًى الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ (٥)، وَغَيْرُهُ (٦)، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْغِنَاءَ كَمَا يَقَعُ بِالشِّعْرِ وَالأَْلْحَانِ وَالآْلاَتِ يَقَعُ سَاذَجًا بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُ عَلَى نَمَطٍ خَاصٍّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّغْبِيرُ:

٢ - التَّغْبِيرُ هُوَ فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ يُذَكِّرُ بِالْغَابِرَةِ وَهِيَ الآْخِرَةُ،

_________

(١) الإمتاع بأحكام السماع للأدفوي ورقة ١٧. وهو مخطوط بالمكتبة الوطنية بتونس، فرح الأسماع برخص السماع للتونسي ص٤٩ تحقيق محمد الشريف الرحموني. الدار العربية للكتاب بتونس ١٩٨٥.

(٢) يقال: رجع في صوته إذا ردده في حلقه.

(٣) التقطيع: تحليل الأجزاء (النوتة) .

(٤) الحيوان ٤ / ١٩١ وما بعدها، تحقيق عبد السلام هارون.

(٥) إحياء علوم الدين ٢ / ٢٧٥، دار المعرفة.

(٦) فرح الأسماع برخص السماع ص١٤ / ١٧.

وَيُزَهِّدُ فِي الْحَاضِرَةِ وَهِيَ الدُّنْيَا، وَالْمُغَبِّرَةُ قَوْمٌ يُغَبِّرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ هَذَا الاِسْمُ لِتَزْهِيدِهِمُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الْبَاقِيَةِ وَهِيَ الآْخِرَةُ، وَهُوَ مِنْ " غَبَّرَ " الَّذِي يُسْتَعْمَل لِلْبَاقِي كَمَا يُسْتَعْمَل لِلْمَاضِي.

وَقَال الشَّافِعِيُّ: أَرَى الزَّنَادِقَةَ وَضَعُوا هَذَا التَّغْبِيرَ لِيَصُدُّوا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (١) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ التَّغْبِيرَ نَوْعٌ مِنَ الْغِنَاءِ.

ب - الْحُدَاءُ:

٣ - الْحُدَاءُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ لِلإِْبِل إِذَا سَمِعَتْهُ أَسْرَعَتْ (٢) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْحُدَاءُ هُوَ الإِْنْشَادُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الإِْبِل - وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلاَمٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَال لَهُ: أَنْجَشَةُ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: رُوَيْدَك يَا أَنْجَشَةُ سَوْقُك بِالْقَوَارِيرِ قَال أَبُو قِلاَبَةَ: يَعْنِي النِّسَاءَ (٣) .

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المصباح المنير، والصحاح والقاموس المحيط.

(٣) حديث أنس: أن النبي ﷺ " كان في سفر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٩٣ - ٥٩٤) ومسلم (٤ / ١٨١١) واللفظ للبخاري.

وَالْحُدَاءُ نَوْعٌ مِنَ الْغِنَاءِ (١) .

ج - النَّصْبُ:

٤ - مِنْ مَعَانِي النَّصْبِ: (بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ) التَّرَنُّمُ بِالشِّعْرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَغَانِي الْعَرَبِ فِيهِ تَمْطِيطٌ يُشْبِهُ الْحُدَاءَ، وَقِيل: هُوَ الَّذِي أُحْكِمَ مِنَ النَّشِيدِ وَأُقِيمَ لَحْنُهُ وَوَزْنُهُ (٢)، فَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: كَانَ رَبَاحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغْتَرِفِ - يُحْسِنُ النَّصْبَ (٣)، وَفِي حَدِيثِ نَائِلٍ مَوْلَى عُثْمَانَ: فَقُلْنَا لِرَبَاحٍ: لَوْ نَصَبْت لَنَا نَصْبَ الْعَرَبِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: النَّصْبُ نَشِيدُ الأَْعْرَابِ لاَ بَأْسَ بِهِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الإِْنْشَادِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الْغِنَاءِ (٤) . وَالصِّلَةُ أَنَّ النَّصْبَ ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ.

حُكْمُ الْغِنَاءِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْغِنَاءِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِكَرَاهَتِهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِتَحْرِيمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّل بَيْنَ الْقَلِيل

_________

(١) المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٤٤، وانظر أيضًا: الإمتاع بأحكام السماع للأدفوي ورقة ١٧ و١٨.

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥ / ٦٢، والصحاح.

(٣) أثر السائب بن يزيد: كان رباح - وهو ابن المغترف - يحسن النصب. أخرجه البيهقي في السنن (١٠ / ٢٢٤) .

(٤) المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٤٤.

وَالْكَثِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَحَظَ جِنْسَ الْمُغَنِّي فَفَرَّقَ بَيْنَ غِنَاءِ الرِّجَال وَغِنَاءِ النِّسَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَيَّزَ بَيْنَ الْبَسِيطِ السَّاذَجِ وَبَيْنَ الْمُقَارَنِ لأَِنْوَاعٍ مِنَ الآْلاَتِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِمَاعٍ ف ١٥ - ٢٢) (وَمَعَازِفَ) .

وَهُنَاكَ مَسَائِل تَتَعَلَّقُ بِالْغِنَاءِ مِنْهَا:

أ - احْتِرَافُ الْغِنَاءِ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْغِنَاءِ حِرْفَةً يُرْتَزَقُ مِنْهَا حَرَامٌ.

وَذَهَبَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ أَوِ الرَّجُل يُغْنِي، فَيَتَّخِذُ الْغِنَاءَ صِنَاعَةً يُؤْتَى عَلَيْهِ وَيَأْتِي لَهُ، وَيَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ مَشْهُورًا بِهِ مَعْرُوفًا، لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهْوِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي يُشْبِهُ الْبَاطِل، وَأَنَّ مَنْ صَنَعَ هَذَا كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى السَّفَهِ وَسِقَاطَةِ الْمُرُوءَةِ، وَمَنْ رَضِيَ بِهَذَا لِنَفْسِهِ كَانَ مُسْتَخِفًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا بَيِّنَ التَّحْرِيمِ (١) .

ب - الإِْجَارَةُ عَلَى الْغِنَاءِ:

٧ - مِنْ شُرُوطِ الإِْجَارَةِ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ

_________

(١) الأم ٦ / ٢٠٩، المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٤٣، فتح القدير ٦ / ٣٤، ٣٥، البيان والتحصيل ١٨ / ٥٤٥.

الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مُبَاحَةً شَرْعًا (١)، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الاِسْتِئْجَارَ لِلْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ وَالنَّوْحِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالْمَعْصِيَةُ لاَ تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ. أَمَّا الاِسْتِئْجَارُ لِكِتَابَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ - عَلَى الْقَوْل بِذَلِكَ - لاَ كِتَابَتُهُمَا (٢) .

ج - الْوَصِيَّةُ بِإِقَامَةِ لَهْوٍ بِعُرْسٍ:

٨ - مَنْ أَوْصَى بِإِقَامَةِ لَهْوٍ بِعُرْسٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تُنَفَّذُ إِذَا كَانَ اللَّهْوُ مُرَخَّصًا فِيهِ وَبِآلاَتٍ مُرَخَّصٍ فِي اسْتِعْمَالِهَا، وَلاَ تَنْفُذُ إِذَا دَاخَلَهُ مَا لاَ يَجُوزُ (٣) .

د - مُرُوءَةُ الْمُغَنِّي وَشَهَادَتُهُ:

٩ - احْتِرَافُ الْغِنَاءِ وَكَثْرَةُ اسْتِمَاعِهِ مِمَّا يَقْدَحُ فِي مُرُوءَةِ الْمَرْءِ مُغَنِّيًا وَمُسْتَمِعًا، بِحَيْثُ يُعَرِّضُهُ إِلَى رَدِّ شَهَادَتِهِ (٤)، وَنَقَل الْحَطَّابُ أَنَّ الْغِنَاءَ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ آلَةٍ فَهُوَ

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٤١، القوانين الفقهية ص٢٧٥، بدائع الصنائع ٤ / ١٨٩، والشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ٢١.

(٢) المغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٣٤، ومواهب الجليل ٥ / ٤٢٤، والبدائع ٤ / ١٨٩.

(٣) البيان والتحصيل ١٣ / ١٣٩ - ١٤٠.

(٤) الأم ٦ / ٢٠٩، المدونة ٥ / ١٥٣، مواهب الجليل ٦ / ١٥٣، جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣، المغني مع الشرح الكبير ١٢ / ٤٣.

مَكْرُوهٌ، وَلاَ يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ مِثْلَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَادِحًا فِي الْمُرُوءَةِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ إِذَا عُرِفُوا بِذَلِكَ (١)، وَنُقِل عَنْ الْمَازِرِيِّ: إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ بِآلَةٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ أَوْتَارٍ كَالْعُودِ وَالطُّنْبُورِ فَمَمْنُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْمِزْمَارُ، وَالظَّاهِرُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يُلْحَقُ بِالْمُحَرَّمَاتِ، وَنَصَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَى أَنَّ سَمَاعَ الْعُودِ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، إِلاَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ لَيْسَ مَعَهُ شَرَابٌ يُسْكِرُ فَإِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ مِنْ قَبُول الشَّهَادَةِ، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ رَدَّ شَهَادَةِ الْمُغَنِّي بِأَنْ يُغْنِيَ لِلنَّاسِ بِأُجْرَةٍ (٢) .

هـ - الْوَقْفُ عَلَى الْمُغَنِّي:

١٠ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لاَ يَصِحُّ عَلَى جِهَةِ الْمَغَانِي، وَيَصِحُّ عَلَى مُعَيَّنٍ مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّهُ لَوْ زَال ذَلِكَ الْوَصْفُ (٣)، وَيَلْغُو شَرْطُ الْوَاقِفِ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَسَائِرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى جِهَةِ الْمَعْصِيَةِ.

(رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: وَقْفٍ) .

_________

(١) المدونة ٥ / ١٥٣.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٨١ - ٣٨٢، مواهب الجليل ٦ / ١٥٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٩٤.

التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:

١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَوِ الاِسْتِمَاعِ إِلَيْهِ بِالتَّرْجِيعِ وَالتَّلْحِينِ الْمُفْرِطِ.

أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لأُِصُول الْقِرَاءَةِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَاسْتِمَاعُهُ حَسَنٌ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اسْتِمَاعٍ ف ٧) .

_________

(١) حديث: " زينوا القرآن بأصواتكم ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٥٥) من حديث البراء بن عازب، وأخرجه الدارقطني في الأفراد من حديث ابن عباس كما في الفتح لابن حجر (١٣ / ٥١٩)، وحسن ابن حجر إسناده.

غَنَمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَنَمُ لُغَةً: اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَقَدْ تُجْمَعُ عَلَى " أَغْنَامٍ " عَلَى مَعْنَى قِطْعَانَاتٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَلاَ وَاحِدَ لِلْغَنَمِ مِنْ لَفْظِهَا (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: الْغَنَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهَا آلَةُ الدِّفَاعِ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً لِكُل طَالِبٍ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَنَمِ:

أ - الصَّلاَةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ:

٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِبَاحَةَ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ إِذَا أُمِنَتِ النَّجَاسَةُ (٣)، فَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ

_________

(١) المصباح المنير.

(٢) الدر المختار ورد المحتار ٢ / ١٨.

(٣) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص١٩٦ - ١٩٧ ورد المحتار ١ / ٢٥٤، المجموع ٢ / ١٦٠ - ١٦١، وروضة الطالبين ١ / ٢٧٨ - ٢٧٩، والمغني ٢ / ٦٧.

أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِْبِل؟ قَال: لاَ (١)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا تُبَاحُ الصَّلاَةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ فَوْقَ السَّجَّادَةِ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، أَوْ إِذَا كَانَ أَصْحَابُ الْغَنَمِ يُنَظِّفُونَ الْمَرَابِضَ، فَأُبِيحَتِ الصَّلاَةُ فِيهَا لِذَلِكَ (٢)، وَقَالُوا: لاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنَ النَّجَاسَةِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا صَلَّى فِي أَعْطَانِ الإِْبِل أَوْ مَرَاحِ الْغَنَمِ وَمَاسَّ شَيْئًا مِنْ أَبْوَالِهَا أَوْ أَبْعَارِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ بَسَطَ شَيْئًا طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْهُ صَحَّتْ صَلاَتُهُ، لَكِنْ تُكْرَهُ فِي أَعْطَانِ الإِْبِل وَلاَ تُكْرَهُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَيْسَتِ الْكَرَاهَةُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي نَجَاسَةِ الْبَوْل وَالْبَعْرِ، وَإِنَّمَا سَبَبُ كَرَاهَةِ أَعْطَانِ الإِْبِل هُوَ مَا يُخَافُ مِنْ نِفَارِهَا، بِخِلاَفِ الْغَنَمِ فَإِنَّهَا ذَاتُ سَكِينَةٍ (٤) .

_________

(١) حديث: جابر بن سمرة: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ " أصلي في مرابض الغنم. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٧٥) .

(٢) مراقي الفلاح ص١٩٧.

(٣) رد المحتار ١ / ٢٥٤.

(٤) المجموع ٣ / ١٦١.

وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الصَّلاَةَ - وَلَوْ مِنْ غَيْرِ فَرْشٍ - بِمَرْبِضِ غَنْمٍ وَبَقَرٍ لِطَهَارَةِ زِبْلِهَا (١)

وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَلاَةٌ ف ١٠٥)

ب - زَكَاةُ الْغَنَمِ:

٣ - زَكَاةُ الْغَنَمِ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَنَسٌ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمِنْ سُئِل فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ. . . وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِي كُل مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُل نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا (٢)

وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٢٦٨.

(٢) حديث أنس: أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣١٧، ٣١٨) .