الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ الْغِنَى الَّذِي يُوجِبُ التَّحَمُّل:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يَضْرِبُ عَلَى كُل شَخْصٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ بِحَسَبِ غِنَاهُ، بِحَيْثُ لاَ يُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَلاَ يُسَاوِي مَا يُجْعَل عَلَى قَلِيل الْمَال مَا يُجْعَل عَلَى كَثِيرِهِ. وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فِي يُسْرِهِمْ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ حَدًّا.

وَحَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْغَنِيَّ الَّذِي يَتَحَمَّل فِي الدِّيَةِ بِأَنَّهُ مَنْ يَمْلِكُ آخِرَ السَّنَةِ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ عِشْرِينَ دِينَارًا ذَهَبًا أَوْ قَدْرَهَا، اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَتَحَمَّل الدِّيَةَ فَقِيرٌ، وَهُوَ مَنْ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا عِنْدَ حُلُول الْحَوْل فَاضِلًا عَنْهُ (١) .

أَثَرُ الْغِنَى فِي دَفْعِ الضَّرَرِ:

١٩ - تَبَرُّعُ الْغَنِيِّ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ مُسْتَحَبٌّ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ، أَمِ الْوَصِيَّةِ، أَمِ الْوَقْفِ، أَمْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ.

إِلاَّ أَنَّ التَّبَرُّعَ قَدْ يَجِبُ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّينَ. فَقَدْ

_________

(١) منح الجليل ٤ / ٤٢٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧١، وحاشية الجمل ٥ / ٩٥، ومغني المحتاج ٤ / ٩٩، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٢٨.

ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ دَفْعَ ضَرَرِ الْمُسْلِمِ، كَكِسْوَةِ الْعَارِي، وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَفَكِّ الأَْسِيرِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ بِزَكَاةٍ وَلاَ بَيْتِ مَالٍ وَنَحْوِهِمَا، وَإِذَا فَعَل وَاحِدٌ ذَلِكَ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا أَثِمُوا جَمِيعًا (١)، قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ (٢) وَإِذَا امْتَنَعَ الْغَنِيُّ عَنْ دَفْعِ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّ إِلَى الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ، كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُضْطَرِّ أَخْذُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ عِنْدَ الشَّخْصِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُمْسِكُ صِحَّتَهُ حَالًا وَمَآلًا إِلَى مَحَلٍّ يُوجَدُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَكَانَ مَعَهُ مُضْطَرٌّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَاسَاتُهُ بِذَلِكَ الزَّائِدِ، فَإِنْ مَنَعَ وَلَمْ يَدْفَعْ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَ دِيَتَهُ.

وَالْغِنَى الْمُعْتَبَرُ هُنَا فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ لِلْغَنِيِّ وَلِمَنْ يَمُونُهُمْ، لَكِنْ يَكْفِي فِي وُجُوبِ

_________

(١) الاختيار ٤ / ١٧٥ والبدائع ٦ / ١٨٨، وابن عابدين ٥ / ٢١٥، ٢٨٣، ٢٨٤، والدسوقي ٢ / ١٧٤، وحاشية الجمل ٥ / ١٨٣، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٢، ٣٠٨، ٣٠٩، و٣ / ١٢٠، وكشاف القناع ٦ / ١٩٨، ٢٠٠.

(٢) حديث: " ما آمن بي من بات شبعان. . . ". أورده المنذري في الترغيب (٣ / ٣٣٤) وقال: رواه الطبراني والبزار، وإسناده حسن.

الْمُوَاسَاةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَحْوُ وَظَائِفَ يَتَحَصَّل مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ عَادَةً جَمِيعَ السَّنَةِ، وَيَتَحَصَّل عِنْدَهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْمُوَاسَاةُ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: هَذَا فِي الْمُحْتَاجِ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ، أَمَّا الْمُضْطَرُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِطْعَامُهُ وَلَوْ كَانَ مَنْ مَعَهُ الطَّعَامُ يَحْتَاجُهُ فِي ثَانِي الْحَال عَلَى الأَْصَحِّ، لِلضَّرُورَةِ النَّاجِزَةِ.

وَلَمْ يُحَدِّدِ الْحَنَابِلَةُ تَقْدِيرًا لِلْغِنَى، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ وَكَانَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل، بِأَنْ كَانَ خَائِفًا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَقَالُوا: إِذَا اشْتَدَّتِ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ وَأَصَابَتِ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ، لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانُوا فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْل مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّ (١)

اعْتِبَارُ الْغِنَى فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ:

٢٠ - الْغِنَى الْمُعْتَبَرُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ هُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ فَائِضٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ، فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ، فَإِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢١٥، ٢٨٣، والاختيار ٤ / ١٧٥، والدسوقي ٢ / ١١٢، ١٧٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٢، ٣٠٨ - ٣٠٩، والمغني ٨ / ٦٠٢ - ٦٠٣، وكشاف القناع ٦ / ١٩٨ - ٢٠٠.

تَصَدَّقَ الإِْنْسَانُ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَتَهُ أَوْ مُؤْنَةَ مَنْ يَمُونُهُ كَانَ آثِمًا، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك، قَال عِنْدِي آخَرُ. قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ (١) وَقَال ﷺ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (٢) وَتَحِل صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِلأَْغْنِيَاءِ كَمَا تَحِل لِلْفُقَرَاءِ.

وَالْمُرَادُ بِالْغَنِيِّ هُنَا مَنْ مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ لِغِنَاهُ، فَيَحِل لَهُ الأَْخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا وَالتَّعَفُّفُ، فَلاَ يَأْخُذْهَا وَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهَا، فَإِنْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ وَأَخَذَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (٣) .

_________

(١) حديث: " أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: عندي دينار. . . ". أخرجه الشافعي في المسند (٢ / ٦٤ - ترتيبه) والحاكم (١ / ٤١٥) وصححه، ووافقه الذهبي، واللفظ للشافعي.

(٢) حديث: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته ". تقدم ف ١٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧، ٧١، وبدائع الصنائع ٢ / ٤٧، و٦ / ١٣٣، ٢٢١، والحطاب ٢ / ٣٤٧، والفواكه الدواني ٢ / ٢١٦، ٢٢٣، والمهذب ١ / ١٨٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٠، ١٢٢، وكشاف القناع ٢ / ٢٩٥، ٢٩٨، والكافي ١ / ٣٤٢، والمغني ٢ / ٦٥٩.

اعْتِبَارُ الْغِنَى فِي الأُْضْحِيَّةِ:

٢١ - الأُْضْحِيَّةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ سُنَّةً كَمَا يَقُول جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، أَمْ وَاجِبَةً كَمَا يَقُول أَبُو حَنِيفَةَ، يُشْتَرَطُ فِيهَا الْغِنَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُضَحِّي، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا (١) وَالسَّعَةُ هِيَ الْغِنَى.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغِنَى الْمُعْتَبَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْضْحِيَّةِ.

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ الإِْنْسَانِ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ شَيْءٌ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ، سِوَى مَسْكَنِهِ وَحَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ وَدُيُونِهِ.

وَلَمْ يُحَدِّدِ الْمَالِكِيَّةُ تَقْدِيرَ الْغِنَى وَإِنَّمَا قَالُوا: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَحْتَاجَ لِثَمَنِهَا فِي الأُْمُورِ الضَّرُورِيَّةِ فِي عَامِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ لَهُ فِيهِ فَلاَ تُسَنُّ لَهُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الأُْضْحِيَّةُ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَةِ الْمُضَحِّي وَحَاجَةِ مَنْ يَمُونُهُ وَكِسْوَةِ فَصْلِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ وَقْتُهَا.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ تَرْكُ الأُْضْحِيَّةِ لِقَادِرٍ عَلَيْهَا، وَمَنْ عَدِمَ مَا يُضَحِّي بِهِ

_________

(١) حديث: " من كان له سعة ولم يضح. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٠٤٤) والحاكم (٤ / ٢٣٢) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

اقْتَرَضَ وَضَحَّى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أُضْحِيَّةٍ ف ١٦، ٥٩)

أَثَرُ الْغِنَى بِالنِّسْبَةِ لِلْوَصِيَّةِ:

٢٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَمَّا الْفَقِيرُ فَلاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ (٢) . لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ قَال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٣) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. (٤)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ قَلِيل الْمَال الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ لاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ دُونَ الأَْلْفِ لاَ تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لاَ يَفْضُل عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ فَلاَ تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّل الْمَنْعَ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً وَلأَِنَّ إِعْطَاءَ الْقَرِيبِ

_________

(١) البدائع ٥ / ٦٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٩، وأسهل المدارك ٢ / ٤١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٨٣، والمغني ٨ / ٦١٧، وكشاف القناع ٣ / ٢١.

(٢) البدائع ٧ / ٣٣٠ - ٣٣١، والمهذب ١ / ٤٥٦ والمغني ٦ / ٢، ٣.

(٣) سورة البقرة / ١٨٠.

(٤) حديث: " إنك إن تذر ورثتك أغنياء. . ". تقدم ف٩.

الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إِعْطَاءِ الأَْجْنَبِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغِ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إِيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَل مِنَ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ، فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَال بِاخْتِلاَفِ الْوَرَثَةِ، فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنَ الْمَال (١) .

اعْتِبَارُ الْغِنَى فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:

٢٣ - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ فِي اعْتِبَارِ الْغِنَى فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:

أ - الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: هُوَ أَنَّ الْغِنَى مُعْتَبَرٌ فِي النِّكَاحِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَلاَ يَكُونُ الْفَقِيرُ كُفْئًا لِلْغَنِيَّةِ؛ لأَِنَّ التَّفَاخُرَ بِالْمَال أَكْثَرُ مِنَ التَّفَاخُرِ بِغَيْرِهِ عَادَةً؛ وَلأَِنَّ لِلنِّكَاحِ تَعَلُّقًا لاَزِمًا بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: الْحَسَبُ: الْمَال (٢) وَقَال: إِنَّ أَحْسَابَ أَهْل الدُّنْيَا الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَال (٣) وَقَال لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَطَبَهَا: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَال

_________

(١) المغني ٦ / ٣.

(٢) حديث: " الحسب: المال ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٩٠) من حديث سمرة بن جندب، وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) حديث: " إن أحساب أهل الدنيا. . . ". أخرجه النسائي (٦ / ٦٤) والحاكم (٢ / ١٦٣) من حديث بريدة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

لَهُ (١)، وَلأَِنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إِعْسَارِ زَوْجِهَا، وَلِهَذَا مَلَكَتِ الْفَسْخَ بِإِخْلاَلِهِ بِالنَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُقَارَنًا؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ نَقْصًا فِي عُرْفِ النَّاسِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَال الأَْذْرَعِيُّ عَنْهُ إِنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الأَْرْجَحُ دَلِيلًا وَنَقْلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا ابْنُ قُدَامَةَ، فِي حِينِ أَنَّ أَكْثَر كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ لَمْ يَرْوِ غَيْرَهَا فِي الْمَذْهَبِ (٢) .

ب - وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْغِنَى فِي الْكَفَاءَةِ؛ لأَِنَّ الْمَال ظِلٌّ زَائِلٌ، وَهُوَ يَرُوحُ وَيَغْدُو، وَلاَ يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْل الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل: إِنَّهُ لَيْسَ لِلأُْمِّ الاِعْتِرَاضُ عَلَى الأَْبِ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ فَقِيرٍ، خِلاَفًا لِمَنْ قَال - بِاعْتِبَارِ الْغِنَى - بِأَنَّ لَهَا الاِعْتِرَاضَ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْغِنَى هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ وَالشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ

_________

(١) حديث فاطمة بنت قيس: " أما معاوية فصعلوك. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١١٤) .

(٢) البدائع ٢ / ٣١٩، ومنح الجليل ٢ / ٤٦، والقوانين الفقهية ٢٠٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٧، والمهذب ٢ / ٤٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٧، والمغني ٦ / ٤٨٤.

ذَكَرَهَا ابْنُ قُدَامَةَ (١) .

وَالْغِنَى الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَالنَّفَقَةِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَنَفَقَتِهَا يَكُونُ كُفْئًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ لاَ يُسَاوِيهَا فِي الْمَال، وَمَنْ لاَ يَمْلِكُ مَهْرًا وَلاَ نَفَقَةً فَلاَ يَكُونُ كُفْئًا لِلْغَنِيَّةِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْغِنَى؛ لأَِنَّ الْغِنَى لاَ ثَبَاتَ لَهُ؛ لأَِنَّ الْمَال غَادٍ وَرَائِحٌ، وَهَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَائِلُونَ بِاعْتِبَارِ الْغِنَى فِي الْكَفَاءَةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُْصُول: أَنْ تُسَاوِيَ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ فِي الْغِنَى شَرْطُ تَحَقُّقِ الْكَفَاءَةِ؛ لأَِنَّ التَّفَاخُرَ يَقَعُ فِي الْغِنَى عَادَةً (٢) .

_________

(١) منح الجليل ٢ / ٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٧، والمغني ٦ / ٤٨٥.

(٢) البدائع ٢ / ٣١٩، والقوانين الفقهية / ٢٠٢، والمهذب ٢ / ٤٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٦٧، والمغني ٦ / ٤٨٤.

غِنَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغِنَاءُ - بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ - لُغَةً اسْمٌ مِنَ التَّغَنِّي، وَلَهُ مَعَانٍ مِنْهَا: مَا طَرِبَ بِهِ مِنَ الصَّوْتِ وَالسَّمَاعِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَالتَّطْرِيبُ، وَالتَّرَنُّمُ بِالْكَلاَمِ الْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِ وَيَكُونُ مَصْحُوبًا بِالْمُوسِيقَى وَغَيْرَ مَصْحُوبٍ، وَالْغَنَاءُ بِالْفَتْحِ: النَّفْعُ، وَالْغِنَى بِالْكَسْرِ: الْيَسَارُ (١) .

وَالْغِنَاءُ اصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالشِّعْرِ وَمَا قَارَبَهُ مِنَ الرِّجْزِ عَلَى نَحْوٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.

وَعَرَّفَهُ آخَرُونَ بِأَنَّهُ: رَفْعُ الصَّوْتِ الْمُتَوَالِي بِالشِّعْرِ وَغَيْرِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَرْعِيِّ الْخَاصِّ فِي الْمُوسِيقَى، لِيُدْرَجَ فِيهِ الْبَسِيطُ الْمُسَمَّى بِالاِسْتِبْدَاءِ، أَوِ السَّاذَجِ فَإِنَّهُ صَوْتٌ مُجَرَّدٌ مِنْ غَيْرِ شِعْرٍ وَلاَ رَجَزٍ، لَكِنَّهُ عَلَى تَرْتِيبٍ خَاصٍّ مَضْبُوطٍ مِنْ أَهْل

_________

(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط، ومختار الصحاح.