الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
فِضَّةٍ (١) .
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْغِنَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُؤَال صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَبَيْنَ سُؤَال الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، فَقَالُوا: غَيْرُ الْمُحْتَاجِ مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى طَلَبِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ قُوتُ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُؤَال الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الأَْخْذُ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُتَصَدِّقِ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ، أَوْ كَانَ تَطَوُّعًا (٢) .
وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: يُكْرَهُ التَّعَرُّضُ لأَِخْذِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ إِلاَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَسُؤَال الْغَنِيِّ حَرَامٌ إِنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَمَنْ يَمُونُهُ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، وَسُتْرَتَهُ، وَآنِيَةٌ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَالأَْوْجَهُ جَوَازُ سُؤَال مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِنْ كَانَ السُّؤَال عِنْدَ نَفَادِ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَيَسِّرٍ، وَإِلاَّ امْتَنَعَ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ غَايَةَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ، وَنَازَعَ الأَْذْرَعِيُّ فِي التَّحْدِيدِ بِهَا، ثُمَّ قَال فِي النِّهَايَةِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤَال مَا اعْتِيدَ سُؤَالُهُ - مِنْ قَلَمٍ وَسِوَاكٍ - مِنَ الأَْصْدِقَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا لاَ يُشَكُّ فِي رِضَا بَاذِلِهِ وَإِنْ عَلِمَ غِنَى آخِذِهِ لاَ حُرْمَةَ فِيهِ وَلَوْ عَلَى الْغَنِيِّ، لاِعْتِيَادِ الْمُسَامَحَةِ بِهِ، ثُمَّ قَال أَيْضًا فِي النِّهَايَةِ: وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
_________
(١) الحطاب ٢ / ٣٤٧، ٣٤٨.
(٢) الحطاب ٢ / ٣٤٨.
وَغَيْرِهِ: مَتَى أَذَلّ نَفْسَهُ أَوْ أَلَحَّ فِي السُّؤَال أَوْ آذَى الْمَسْئُول حَرُمَ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا، كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلاَحِ (١) .
وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ نَقْلًا عَنْ الْحَاوِي: الْغَنِيُّ بِمَالٍ أَوْ بِصَنْعَةٍ سُؤَالُهُ حَرَامٌ، وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ (٢) .
وَفِي الْفُرُوعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ، وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: يَحْرُمُ السُّؤَال لاَ الأَْخْذُ عَلَى مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ غَدَاءً وَعَشَاءً، ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْغِنَى الَّذِي يَمْنَعُ السُّؤَال، وَعَنْ أَحْمَدَ: غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَعَنْهُ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْخَلاَّل، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ كُل يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَل أَكْثَر مِنْ قُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ خَافَ أَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُعْطِيهِ أَوْ خَافَ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ السُّؤَال أُبِيحَ لَهُ السُّؤَال أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَسْأَل فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ لِسَنَةٍ، وَعَلَى هَذَا يَنْزِل الْحَدِيثُ فِي الْغِنَى بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَإِنَّهَا تَكْفِي الْمُنْفَرِدَ الْمُقْتَصِدَ لِسَنَتِهِ (٣) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ١٦٩، ١٧٠.
(٢) القليوبي ٣ / ٢٠٤.
(٣) الفروع ٢ / ٥٩٤، ٥٩٥، كشاف القناع ٢ / ٢٧٣.
الْحَجْرُ عَلَى الْغَنِيِّ بِسَبَبِ إِسْرَافِهِ وَتَبْذِيرِهِ:
١٣ - مِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْمَال مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنَ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ عَدَمُ الإِْسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ فِيهِ، كَصَرْفِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ، أَوْ فِيمَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ وَضَرَرٌ، كَالصَّرْفِ فِي شِرَاءِ الْخَمْرِ، وَآلاَتِ اللَّهْوِ وَالْقِمَارِ، وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَهُوَ سَفِيهٌ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، كَمَا يُحْجَرُ عَلَى الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهِ.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ ﷾ عَنْ إِيتَاءِ السُّفَهَاءِ أَمْوَالَهُمْ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَل اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١) وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ أَمْوَال الْيَتَامَى إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ ﷾ أَضَافَهَا إِلَى الأَْوْلِيَاءِ لأَِنَّهُمْ قُوَّامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ ﷾ عَنْ أَنْ يُؤْتَوْهَا الْيَتَامَى حَتَّى يَبْلُغُوا الرُّشْدَ فَقَال تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢)، أَيْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَعَلِمْتُمْ مِنْهُمْ حِفْظًا لأَِمْوَالِهِمْ وَصَلاَحِهِمْ فِي تَدْبِيرِ مَعَايِشِهِمْ فَادْفَعُوهَا إِلَيْهِمْ.
_________
(١) سورة النساء / ٥.
(٢) سورة النساء / ٦.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: قَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: الرُّشْدُ الصَّلاَحُ فِي الْمَال، وَالإِْنْسَانُ إِذَا كَانَ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي كَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ، أَوْ يَتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْفَسَادِ، فَهُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ؛ لِتَبْذِيرِهِ مَالَهُ وَتَضْيِيعِهِ إِيَّاهُ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى السَّفِيهِ حِفَاظًا عَلَى مَالِهِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّغِيرَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ لِرُشْدِهِ وَبُلُوغِهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى السَّفَهِ أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حَجْرٍ ف ١١، ١٢، ١٣)
الْغِنَى الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ:
١٤ - الْغِنَى الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ نَوْعَانِ: غِنًى تَجِبُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَغِنًى مَانِعٌ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ.
وَالْغِنَى الْمُعْتَبَرُ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ هُوَ كَوْنُ الْمَال الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ فَاضِلًا عَنْ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٦٩ - ١٧٠، والاختيار ٢ / ٩٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٧٠، والمهذب ١ / ٣٣٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٧٠، والمهذب ١ / ٣٣٨، والمغني ٤ / ٥٠٥، ٥١٨، وكشاف القناع ٣ / ٤٤٥.
الْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ لأَنْ بِهِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْغِنَى (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (زَكَاةٍ ف ٢٨، ٣١)
وَالْغِنَى أَيْضًا هُوَ الأَْصْل فِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُعْطَى الزَّكَاةُ لِغَنِيٍّ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (٣) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغِنَى الْمَانِعِ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ عَلَى مَذَاهِبَ، وَالتَّفْصِيل فِي (زَكَاةٍ ف ١٥٩) .
أَثَرُ الْغِنَى فِي أَدَاءِ الْكَفَّارَاتِ:
١٥ - لِلْغِنَى أَثَرٌ فِي أَدَاءِ الْكَفَّارَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ عَنْ ظِهَارٍ، أَمْ قَتْلٍ، أَمْ إِفْطَارٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَمْ حِنْثٍ فِي يَمِينٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاجِبُ فِي الأَْدَاءِ عَلَى التَّعْيِينِ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل، أَمْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى
_________
(١) البدائع ٢ / ١١، ١٥، ٤٨، والدسوقي ١ / ٤٩٢، ٤٩٤، والحطاب ٢ / ٣٤٦ وما بعدها، وحاشية الجمل ٤ / ٩٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٢، والمغني ٢ / ٦٦١.
(٢) سورة التوبة / ٦٠.
(٣) حديث: " لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٨٥) من حديث رجلين من الصحابة، ونقل ابن حجر في التلخيص ٣ / ١٠٨ عن أحمد أنه قال: ما أجوده من حديث.
التَّخْيِيرِ فِي أَنْوَاعِهَا كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَالْغِنَى الْمُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ مَا يُؤَدِّي بِهِ النَّوْعَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ؛ لأَِنَّ مَا اسْتَغْرَقَتْهُ حَاجَةُ الإِْنْسَانِ كَالْمَعْدُومِ فِي جَوَازِ الاِنْتِقَال إِلَى الْبَدَل.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ تُعْتَبَرُ بِمِلْكِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِعِلاَجِ مَرَضٍ، وَسَكَنٍ لاَ فَضْل فِيهِ عَلَى مَا يَسْكُنُهُ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيُكَفِّرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ كُتُبِ فِقْهٍ وَحَدِيثٍ مُحْتَاجٍ لَهَا، وَلِلْمُرَاجَعَةِ فِيهَا، فَيُبَاعُ ذَلِكَ وَيُكَفِّرُ بِثَمَنِهِ، قَال الْعَدَوِيُّ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: وَلاَ يُتْرَكُ لَهُ قُوتُهُ، وَلاَ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ، لإِتْيَانِهِ بِمُنْكَرٍ مِنَ الْقَوْل (١) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ الْغِنَى بِالنِّسْبَةِ لأَِدَاءِ الْكَفَّارَةِ، هَل هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، أَوْ وَقْتُ الأَْدَاءِ؟ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الأَْدَاءِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا بَدَلٌ
_________
(١) البدائع ٥ / ٩٧ إلى ١١٢، والدسوقي ٢ / ٤٥٠، والمواق ٤ / ١٢٧، وحاشية العدوي على هامش الخرشي ٤ / ١١٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٤ - ٣٦٧، والمهذب ٢ / ١١٥ - ١١٦، وكشاف القناع ٥ / ٣٧٧ - ٣٧٨.
مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، فَاعْتُبِرَ حَال أَدَائِهَا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَلاَ يُعْطَى مِنَ الْكَفَّارَاتِ لِغَنِيٍّ يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ (١) . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَّارَة) .
أَثَرُ الْغِنَى فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلزَّوْجَةِ:
١٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ لِلزَّوْجَةِ تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ، وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣) وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدِ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ. (٤)
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ: هَل الْعِبْرَةُ فِي
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٩٧، ٢ / ٤٧، والحطاب ٢ / ٤٣٢، والمدونة ٢ / ١٢٠ - ١٢١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٥، ونهاية المحتاج ٣ / ١٩٨ - ١٩٩، والمغني ٣ / ١٣٢، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٣.
(٢) سورة الطلاق / ٧.
(٣) سورة الطلاق / ٦.
(٤) حديث: " خذي من مال. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٧) ومسلم (٣ / ١٣٣٨) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.
الإِْنْفَاقِ بِيَسَارِ الزَّوْجِ فَقَطْ، أَمِ الْعِبْرَةُ بِيَسَارِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مَعًا؟
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْخَصَّافِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ تَكُونُ الْعِبْرَةُ فِي النَّفَقَةِ بِحَال الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مَعًا فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ، وَدَلِيلُهُمْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ: خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ. فَاعْتَبَرَ حَالَهَا، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ، وَالْفَقِيرَةُ لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى كِفَايَةِ الْمُوسِرَاتِ، فَلاَ مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي النَّفَقَةِ تَكُونُ بِحَال الزَّوْجِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١) فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ.
وَالْيَسَارُ الْمُعْتَبَرُ فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلزَّوْجَةِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى النَّفَقَةِ بِالْمَال أَوْ بِالْكَسْبِ (٢) .
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (نَفَقَةٍ) .
اعْتِبَارُ الْغِنَى فِي نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ
_________
(١) سورة الطلاق / ٧.
(٢) الهداية ٢ / ٣٩ - ٤٠، والاختيار ٤ / ٤، والبدائع ٤ / ٢٤، وجواهر الإكليل ١ / ٤٠٢، والمهذب ٢ / ١٦٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٢٦، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٤٣ - ٢٤٤، والمغني ٧ / ٥٦٣ وما بعدها.
الْغِنَى وَالْيَسَارِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الأَْبَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ.
وَحَدُّ الْغِنَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِلْكُ نِصَابِ الزَّكَاةِ زَائِدًا عَنْ حَاجَتِهِ الأَْصْلِيَّةِ وَحَاجَاتِ عِيَالِهِ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَقَال مُحَمَّدٌ: إِذَا كَانَ لَهُ نَفَقَةُ شَهْرٍ وَعِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَةِ شَهْرٍ لَهُ وَلِعِيَالِهِ، أُجْبِرَ عَلَى نَفَقَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَأَمَّا مَنْ لاَ شَيْءَ لَهُ وَهُوَ يَكْتَسِبُ كُل يَوْمٍ دِرْهَمًا وَيَكْتَفِي مِنْهُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ مَا يَتَّسِعُ بِهِ، وَيُنْفِقُ فَضْلَهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَقَوْل مُحَمَّدٍ هُوَ الأَْوْفَقُ كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ.
وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَ الْيَسَارِ دُونَ تَحْدِيدٍ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُعْسِرِ لِوَالِدَيْهِ تَكَسُّبٌ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِمَا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى التَّكَسُّبِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إِلاَّ عَلَى مُوسِرٍ أَوْ مُكْتَسِبٍ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ مَا يُنْفِقُ عَلَى قَرِيبِهِ، وَأَمَّا مَنْ لاَ يَفْضُل عَنْ نَفَقَتِهِ شَيْءٌ
_________
(١) الاختيار ٤ / ١٢، والبدائع ٤ / ٣٠، وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٤٠٦، والشرح الصغير ١ / ٥٢٥ - ٥٢٦ ط الحلبي.
فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ (١) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضْلٌ غَيْرَ مَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁؛ وَلأَِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ مُوَاسَاةٌ وَنَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عِوَضٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ؛ وَلأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ لِحَاجَتِهِ فَقُدِّمَتْ عَلَى نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ.
وَقَالُوا إِنَّهُ يَلْزَمُ كَسُوبًا - إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ - كَسْبُهَا فِي الأَْصَحِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (٢) وَلأَِنَّ الْقُدْرَةَ بِالْكَسْبِ كَالْقُدْرَةِ بِالْمَال (٣) .
اعْتِبَارُ الْغِنَى فِيمَنْ يَتَحَمَّل الدِّيَةَ:
١٨ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَحَمَّل الدِّيَةَ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا قَادِرًا عَلَى دَفْعِ مَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّيَةِ.
_________
(١) حديث: " إذا كان أحدكم فقيرًا. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٢٦٦) من حديث جابر بن عبد الله، وأصله في صحيح مسلم (٢ / ٦٩٣) .
(٢) حديث: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) المهذب ٢ / ١٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٨، والمغني ٧ / ٥٨٤، وكشاف القناع ٥ / ٤٨١، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٥٥.