الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
د - الْفَقْرُ.
٥ - الْفَقْرُ: الْعَوَزُ، وَالْحَاجَةُ، وَالْهَمُّ، وَالْحِرْصُ. وَالْفَقْرُ ضِدُّ الْغِنَى.
قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَقَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وَالْمِسْكِينُ مِثْلُهُ (١) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ كِلاَهُمَا يَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى، إِلاَّ أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْمِسْكِينِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، (٢) وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالأَْهَمِّ فَالأَْهَمِّ، وَقِيل: الْعَكْسُ. (٣)
حُكْمُ طَلَبِ الْغِنَى:
٦ - طَلَبُ الْغِنَى أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الإِْسْلاَمِ، وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْكَثِيرُ مِنَ الآْيَاتِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى طَلَبِ الرِّزْقِ وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (٤)، وَيَقُول سُبْحَانَهُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) سورة التوبة / ٦٠.
(٣) المغني ٦ / ٤٢٠.
(٤) سورة الجمعة / ١٠.
وَتَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَل لَكُمُ الأَْرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (١)، يَقُول ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ فَسَافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَْرْضِ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَقَالِيمِهَا وَأَرْجَائِهَا فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ (٢) .
وَطَلَبُ الْغِنَى قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْعَى الإِْنْسَانُ لِيَكْسِبَ مَا تَحْصُل بِهِ كِفَايَةُ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَيُغْنِيهِ عَنِ السُّؤَال (٣) .
وَقَدْ يَكُونُ طَلَبُ الْغِنَى مُسْتَحَبًّا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْعَى الإِْنْسَانُ لِيَكْسِبَ مَا يَزِيدُ عَلَى نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ يَعُولُهُ، بِقَصْدِ مُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ وَمُجَازَاةِ الأَْقَارِبِ، وَطَلَبُ الْغِنَى بِهَذِهِ النِّيَّةِ أَفْضَل مِنَ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ طَلَبُ الْغِنَى مُبَاحًا، وَهُوَ مَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَةِ وَقَصَدَ بِطَلَبِهِ التَّجَمُّل وَالتَّنَعُّمَ.
وَيُكْرَهُ طَلَبُ الْغِنَى بِجَمْعِ الْمَال لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ وَالْبَطَرِ وَالأَْشَرِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ طَرِيقٍ حَلاَلٍ (٥)، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلاَلًا مُكَاثِرًا
_________
(١) سورة الملك / ١٥.
(٢) مختصر تفسير ابن كثير ٣ / ٥٢٨.
(٣) المبسوط ٣٠ / ٢٥٠، والاختيار ٤ / ١٧٢، والآداب الشرعية ٣ / ٢٧٨، ٢٨٢.
(٤) المبسوط ٣٠ / ٢٥٠، والاختيار ٤ / ١٧٢.
(٥) الاختيار ٤ / ١٧٢.
مُفَاخِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (١)
وَيَحْرُمُ طَلَبُ الْغِنَى إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ حَرَامًا كَالرِّبَا وَالرِّشْوَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) الاِسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُول: لاَ تَتَعَاطَوُا الأَْسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الأَْمْوَال (٣) .
الْغِنَى الْمَحْمُودُ وَفَضْلُهُ:
يَكُونُ الْغِنَى مَحْمُودًا إِذَا تَحَقَّقَ فِيهِ مَا يَأْتِي:
٧ - أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ السُّبُل الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى كَسْبِ الْمَال مَشْرُوعَةً وَجَائِزَةً، وَاللَّهُ ﷾ يَدْعُو إِلَى الْكَسْبِ الْحَلاَل الطَّيِّبِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَْرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ (٤)، يَقُول الْقُرْطُبِيُّ: وَذَلِكَ بِخُلُوِّهِ مِنَ الرِّبَا وَالْحَرَامِ وَالسُّحْتِ (٥) . وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ
_________
(١) حديث: " من طلب الدنيا حلالًا مكاثرًا. . . ". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣ / ١١٠) من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده العراقي (٣ / ٢١٧ - بهامش الإحياء) .
(٢) سورة النساء / ٢٩.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير ١ / ٣٧٨.
(٤) سورة البقرة / ١٦٨.
(٥) القرطبي ٢ / ٨.
: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَل إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُل كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١)، وَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُل يُطِيل السَّفَرَ أَشْعَث أَغْبَر يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ (٣)
وَنَهَى اللَّهُ ﷾ عَنْ أَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، فَقَال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . (٤)
وَالْبَاطِل يَشْمَل مَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، كَالْغِشِّ وَالرِّشْوَةِ وَالْغَصْبِ وَالْقِمَارِ وَالاِسْتِغْلاَل وَالرِّبَا، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ. وَيَقُول الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى
_________
(١) سورة المؤمنون / ٥١.
(٢) سورة البقرة / ١٧٢.
(٣) القرطبي ٢ / ٢١٥، ومختصر تفسير ابن كثير ١ / ١٤٩، ١٥٠، وِأسهل المدارك ٣ / ٣٤٦. وحديث: " أيها الناس، إن الله طيب. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٠٣) من حديث أبي هريرة.
(٤) سورة النساء / ٢٩.
الْحُكَّامِ﴾ (١): يَدْخُل فِي هَذَا الْقِمَارُ وَالْخِدَاعُ وَالْغُصُوبُ وَجَحْدُ الْحُقُوقِ وَمَا لاَ تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ مَالِكِهِ (٢) .
٨ - ثَانِيًا: مِمَّا يَجْعَل الْغِنَى مَحْمُودًا أَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ اللَّهِ فِي هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَشُكْرُ اللَّهِ فِي النِّعْمَةِ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ هُوَ: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خُلِقَ لأَِجْلِهِ (٣) . وَقَال الْحَلِيمِيُّ: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ (٤) . قَال تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٥)، وَقَال تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (٦)
وَفِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ: الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى، وَالْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ (٧)، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِنْفَاقِ الْمَال فِي الأُْمُورِ الْمَشْرُوعَةِ، وَعَدَمِ إِنْفَاقِهِ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ: الْحُقُوقُ فِي الْغِنَى هِيَ: أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ، وَالتَّطَوُّعُ بِالْمَنْدُوبَاتِ، وَالشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعَدَمُ الطُّغْيَانِ
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٨.
(٢) القرطبي ٢ / ٣٣٨.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٤، ٥، والحطاب ١ / ٥.
(٤) المنهاج في شعب الإيمان ٢ / ٥٤٥، ٥٥٥.
(٥) سورة البقرة / ١٥٢.
(٦) سورة سبأ / ١٥.
(٧) الآداب الشرعية ٣ / ٣٢٥.
بِالْمَال (١) . وَيَقُول ابْنُ كَثِيرٍ: حُبُّ الْمَال تَارَةً يَكُونُ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلاَءِ، وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَالتَّجَبُّرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهَذَا مَذْمُومٌ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَاتِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ، وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ، فَهَذَا مَمْدُوحٌ مَحْمُودٌ شَرْعًا (٢) .
٩ - وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْغِنَى أَفْضَل، قَالُوا: لأَِنَّ الْغَنِيَّ يَقْدِرُ عَلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْفَقِيرُ، كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ (٣)، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْغِنَى نِعْمَةٌ، وَالْفَقْرَ بُؤْسٌ وَنِقْمَةٌ وَمِحْنَةٌ، وَلاَ يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ أَنَّ النِّعْمَةَ أَفْضَل مِنَ النِّقْمَةِ وَالْمِحْنَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَال فَضْلًا، فَقَال ﷿: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (٤) وَقَال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥)، وَمَا هُوَ فَضْل اللَّهِ فَهُوَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَال خَيْرًا، فَقَال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ (٦)، وَهَذَا
_________
(١) القوانين الفقهية ص ٤٢٧ - ٤٢٨ ط دار الكتاب العربي.
(٢) مختصر ابن كثير ١ / ٢٧٠.
(٣) القوانين الفقهية ص٤٢٧ - ٤٢٨.
(٤) سورة الجمعة / ١٠.
(٥) سورة البقرة / ١٩٨.
(٦) سورة البقرة / ١٨٠.
اللَّفْظُ يَدُل عَلَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلًا﴾ (١)، يَعْنِي الْمُلْكَ وَالْمَال، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. (٣)
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِنَى مِنْ أَحْكَامٍ:
١٠ - يَتَعَلَّقُ بِالْغِنَى أَحْكَامٌ مِنْ حَيْثُ الإِْعْطَاءُ، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِبًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ كَانَ الإِْعْطَاءُ مُسْتَحَبًّا كَالتَّبَرُّعَاتِ، أَوْ كَانَ الإِْعْطَاءُ حَرَامًا كَالإِْنْفَاقِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ.
كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِنَى أَحْكَامٌ مِنْ حَيْثُ الأَْخْذُ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْغَنِيِّ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْكَفَّارَاتِ، بَيْنَمَا يَحِل لَهُ الأَْخْذُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَتَعَلَّقُ بِالْغِنَى كَذَلِكَ أَحْكَامٌ مِنْ حَيْثُ
_________
(١) سورة سبأ / ١٠.
(٢) حديث: " اليد العليا خير من اليد السفلى ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٣٥) ومسلم (٢ / ٧١٧) من حديث حكيم بن حزام.
(٣) حديث: " إنك إن تذر ورثتك. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٢٦٩)، ومسلم (٣ / ١٢٥١) من حديث سعد بن أبي وقاص، وانظر المبسوط ٣٠ / ٢٥١ - ٢٥٢، وفتح الباري ١١ / ٢٧٤ - ٢٧٥.
الْعَلاَقَةُ مَعَ الْغَيْرِ، كَاعْتِبَارِ غِنَى الزَّوْجِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْغِنَى. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَثَرُ الْغِنَى فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ:
١١ - مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَكَانَ غَنِيًّا قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ، فَإِنْ مَاطَل كَانَ آثِمًا ظَالِمًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (١) وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُلْزِمَهُ بِالأَْدَاءِ بَعْدَ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ الْقَاضِي لِظُلْمِهِ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٢)، وَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ، فَإِنِ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَفَّى الْقَاضِي مِنْهُ غُرَمَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَال مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ بَاعَ الْقَاضِي عَلَيْهِ هَذَا الْمَال، أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ لأَِدَاءِ الدَّيْنِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ
_________
(١) حديث: " مطل الغنى ظلم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٦١)، ومسلم (٣ / ١١٩٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤٥ - ٤٦) من حديث الشريد بن سويد، وحسنه ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٢) .
مَالَهُ، وَقَضَى دُيُونَهُ (١)، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَاعَ مَال أُسَيْفِعَ وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ (٢) .
أَثَرُ الْغِنَى فِي تَحْرِيمِ السُّؤَال:
١٢ - بَيَّنَ الرَّسُول ﷺ مَنْ تَحِل لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَقَال لِقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ: يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لأَِحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ - يَا قَبِيصَةُ - سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (٣)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَمَدَّ إِبَاحَةِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ باع على معاذ ماله ". أخرجه الحاكم (٣ / ٢٧٣) من حديث كعب بن مالك، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) الاختيار ٢ / ٨٩ - ٩٠، والبدائع ٧ / ١٧٣، والدسوقي ٣ / ٢٧٨ - ٢٧٩، والمواق بهامش الحطاب ٥ / ٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٧، والمغني ٤ / ٤٨٤ - ٤٨٥، وكشاف القناع ٣ / ٤١٨، ٤٢٠.
(٣) حديث: " يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٢٢) .
وُجُودِ إِصَابَةِ الْقِوَامِ أَوِ السِّدَادِ؛ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ هِيَ الْفَقْرُ، وَالْغِنَى ضِدُّهَا، فَمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَهُوَ فَقِيرٌ يَدْخُل فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَمَنِ اسْتَغْنَى دَخَل فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمُحَرِّمَةِ لِلسُّؤَال.
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سُؤَال الصَّدَقَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيرِ الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ السُّؤَال (١) .
يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ السُّؤَال هُوَ: أَنْ يَكُونَ لِلإِْنْسَانِ سِدَادُ عَيْشٍ، بِأَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ (٢)، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ سَأَل وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ (٣)
وَذَكَرَ الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنْ التَّمْهِيدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ سَأَل وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ (٤) الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ السُّؤَال مَكْرُوهٌ لِمَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ
_________
(١) المغني ٢ / ٦٦٢.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٤٩.
(٣) حديث: " من سأل وعنده ما يغنيه. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٨١) من حديث سهل بن الحنظلية.
(٤) حديث: " من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.