الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
@ @ @ @ @ تَبْلُغْ حَاجَتُهُ الضَّرُورَةَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الإِْمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، مَا لَمْ يَمْنَعِ الإِْمَامُ مِنْ ذَلِكَ، قَال الدُّسُوقِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى قَوْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ إِذَا مَنَعَ الإِْمَامُ، قَال: لَكِنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ نَهَاهُمُ الإِْمَامُ ثُمَّ اضْطُرُّوا إِلَيْهِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ، وَلاَ عِبْرَةَ بِنَهْيِهِ، قَال أَبُو الْحَسَنِ: لأَِنَّ الإِْمَامَ إِذْ ذَاكَ عَاصٍ، قَال الْبُنَانِيِّ: وَأَخْذُ الْمُحْتَاجِ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَحَل جَوَازِهِ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الاِحْتِيَاجِ، لاَ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ، وَكَانَ أَخَذَ عَلَى نِيَّةِ رَدِّهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مُعْتَادًا لِمِثْلِهِ، لاَ حِزَامًا كَأَحْزِمَةِ الْمُلُوكِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهُ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلْغَانِمِ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقَسْمِ: بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ كَالشَّحْمِ وَاللَّحْمِ وَكُل طَعَامٍ يَعْتَادُونَ أَكْلَهُ عُمُومًا قَبْل الْقِسْمَةِ وَقَبْل احْتِيَازِ مِلْكِ الْغَنِيمَةِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّبَسُّطِ التَّوَسُّعُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ الْفَاكِهَةِ.
وَيَجُوزُ ذَبْحُ حَيَوَانٍ لِغَيْرِ لَحْمِهِ إِذَا قَصَدَ بِهِ الأَْكْل، كَأَنْ يَقْصِدَ أَكْل الْجِلْدِ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ بِالْجِلْدِ غَيْرَ الأَْكْل كَأَنْ يُجْعَل سِقَاءً أَوْ خِفَافًا فَلاَ يَجُوزُ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، كَمَا
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٨٤.
لاَ يَجُوزُ الذَّبْحُ لِذَلِكَ وَيَضْمَنُ ذَابِحُهُ جِلْدَهُ وَقِيمَتَهُ.
وَلاَ يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجٍ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَقِيل: يَخْتَصُّ بِهِ فَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُمَا لاِسْتِغْنَائِهِ عَنْ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ.
وَلاَ يَجُوزُ الأَْخْذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِي جَوَازِ الأَْخْذِ مُطْلَقًا لِلْغَانِمِ أَوْ لِلْمُحْتَاجِ لاَ غَيْرُ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِلْغُزَاةِ إِذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا وَجَدُوا مِنَ الطَّعَامِ وَيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُل يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ (٢) وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كُنَّا نَصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَل وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلاَ نَرْفَعُهُ (٣)؛ وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ وَفِي الْمَنْعِ مِنْهُ مَضَرَّةٌ بِالْجَيْشِ وَدَوَابِّهِمْ، فَإِنَّهُ يَصْعُبُ نَقْلُهُ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ
_________
(١) شرح المنهاج للمحلي ٤ / ٢٢٣.
(٢) حديث عبد الله بن أبي أوفى: " أصبنا طعامًا يوم خيبر. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٥١) والحاكم (٢ / ١٢٦) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) حديث ابن عمر: " كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢٥٥) .
يَجِدُونَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَا يَشْتَرُونَهُ، وَلَوْ وَجَدُوهُ لَمْ يَجِدُوا ثَمَنَهُ، وَلاَ يُمْكِنُ قِسْمَةُ مَا يَأْخُذُهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ، وَلَوْ قَسَمَ لَمْ يَحْصُل لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ أَوْ يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، فَأُبِيحَ لِلْمُجَاهِدِ ذَلِكَ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ يَقْتَاتُ بِهِ وَيَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ مِنَ الإِْدَامِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عَلَفٍ لِدَابَّتِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ فَضَل مِنْهُ مَا لاَ حَاجَةَ لَهُ بِهِ إِلَيْهِ رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. (١)
تَمَلُّكُ مَا بَقِيَ مِمَّا أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهُ قَبْل الْقَسْمِ:
٥ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا فَضَل مِمَّا أَخَذَهُ قَبْل الْقَسْمِ رُدَّ إِلَى الْغَنِيمَةِ، أَيْ هَذَا الَّذِي فَضَل مِمَّا أَخَذَهُ قَبْل الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، رَدَّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لِزَوَال حَاجَتِهِ وَالإِْبَاحَةِ بِاعْتِبَارِهَا، وَهَذَا قَبْل الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَهَا: إِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ هَالِكًا.
أَمَّا إِنْ كَانَ فَقِيرًا فَيَنْتَفِعُ بِالْعَيْنِ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ هَلَكَ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الرَّدُّ
_________
(١) المغني ٨ / ٤٣٨ ط الرياض.
صَارَ فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَرُدُّ الْفَاضِل مِنْ كُل مَا أَخَذَهُ لِلأَْكْل، إِمَّا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ إِنْ كَثُرَ بِأَنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ لِتَفَرُّقِ الْجَيْشِ تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ يَتَصَدَّقُ بِهِ كُلِّهِ وَلَوْ كَطَعَامٍ وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ، وَقَال ابْنُ الْمَوَّازِ: يَتَصَدَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَبْقَى الْيَسِيرُ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ. (٢)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَبَسَّطَهُ لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي لاَ يَلْزَمُهُ لأَِنَّ الْمَأْخُوذَ مُبَاحٌ، وَلاَ يُمْلَكُ بِالأَْخْذِ، وَإِذَا رَدَّهَا قَسَمَهَا الإِْمَامُ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلاَّ أَخْرَجَ لأَِهْل الْخُمُسِ حِصَّتَهُمْ فِيهَا، وَجَعَل الْبَاقِيَ لِلْمَصَالِحِ وَكَأَنَّ الْغَانِمِينَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَكَانَ عَدَمُ لُزُومِ حِفْظِهِ لَهُ حَتَّى يُضَمَّ لِغَيْرِهِ لأَِنَّهُ تَافِهٌ. (٣)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال فِي الْمُغْنِي: وَمَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ طَرَحَهُ فِي الْمَغْنَمِ لِلْغُزَاةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الأُْخْرَى: يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهُ إِنْ كَانَ يَسِيرًا، أَمَّا الْكَثِيرُ
_________
(١) الزيلعي ٢ / ٢٥٣.
(٢) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٤.
(٣) المنهاج وشرح المحلي عليه وتعليق عميرة ٤ / ٢٢٣.
فَيَجِبُ رَدُّهُ بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ، لأَِنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ يَفْضُل مِنْهُ كَثِيرٌ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ فَقَدْ أَخَذَ مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ، لأَِنَّ الأَْصْل تَحْرِيمُهُ؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْمَال، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ لَهُ بَيْعُهُ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ رَدُّهُ أَيْضًا، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ (١) وَلأَِنَّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَمْ يُقْسَمْ، فَلَمْ يُبَحْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ كَالْكَثِيرِ لَوْ أَخَذَهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَالثَّانِي: مُبَاحٌ، وَهُوَ قَوْل مَكْحُولٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ، قَال أَحْمَدُ: أَهْل الشَّامِ يَتَسَاهَلُونَ فِي هَذَا، وَقَدْ رَوَى الْقَاسِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: كُنَّا نَأْكُل الْجَزُورَ فِي الْغَزْوِ وَلاَ نَقْسِمُهُ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِجَالِنَا وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلأَةٌ. (٢) وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ أَدْرَكْت
_________
(١) حديث: " أدوا الخيط والمخيط ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٥٠) من حديث عبادة بن الصامت، وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٢١) .
(٢) حديث بعض أصحاب رسول الله ﷺ: " كنا نأكل الجزور في الغزو. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٥٢) وعنه البيهقي في المعرفة (١٣ / ١٨٩) ونقل البيهقي عن الشافعي أنه ضعف إسناده.
النَّاسَ يَقْدَمُونَ بِالْقَدِيدِ فَيُهْدِيهِ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، لاَ يُنْكِرُهُ عَامِلٌ وَلاَ إِمَامٌ وَلاَ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا نَقْلٌ لِلإِْجْمَاعِ؛ وَلأَِنَّهُ أُبِيحَ إِمْسَاكُهُ عَنِ الْقَسْمِ فَأُبِيحَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، كَمَا أُبِيحَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي لاَ قِيمَةَ لَهَا. وَيُفَارِقُ الْكَثِيرَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِمْسَاكُهُ عَنِ الْقِسْمَةِ لأَِنَّ الْيَسِيرَ تَجْرِي الْمُسَامَحَةُ فِيهِ وَنَقْصُهُ قَلِيلٌ بِخِلاَفِ الْكَثِيرِ. (١)
سَهْمُ الْغَال:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْغَال يَسْتَحِقُّ سَهْمَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ، قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيل: يَحْرُمُ سَهْمُهُ، وَاخْتَارَهُ الآْجُرِّيُّ وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. (٢)
مَال الْغَال الَّذِي غَلَّهُ إِذَا تَابَ:
٧ - إِذَا تَابَ الْغَال قَبْل الْقِسْمَةِ رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي الْمَغْنَمِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ رَدُّهُ لأَِصْلِهِ، فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَرُدَّ خُمُسَهُ إِلَى الإِْمَامِ وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي، وَهَذَا قَوْل الْحَسَنِ وَاللَّيْثِ وَالزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ، لِمَا
_________
(١) المغني ٨ / ٤٤٢ - ٤٤٣ ط الرياض.
(٢) شرح السير الكبير ٤ / ١٢٠٨، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٣ / ٣٥٤، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ٤ / ١٨٥ ط التراث.
رَوَى حَوْشَبٌ قَال: غَزَا النَّاسُ الرُّومَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَغَل رَجُلٌ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَمَّا قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، تَقَدَّمَ فَأَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَال: قَدْ غَلَلْت مِائَةَ دِينَارٍ فَاقْبِضْهَا، قَال: قَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَلَنْ أَقْبِضَهَا مِنْك حَتَّى تُوَافِيَ اللَّهَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ فَقَال مِثْل ذَلِكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَبْكِي، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّاعِرِ السَّكْسَكِيِّ فَقَال: مَا يُبْكِيك؟ قَال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَمُطِيعِي أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَانْطَلِقْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقُل لَهُ: خُذْ مِنِّي خُمُسَك فَأَعْطِهِ عِشْرِينَ دِينَارًا، وَانْظُرْ إِلَى الثَّمَانِينَ الْبَاقِيَةِ فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَسْمَاءَهُمْ وَمَكَانَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَل التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فَقَال مُعَاوِيَةُ: أَحْسَن وَاللَّهِ، لأَنْ أَكُونَ أَنَا أَفْتَيْت بِذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَحْسَن شَيْءٍ امْتَلَكْت (١) .
غَمُوس
انْظُرْ: أَيْمَان
_________
(١) المغني ٨ / ٤٧٣.
غِنًى
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغِنَى بِالْكَسْرِ وَبِالْقَصْرِ: الْيَسَارُ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: أَغْنَى اللَّهُ الرَّجُل حَتَّى غَنِيَ غِنًى، أَيْ صَارَ لَهُ مَالٌ.
وَالْغَنِيُّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﷿، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ، وَكُل أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الْمُطْلَقُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى (١) أَيْ مَا فَضَل عَنْ قُوتِ الْعِيَال وَكِفَايَتِهِمْ. (٢)
وَالْغِنَى يَكُونُ بِالْمَال وَغَيْرِهِ، مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَعُونَةِ، وَكُل مَا يُنَافِي الْحَاجَةَ. (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى الْغِنَى فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِلاَّ أَنَّهُمْ
_________
(١) حديث: " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٣) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص١٤٤.
يَخْتَلِفُونَ فِي الْغِنَى الْمُعْتَبَرِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكُونُ الْغِنَى فِيهَا أَسَاسًا فِي الْحُكْمِ: فَالْغِنَى الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ مَثَلًا غَيْرُ الْغِنَى الْمُعْتَبَرِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الْغِنَى أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ: غِنًى تَجِبُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَغِنًى يَحْرُمُ بِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَقَبُولُهَا، وَغِنًى يَحْرُمُ بِهِ السُّؤَال وَلاَ يَحْرُمُ بِهِ الأَْخْذُ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَال:
٢ - الْمَال لُغَةً: مَا مَلَكْته مِنْ جَمِيعِ الأَْشْيَاءِ، قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الْمَال فِي الأَْصْل مَا يُمْلَكُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُل مَا يُقْتَنَى وَيُمْلَكُ مِنَ الأَْعْيَانِ، وَمَال الرَّجُل يَمُول وَيُمَال: إِذَا صَارَ ذَا مَالٍ. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمَال مَا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ. (٣)
وَالْمَال مِنْ أُسُسِ الْغِنَى، وَالْغِنَى أَعَمُّ مِنَ الْمَال، لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالْمَال وَغَيْرِهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَعُونَةِ وَكُل مَا يُنَافِي الْحَاجَةَ. (٤)
_________
(١) البدائع ٢ / ٤٧ - ٤٨ - ٣١٩، والمغني ٦ / ٤٨٤، والمهذب ٢ / ٤٠، والمواق ٢ / ٣٤٢.
(٢) لسان العرب.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣.
(٤) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص١٤٤، والمواق ٢ / ٣٤٢.
ب - الاِكْتِسَابُ:
٣ - الاِكْتِسَابُ: طَلَبُ الرِّزْقِ وَتَحْصِيل الْمَال عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَضَافَ الْفُقَهَاءُ إِلَى ذَلِكَ مَا يُفْصِحُ عَنِ الْحُكْمِ فَقَالُوا: الاِكْتِسَابُ هُوَ تَحْصِيل الْمَال بِمَا حَل مِنَ الأَْسْبَابِ. (١)
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغِنَى، أَنَّ الاِكْتِسَابَ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِل الْغِنَى.
ج - النِّعْمَةُ:
٤ - النَّعِيمُ وَالنُّعْمَى وَالنِّعْمَةُ فِي اللُّغَةِ: الْخَفْضُ وَالدَّعَةُ وَالْمَال، وَهُوَ ضِدُّ الْبَأْسَاءِ وَالْبُؤْسِ، وَالْجَمْعُ: نِعَمٌ، وَالنِّعْمَةُ: الْيَدُ الْبَيْضَاءُ الصَّالِحَةُ، وَالصَّنِيعَةُ، وَالْمِنَّةُ.
وَنِعْمَةُ اللَّهِ: مَنُّهُ وَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعَبْدَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٣)
وَعَلَى ذَلِكَ تَكُونُ النِّعْمَةُ أَعَمَّ مِنَ الْغِنَى؛ لأَِنَّهَا تَشْمَل الْغِنَى وَغَيْرَهُ.
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب، والمبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٤٤.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب، والمعجم الوسيط.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ٢٢، ٢٤، والبدائع ٢ / ١١.