الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

غُلْمَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغُلْمَةُ فِي اللُّغَةِ - وِزَانُ غُرْفَةٍ - شِدَّةُ الشَّهْوَةِ لِلْجِمَاعِ، وَغَلِمَ غَلْمًا فَهُوَ غَلِمٌ - مِنْ بَابِ تَعِبَ - إِذَا اشْتَدَّ شَبَقُهُ وَشَهْوَتُهُ لِلْجِمَاعِ، وَأَغْلَمَهُ الشَّيْءُ: أَيْ هَيَّجَ غُلْمَتَهُ، وَيُقَال: اغْتَلَمَ الْغُلاَمُ: إِذَا بَلَغَ حَدَّ الْغُلُومَةِ مِنْ عُمْرِهِ، قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: وَلَمَّا كَانَ مَنْ بَلَغَ هَذَا الْحَدَّ كَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّبَقُ قِيل لِلشَّبَقِ: غُلْمَةٌ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الشَّهْوَةُ:

٢ - أَصْل الشَّهْوَةِ نُزُوعُ النَّفْسِ وَاشْتِيَاقُهَا إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي تُرِيدُهُ، وَهِيَ حَرَكَةٌ لِلنَّفْسِ

_________

(١) المفردات في غريب القرآن، المصباح المنير، المعجم الوسيط، والمغرب في ترتيب المعرب، ومغني المحتاج ١ / ٤٤٥.

طَلَبًا لِلْمُلاَئِمِ، وَيُقَال: رَجُلٌ شَهْوَانُ وَشَهْوَانِيٌّ: أَيْ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِي الْمَلَذَّاتِ، وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى الشَّهْوَةِ، وَامْرَأَةٌ شَهْوَى.

وَاصْطِلاَحًا: لاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (١)

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْغُلْمَةَ نَوْعٌ مِنَ الشَّهْوَةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغُلْمَةِ:

٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ لِلْمُكَفِّرِ الْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ الْعُدُول عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِْطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، أَيْ حَاجَتِهِ الشَّدِيدَةِ لِلْوَطْءِ؛ لِئَلاَّ يَقَعَ فِيهِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ فَيَحْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَهُوَ حَرَجٌ شَدِيدٌ. قَالُوا: لأَِنَّ حَرَارَةَ الصَّوْمِ وَشِدَّةَ الْغُلْمَةِ قَدْ يُفْضِيَانِ بِهِ إِلَى الْوِقَاعِ، وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ، وَذَلِكَ يُبْطِل التَّتَابُعَ، وَلأَِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَمَرَ الْمُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ قَال لَهُ الرَّجُل: وَهَل أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلاَّ مِنَ الصِّيَامِ، فَأَمَرَهُ بِالإِْطْعَامِ، (٢) قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُ رَمَضَانَ لِسَبَبِ الْغُلْمَةِ؛ لأَِنَّ رَمَضَانَ لاَ بَدِيل عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهِ لَيْلًا،

_________

(١) المصباح المنير، والمغرب في ترتيب المعرب.

(٢) حديث: " هل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦٢) وفي إسناده انقطاع كما في تحفة المحتاج لابن الملقن (٢ / ٤٠٦) .

بِخِلاَفِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَثَلًا لاِسْتِمْرَارِ حُرْمَتِهِ إِلَى الْفَرَاغِ مِنْ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّوْمِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُول عَنْهُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ. (١)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْغُلْمَةِ وَمَنْ بِهِ شَبَقٌ أَنْ يُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ إِذَا خَافَ تَشَقُّقَ ذَكَرِهِ مِنَ الْغُلْمَةِ، أَوْ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ أَوْ مَثَانَتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، بَل يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ.

قَالُوا: وَإِنِ انْدَفَعَتْ شَهْوَتُهُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَالاِسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ، أَوْ يَدِ زَوْجَتِهِ وَكَالْمُفَاخَذَةِ أَوِ الْمُضَاجَعَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْوَطْءُ، فَهُوَ كَالصَّائِل يَنْدَفِعُ بِالأَْسْهَل فَالأَْسْهَل.

وَيَجُوزُ لَهُ إِفْسَادُ صَوْمِ زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ لِلضَّرُورَةِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ لاَ يُفْسِدَ صَوْمَ زَوْجَتِهِ فَلاَ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ لاِنْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ.

وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى وَطْءِ حَائِضٍ وَصَائِمَةٍ بَالِغَةٍ - بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا - فَوَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى مِنْ وَطْءِ الْحَائِضِ؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ وَطْءِ الْحَائِضِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الصَّائِمَةُ بَالِغَةً فَيَجِبُ

_________

(١) تحفة المحتاج ٣ / ٤٥٢، نهاية المحتاج ٣ / ١٩٩، مغني المحتاج ١ / ٤٤٥.

اجْتِنَابُ الْحَائِضِ لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ، وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ.

وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْغُلْمَةِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ لِدَوَامِ شَبَقِهِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْكَبِيرِ الَّذِي عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ، فَيُطْعِمُ عَنْ كُل يَوْمٍ مِسْكِينًا.

وَتَجْرِي أَحْكَامُ صَاحِبِ الْغُلْمَةِ أَوِ الشَّبَقِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فِي جَوَازِ الْوَطْءِ وَإِفْسَادِ صَوْمِ زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا - عَلَى مَنْ بِهِ مَرَضٌ يَنْتَفِعُ بِالْجِمَاعِ. (١)

وَكَمَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الشَّبَقِ أَنْ يُفْطِرَ بِالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى الإِْطْعَامِ بَدَل الصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمُرَتَّبَةِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَثَلًا، فَمَذْهَبُهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَّارَة) .

_________

(١) المغني لابن قدامة ٣ / ١٤١، كشاف القناع ٢ / ٣١١ - ٣٢٣، كشف المخدرات ص١٥٧.

(٢) كشاف القناع ٥ / ٣٨٥.

غُلُول

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الْغُلُول فِي اللُّغَةِ: الْخِيَانَةُ، يُقَال: غَل مِنَ الْمَغْنَمِ غُلُولًا أَيْ خَانَ، وَأَغَل مِثْلَهُ. (١)

وَالْغُلُول فِي الاِصْطِلاَحِ: أَخْذُ شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ وَلَوْ قَل، أَوِ الْخِيَانَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل حَوْزِهَا، أَوِ الْخِيَانَةُ مِنَ الْمَغْنَمِ، (٢) لأَِنَّ صَاحِبَهُ يَغُلُّهُ أَيْ يُخْفِيهِ فِي مَتَاعِهِ، أَوْ هُوَ السَّرِقَةُ مِنَ الْمَغْنَمِ.

وَعَرَّفَ ابْنُ قُدَامَةَ الْغَال بِأَنَّهُ: الَّذِي يَكْتُمُ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلاَ يَطَّلِعُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ وَلاَ يَضَعُهُ مَعَ الْغَنِيمَةِ. (٣)

وَقَال النَّوَوِيُّ: وَأَصْل الْغُلُول الْخِيَانَةُ مُطْلَقًا وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ خَاصَّةً فِي الْخِيَانَةِ فِي الْغَنِيمَةِ. (٤)

_________

(١) مختار الصحاح والمصباح المنير.

(٢) الشرح الصغير ٢ / ٢٧٩، والدسوقي ٢ / ١٧٩.

(٣) البحر الرائق ٥ / ٨٣، وابن عابدين ٣ / ٢٢٤، والمغني ٨ / ٤٧٠ ط المنار.

(٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٤ / ٢١٦، وانظر ابن عابدين ٣ / ٢٢٤، والزرقاني ٣ / ٢٨.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُلُول حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُل وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِمَا غَل يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَلاَ أَنْ يَبْتَاعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ، وَلاَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ، وَلاَ يَرْكَبُ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهُ فِيهِ. (٢)

قَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الْغُلُول، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مَا غَلَّهُ. (٣)

عُقُوبَةُ الْغَال:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْغَال مِنَ الْغَنِيمَةِ يُعَزَّرُ وَلاَ يُقْطَعُ؛ لأَِنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَطْعِهِ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.

_________

(١) `سورة آل عمران / ١٦١.

(٢) حديث: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ١٠٨) من حديث رويفع بن ثابت.

(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٢١٧.

وَوَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا كَانَ قَبْل الْحَوْزِ أَوْ دُونَ النِّصَابِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ نِصَابًا بَعْدَ الْحَوْزِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا كَوْنَهُ مِنَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ بَعْدَ الْحَوْزِ نِصَابًا فَوْقَ مَنَابِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ. (١)

وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لاَ يُحْرَقُ رَحْلُهُ وَلاَ مَتَاعُهُ؛ لأَِنَّ الإِْحْرَاقَ إِضَاعَةٌ لِلْمَال، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. (٢)

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ مَنْ غَل مِنَ الْغَنِيمَةِ حُرِقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ وَمَتَاعُهُ كُلُّهُ، إِلاَّ الْمُصْحَفَ وَمَا فِيهِ رُوحٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: إِذَا وَجَدْتُمِ الرَّجُل قَدْ غَل فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ (٣)

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٢١٧ - ٢١٨، والشرح الصغير ٢ / ٢٧٩، ٢٨٠، والبحر الرائق ٥ / ٦٢ - ٦٣، والمغني ٨ / ٤٩١.

(٢) حديث: " نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٤٠) ومسلم (٣ / ١٣٤١) من حديث المغيرة بن شعبة.

(٣) حديث: " إذا وجدتم الرجل قد غل. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٥٧) من حديث عمر بن الخطاب، وأورده ابن حجر في التلخيص (٤ / ١١٤) وذكر تضعيف أحد رواته.

مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلاَ يُعْتَبَرُ غُلُولًا:

٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل قَسْمِهَا بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِلدَّوَابِّ، سَوَاءٌ أَذِنَ الإِْمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيَنْتَفِعُ الْغَانِمُ مِنْهَا، لاَ التَّاجِرُ وَلاَ الدَّاخِل لِخِدْمَةِ الْغَانِمِ بِأَجْرٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ خَبَزَ الْحِنْطَةَ أَوْ طَبَخَ اللَّحْمَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ لأَِنَّهُ مَلَكَهُ بِالاِسْتِهْلاَكِ، وَيَنْتَفِعُ الْغَانِمُ مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِلاَ قِسْمَةٍ بِالسِّلاَحِ وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ - إِنِ احْتِيجَ لِلسِّلاَحِ وَالدَّابَّةِ وَاللُّبْسِ - إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِل كُل ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَبِالْعَلَفِ وَالدُّهْنِ وَالطِّيبِ مُطْلَقًا، أَيْ يَنْتَفِعُ بِهَا سَوَاءً وُجِدَ الاِحْتِيَاجُ أَمْ لَمْ يُوجَدْ. وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ: وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَعْلِفَ الْعَسْكَرُ دَوَابَّهُمْ وَيَأْكُلُوا مَا وَجَدُوا مِنَ الطَّعَامِ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَمَا يُسْتَعْمَل فِيهِ كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ، وَيَسْتَعْمِلُوا الْحَطَبَ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إِلَيْهَا، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَال كُل ذَلِكَ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ بِلاَ قِسْمَةٍ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ، وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَاجَةَ اسْتِحْسَانًا، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊

فِي طَعَامِ خَيْبَرَ: كُلُوا وَاعْلِفُوا وَلاَ تَحْمِلُوا، (١) وَلأَِنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيل الْحَاجَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلاَفِ السِّلاَحِ وَالدَّوَابِّ لاَ يَسْتَصْحِبُهَا فَلاَ يُوجَدُ دَلِيل الْحَاجَةِ فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَقَيَّدَ جَوَازَ الاِنْتِفَاعِ بِمَا إِذَا لَمْ يَنْهَهُمُ الإِْمَامُ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ، وَأَمَّا إِذَا نَهَاهُمْ فَلاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ لَكِنْ يُعْتَبَرُ هَذَا الشَّرْطُ بِمَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَتُهُمْ إِلَيْهِ مَوْجُودَةً وَإِلاَّ لاَ يُعْمَل بِنَهْيِهِ. (٢)

وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّ السِّلاَحَ لاَ يَجُوزُ أَخْذُهُ إِلاَّ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ اتِّفَاقًا، وَأَطْلَقَ فِي الطَّعَامِ مُهَيَّأً لِلأَْكْل أَمْ لاَ، فَيَجُوزُ ذَبْحُ الْمَاشِيَةِ، وَتُرَدُّ جُلُودُهَا لِلْغَنِيمَةِ.

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁: أَصَبْنَا جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لاَ أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُول اللَّهِ مُبْتَسِمًا. (٣) وَلَمْ يَأْمُرِ

_________

(١) حديث: " كلوا واعلفوا ولا تحملوا ". أخرجه البيهقي في سننه (٩ / ٦١) وفي المعرفة (١٣ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو، ونقل في المصدر الثاني عن الشافعي أنه ضعف إسناده.

(٢) مجمع الأنهر ١ / ٦٤٣.

(٣) حديث عبد الله بن مغفل: " أصبنا جرابًا من شحم. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣٩٣) وهو في البخاري (فتح الباري ٧ / ٤٨١) بلفظ مقارب.

النَّبِيُّ ﷺ بِرَدِّهِ فِي الْغَنِيمَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْغَنِيمَةِ - لاَ عَلَى وَجْهِ الْغُلُول - نَعْلًا يَنْتَعِل بِهِ، وَحِزَامًا يَشُدُّ بِهِ ظَهْرَهُ، وَطَعَامًا يَأْكُلُهُ وَنَحْوَهُ كَعَلَفٍ لِدَابَّتِهِ وَإِبْرَةٍ وَمِخْيَاطٍ وَخَيْطٍ وَقَصْعَةٍ وَدَلْوٍ، وَإِنْ نَعَمًا يَذْبَحُهُ لِيَأْكُلَهُ أَوْ يَحْمِل عَلَيْهِ مَتَاعًا، وَيَرُدَّ جِلْدَهُ لِلْغَنِيمَةِ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ. وَمِنَ الْجَائِزِ ثَوْبٌ يَحْتَاجُ لِلُبْسِهِ أَوْ يَتَغَطَّى بِهِ، وَسِلاَحٌ يُحَارِبُ بِهِ إِنِ احْتَاجَ وَدَابَّةٌ يَرْكَبُهَا أَوْ يُقَاتِل عَلَيْهَا، وَيَأْخُذُ الثَّوْبَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَهُ إِنِ احْتَاجَ وَقَصَدَ الرَّدَّ لَهَا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، لاَ إِنْ قَصَدَ التَّمَلُّكَ فَلاَ يَجُوزُ.

وَكُل مَا فَضَل عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ كُل مَا أَخَذَهُ - سَوَاءٌ اشْتُرِطَ فِي أَخْذِهِ الْحَاجَةُ أَمْ لاَ - يَجِبُ رَدُّ مَا زَادَ مِنْهُ إِنْ كَثُرَ بِأَنْ سَاوَى دِرْهَمًا فَأَعْلَى، لاَ إِنْ كَانَ تَافِهًا. فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ عَلَى الْجَيْشِ وُجُوبًا بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهِ. (١) وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: وَلَيْسَ مِنْهُ - أَيْ مِنَ الْغُلُول الْمُحَرَّمِ - أَخْذُ قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا إِذَا كَانَ الأَْمِيرُ جَائِرًا لاَ يَقْسِمُ قِسْمَةً شَرْعِيَّةً، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ مِنَ الْغَانِمِينَ وَلَوْ لَمْ

_________

(١) الشرح الصغير للدردير ٢ / ٢٨٠.