الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِ الْمَغْصُوبِ، فَقَال الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: هُوَ بَاقٍ، وَقَال الْغَاصِبُ: تَلِفَ، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّلَفِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي صِنَاعَةٍ فِيهِ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَِحَدِهِمَا، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ عَلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ، فَقَال الْغَاصِبُ: رَدَدْتُهُ، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ، وَهُوَ عَدَمُ الرَّدِّ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ فِي الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ، بِأَنْ قَال الْغَاصِبُ: كَانَ مَرِيضًا أَوْ أَعْمَى مَثَلًا، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْغَاصِبُ: هَلَكَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدَيَّ، أَيْ قَضَاءً وَقَدَرًا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْغَاصِبِ، فَالْقَاضِي يَحْبِسُ الْغَاصِبَ مُدَّةً يَظْهَرُ فِيهَا الْمَغْصُوبُ عَادَةً لَوْ كَانَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ؛
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨٧، المهذب ١ / ٣٧٦، المغني ٥ / ٢٩٥، كشاف القناع ٤ / ١١٤، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٤٣٨.
لأَِنَّ الْحُكْمَ الأَْصْلِيَّ لِلْغَصْبِ هُوَ وُجُوبُ رَدِّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَهِيَ بَدَلٌ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْعَجْزُ عَنِ الأَْصْل، لاَ يَقْضِي بِالْقِيمَةِ الَّتِي هِيَ خَلَفٌ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فِي أَصْل الْغَصْبِ، أَوْ فِي جِنْسِ الْمَغْصُوبِ وَنَوْعِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَهُوَ يُنْكِرُ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.
وَلَوِ ادَّعَى الْغَاصِبُ رَدَّ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَيْبَ فِي الْمَغْصُوبِ، فَلاَ يُصَدَّقُ الْغَاصِبُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَلَوْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، فَأَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ أَوِ السَّيَّارَةَ مَثَلًا تَلِفَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ رُكُوبِهِ، وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ فَتُقْبَل بَيِّنَةُ الْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ؛ لأَِنَّ بَيِّنَةَ الْغَاصِبِ لاَ تَدْفَعُ بَيِّنَةَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ رَدَّهَا، ثُمَّ غَصَبَهَا ثَانِيًا وَرَكِبَهَا، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ.
وَلَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غَصَبَ الدَّابَّةَ وَنَفَقَتْ عِنْدَهُ. وَأَقَامَ الْغَاصِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَدَّهَا إِلَيْهِ وَأَنَّهَا نَفَقَتْ عِنْدَهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّ شُهُودَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَال، لِمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ وَمَا عَلِمُوا بِالرَّدِّ، فَبَنَوُا الأَْمْرَ عَلَى ظَاهِرِ بَقَاءِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إِلَى وَقْتِ الْهَلاَكِ، وَشُهُودُ الْغَاصِبِ اعْتَمَدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ بِالرَّدِّ حَقِيقَةَ الأَْمْرِ وَهُوَ الرَّدُّ؛ لأَِنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ، فَكَانَتِ الشَّهَادَةُ الْقَائِمَةُ عَلَى الرَّدِّ أَوْلَى.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ. (١)
وَرَأَى الْمَالِكِيَّةُ مَا رَآهُ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي دَعْوَى تَلَفِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ الْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ أَشْبَهَ فِي دَعْوَاهُ، سَوَاءٌ أَشْبَهَ رَبَّهُ أَمْ لاَ، فَإِنْ كَانَ قَوْل الْغَاصِبِ لَمْ يُشْبِهْ فَالْقَوْل لِرَبِّهِ بِيَمِينِهِ. (٢)
_________
(١) البدائع ٧ / ١٦٣ وما بعدها، تكملة الفتح ٧ / ٣٨٧، اللباب مع الكتاب ٢ / ١٩٤.
(٢) الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٤٥٦، الشرح الصغير ٣ / ٦٠١، ٦٠٢ وما بعدها، القوانين الفقهية ص٣٣١.
ضَمَانُ الْمَغْصُوبِ إِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْغَاصِبُ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ:
٢٩ - قَدْ يَتَصَرَّفُ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ أَوِ الرَّهْنِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الإِْيدَاعِ، عِلْمًا بِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَرَامٌ، فَيَهْلَكُ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْمُتَصَرِّفِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَحْدُثُ تَكْرَارُ الْغَصْبِ، فَيَغْصِبُ الشَّيْءَ غَاصِبٌ آخَرُ فَمَنِ الضَّامِنُ لِلْمَغْصُوبِ حِينَئِذٍ؟
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ إِذَا تَصَرَّفَ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ الأَْوَّل، أَوِ الْمُرْتَهِنِ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوِ الْمُسْتَعِيرِ، أَوِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ. أَوِ الْوَدِيعِ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الأَْوَّل، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ أَوِ الْمُسْتَأْجِرُ أَوِ الْوَدِيعُ أَوِ الْمُشْتَرِي، رَجَعُوا عَلَى الْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ؛ لأَِنَّهُمْ عَمِلُوا لَهُ، وَالْمُشْتَرِي إِذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْغَاصِبِ الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ ضَامِنٌ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ كَرَدِّ الْعَيْنِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْغَاصِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا الْغَصْبَ؛
لأَِنَّهُ يَعْمَل فِي الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ. (١)
وَإِذَا غَصَبَ شَخْصٌ شَيْئًا مِنْ آخَرَ، فَجَاءَ غَيْرُهُ وَغَصَبَهُ مِنْهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ الأَْوَّل؛ لِوُجُودِ فِعْل الْغَصْبِ مِنْهُ، وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ الثَّانِيَ أَوِ الْمُتْلِفَ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْغَصْبِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ الثَّانِي أَزَال يَدَ الْغَاصِبِ الأَْوَّل الَّذِي هُوَ بِحُكْمِ الْمَالِكِ فِي أَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِ (أَيْ عَلَى الْمَالِكِ) وَلأَِنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْجَهْل غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلضَّمَانِ؛ وَلأَِنَّ الْمُتْلِفَ أَتْلَفَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ فَضَمِنَهُ بِفِعْل نَفْسِهِ.
فَإِنِ اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الأَْوَّل، وَكَانَ هَلاَكُ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ الثَّانِي، رَجَعَ الْغَاصِبُ الأَْوَّل بِالضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ بِدَفْعِهِ قِيمَةَ الضَّمَانِ مَلَكَ الشَّيْءَ الْمَضْمُونَ (أَيِ الْمَغْصُوبَ) مِنْ وَقْتِ غَصْبِهِ، فَكَانَ الثَّانِي غَاصِبًا لِمِلْكِ الأَْوَّل.
وَإِنِ اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي أَوِ الْمُتْلِفِ، لاَ يَرْجِعُ هَذَا بِالضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَمِنَ
_________
(١) رد المحتار ٥ / ١٣٩.
فِعْل نَفْسِهِ، وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ أَوِ اسْتِهْلاَكِهِ وَإِتْلاَفِهِ.
وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ الضَّمَانِ مِنْ شَخْصٍ، وَبَعْضَهُ الآْخَرَ مِنَ الشَّخْصِ الآْخَرِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ مَبْدَأِ تَخْيِيرِ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَوْقُوفَ الْمَغْصُوبَ إِذَا غُصِبَ، وَكَانَ الْغَاصِبُ الثَّانِي أَمْلأَ مِنَ الأَْوَّل، فَإِنَّ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ يُضَمِّنُ الثَّانِيَ وَحْدَهُ. (١)
وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَالِكَ مَتَى اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي يَبْرَأُ الآْخَرُ عَنِ الضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الاِخْتِيَارِ، فَلَوْ أَرَادَ تَضْمِينَهُ بَعْدَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا رَدَّ الْغَاصِبُ الثَّانِي الْمَغْصُوبَ عَلَى الأَْوَّل بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، وَإِذَا رَدَّهُ إِلَى الْمَالِكِ بَرِئَ الاِثْنَانِ. (٢)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إِذَا رُفِعَتْ لَهُ حَادِثَةُ الْغَصْبِ أَنْ يَمْنَعَ الْغَاصِبُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال الْمِثْلِيِّ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَتَوَثَّقَ بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ (أَيْ كَفِيلٍ)، وَإِذَا غَصَبَ الْمَغْصُوبَ شَخْصٌ آخَرُ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٤٤، ١٤٦، الأشباه مع الحموي ٢ / ٩٦ وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٢٦ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٥٧، مغني المحتاج ٢ / ٢٧٩، فتح العزيز شرح الوجيز ١١ / ٢٥٢، المغني ٥ / ٢٥٢، المجلة (م ٩١٠) .
(٢) الدر المختار ٥ / ١٣٨، المجلة (م ٩١٠) .
ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ آكِل الْمَغْصُوبِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِالْغَصْبِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لأَِنَّهُ بِعِلْمِهِ بِالْغَصْبِ صَارَ غَاصِبًا حُكْمًا مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ، وَبِأَكْلِهِ الْمَغْصُوبَ يُصْبِحُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَوَارِثُهُ وَمَوْهُوبُ الْغَاصِبِ كَالْغَاصِبِ إِنْ عَلِمُوا بِالْغَصْبِ، فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ وَالْقِيَمِيِّ بِقِيمَتِهِ، وَيَضْمَنُونَ الْغَلَّةَ وَالْحَادِثَ السَّمَاوِيَّ؛ لأَِنَّهُمْ غُصَّابٌ بِعِلْمِهِمْ بِالْغَصْبِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُتْبِعَ بِالضَّمَانِ أَيَّهُمَا شَاءَ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْيْدِيَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِل صَاحِبُهَا الْغَصْبَ؛ لأَِنَّ وَاضِعَ الْيَدِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْجَهْل لَيْسَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ، بَل يُسْقِطُ الإِْثْمَ فَقَطْ، فَيُطَالِبُ الْمَالِكُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، لَكِنْ لاَ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الآْخِذِ مِنَ الْغَاصِبِ إِلاَّ بِعِلْمِهِ بِالْغَصْبِ، حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْغَصْبِ، أَوْ إِنْ جَهِل بِهِ وَكَانَتْ يَدُ الْوَاضِعِ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ، كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمُقْتَرِضِ وَالسَّائِمِ؛ لأَِنَّهُ تَعَامَل مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى الضَّمَانِ، فَلَمْ يَغُرَّهُ.
_________
(١) الشرح الصغير ٣ / ٥٨٥، ٥٩٠، ٦٠٢.
أَمَّا إِنْ جَهِل الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ بِالْغَصْبِ، وَكَانَتْ يَدُهُ يَدَ أَمَانَةٍ بِلاَ اتِّهَابٍ، كَوَدِيعٍ وَشَرِيكٍ مُضَارِبٍ، فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ دُونَ الآْخِذِ؛ لأَِنَّهُ تَعَامَل مَعَ الْغَاصِبِ عَلَى أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ بَل يَدَ أَمَانَةٍ، إِلاَّ أَنَّ أَخْذَهُ الشَّيْءَ لِلتَّمَلُّكِ. (١)
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ حَرَامٌ وَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ (٢) أَيْ مَرْدُودٌ، وَتَكُونُ الأَْرْبَاحُ لِلْمَالِكِ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّ الشَّخْصَيْنِ شَاءَ: الْغَاصِبِ أَوِ الْمُتَصَرِّفِ لَهُ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ حَال بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ (الضَّامِنَةَ) عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُتَصَرِّفُ لَهُ فَلأَِنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا كَانَ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْغَصْبِ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ بِالْغَصْبِ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ،
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٧٩، السراج الوهاج ص٢٦٧.
(٢) حديث: " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٠١) ومسلم (٣ / ١٣٤٤) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.
وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا رَدَّ الْمُتَصَرِّفُ لَهُ الشَّيْءَ إِلَى الْغَاصِبِ بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ.
وَأَمَّا غَاصِبُ الْغَاصِبِ فَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ كَالْغَاصِبِ الأَْوَّل، وَمَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالآْكِل أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَبَضَهُ عَنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنْ كَانَ الآْكِل عَالِمًا بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَإِذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الآْكِل لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الآْكِل بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الآْكِل فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَهِيَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ غَرَّ الآْكِل وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُهُ. (١)
تَمَلُّكُ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ بِالضَّمَانِ:
٣٠ - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ فِي تَمَلُّكِ الْغَاصِبِ
_________
(١) المغني والشرح الكبير ٥ / ٤١٣ - ٤١٩، كشاف القناع ٤ / ١٢٠ وما بعدها، القواعد لابن رجب ص ٢١٧.
الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِالضَّمَانِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بَعْدَ ضَمَانِهِ مِنْ وَقْتِ حُدُوثِ الْغَصْبِ، حَتَّى لاَ يَجْتَمِعَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَالِكُ، وَيَنْتِجُ عَنِ التَّمَلُّكِ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ قَبْل أَدَاءِ الضَّمَانِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ، كَمَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ شَخْصٌ عَيْنًا فَعَيَّبَهَا، فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا، مَلَكَهَا الْغَاصِبُ؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْبَدَل كُلَّهُ، وَالْمُبْدَل قَابِلٌ لِلنَّقْل، فَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ؛ لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ الْبَدَلاَنِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ لاَ يَحِل فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ، بِأَنْ يَأْكُلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُطْعِمَهُ غَيْرَهُ قَبْل أَدَاءِ الضَّمَانِ، وَإِذَا حَصَل فِيهِ فَضْلٌ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل اسْتِحْسَانًا، وَغَلَّةُ الْمَغْصُوبِ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ إِرْكَابِ سَيَّارَةٍ مَثَلًا لاَ تَطِيبُ لَهُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبِحِ الاِنْتِفَاعَ بِالْمَغْصُوبِ قَبْل إِرْضَاءِ الْمَالِكِ، لِمَا فِي حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الأَْنْصَارِ: أَنَّ امْرَأَةً دَعَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ