الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

الْغَصْبِ إِلَى حِينِ الرَّدِّ، إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الْمَغْصُوبِ نَفْسِهِ مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ، وَسِمَنٍ وَهُزَالٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الْقِيمَةُ وَتَنْقُصُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ مَغْصُوبَةٌ فِي الْحَال الَّتِي زَادَتْ فِيهَا، وَالزِّيَادَةُ لِمَالِكِهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ. وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ لَمْ تُضْمَنِ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ لِهَذَا السَّبَبِ لاَ يُضْمَنُ إِذَا رُدَّتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِذَاتِهَا، فَلاَ يُضْمَنُ عِنْدَ تَلَفِهَا. (١)

ج - انْتِهَاءُ عُهْدَةِ الْغَاصِبِ:

٢٥ - تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْغَاصِبِ وَتَنْتَهِي عُهْدَتُهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:

الأَْوَّل - رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إِلَى صَاحِبِهَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً بِذَاتِهَا، لَمْ تُشْغَل بِشَيْءٍ آخَرَ.

الثَّانِي - أَدَاءُ الضَّمَانِ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ مَطْلُوبٌ أَصَالَةً.

الثَّالِثُ - الإِْبْرَاءُ مِنَ الضَّمَانِ إِمَّا صَرَاحَةً مِثْل: أَبْرَأْتُكَ مِنَ الضَّمَانِ، أَوْ أَسْقَطْتُهُ عَنْكَ، أَوْ وَهَبْتُهُ مِنْكَ وَنَحْوُهُ، أَوْ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ: وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ

_________

(١) المغني ٥ / ٢٥٧ وما بعدها، المغني والشرح الكبير ٥ / ٤٢١ وما بعدها، كشاف القناع ٤ / ١١٧.

الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ، فَيَبْرَأُ الآْخَرُ؛ لأَِنَّ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ أَحَدِهِمَا إِبْرَاءٌ لِلآْخَرِ ضِمْنًا.

الرَّابِعُ - إِطْعَامُ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ أَوْ لِدَابَّتِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ، أَوْ تَسَلَّمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ عَلَى وَجْهِ الأَْمَانَةِ كَالإِْيدَاعِ أَوِ الْهِبَةِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى قِصَارَتِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ، وَعَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّهُ مَالُهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، أَوْ عَلَى وَجْهِ ثُبُوتِ بَدَلِهِ فِي ذِمَّتِهِ، كَالْقَرْضِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمْ يَبْرَأِ الْغَاصِبُ، حَتَّى تَتَغَيَّرَ صِفَةُ الْغَصْبِ. (١)

د - تَعَذُّرُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ:

٢٦ - قَدْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ لِتَغَيُّرِهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ:

قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: تَغَيُّرُ الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْغَاصِبِ: إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْل الْغَاصِبِ.

وَالتَّغَيُّرُ بِفِعْلِهِ قَدْ يَكُونُ تَغَيُّرًا فِي الْوَصْفِ أَوْ تَغَيُّرًا فِي الاِسْمِ وَالذَّاتِ، وَكُل حَالاَتِ التَّغَيُّرِ يَكُونُ الْمَغْصُوبُ فِيهَا مَوْجُودًا.

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٥١، الشرح الصغير ٣ / ٦٠٠، و٦٠١، السراج الوهاج شرح المنهاج ص٣٦٨، المغني والشرح الكبير ٥ / ٤٣٧، كشاف القناع ٤ / ١٠٣.

فَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنَبًا فَأَصْبَحَ زَبِيبًا، أَوْ رُطَبًا فَأَصْبَحَ تَمْرًا، فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ اسْتِرْدَادِ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَبَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ قِيمَتَهُ.

وَإِذَا تَغَيَّرَ وَصْفُ الْمَغْصُوبِ بِفِعْل الْغَاصِبِ مِنْ طَرِيقِ الإِْضَافَةِ أَوِ الزِّيَادَةِ، كَمَا لَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ، أَوْ خُلِطَ الدَّقِيقُ بِسَمْنٍ، أَوْ اخْتَلَطَ الْمَغْصُوبُ بِمِلْكِ الْغَاصِبِ بِحَيْثُ يُمْتَنَعُ تَمْيِيزُهُ، كَخَلْطِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ، أَوْ يُمْكِنُ بِحَرَجٍ، كَخَلْطِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، فَيَجِبُ إِعْطَاءُ الْخِيَارِ لِلْمَالِكِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ قَبْل تَغْيِيرِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَى الْغَاصِبَ قِيمَةَ الزِّيَادَةِ، مِثْلَمَا زَادَ الصَّبْغُ فِي الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ فِي التَّخْيِيرِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا، كَقِصَارَةٍ لِثَوْبٍ وَخِيَاطَةٍ بِخَيْطٍ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا لِتَعَدِّيهِ بِعَمَلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّ الْمَغْصُوبِ كَمَا كَانَ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَيَأْخُذُهُ بِحَالِهِ وَأَرْشِ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٦٠ وما بعدها، الدر المختار ٥ / ١٣٤ - ١٣٨، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٦، ٢٢٩، اللباب مع الكتاب ٢ / ١٩١، ١٩٣، تكملة فتح القدير ٧ / ٣٧٥، ٢٨٤، الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٤٥٤، الشرح الصغير ٣ / ٦٠٠.

النَّقْصِ إِنْ نَقَصَ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَيْنًا كَبِنَاءٍ كُلِّفَ الْقَلْعَ وَأَرْشَ النَّقْصِ إِنْ كَانَ، وَإِعَادَةَ الْمَغْصُوبِ كَمَا كَانَ، وَأُجْرَةَ الْمِثْل إِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَإِنْ صَبَغَ الْغَاصِبُ الثَّوْبَ الْمَغْصُوبَ بِصَبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ بِالصَّبْغِ وَلَمْ تَنْقُصْ فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ لَزِمَهُ الأَْرْشُ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ اشْتَرَكَ فِيهِ أَثْلاَثًا: ثُلُثَاهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَثُلُثُهُ لِلْغَاصِبِ. (١)

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَالشَّافِعِيَّةِ إِجْمَالًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِ الصَّبْغِ مِنَ الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِتْلاَفًا لِمِلْكِهِ وَهُوَ الصَّبْغُ، وَإِنْ حَدَثَ نَقْصٌ ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ؛ لأَِنَّهُ حَصَل بِتَعَدِّيهِ. فَضَمِنَهُ كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ، وَإِنْ حَصَلَتْ زِيَادَةٌ، فَالْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَلِكَيْهِمَا، فَيُبَاعُ الشَّيْءُ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ.

وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا غَصَبَ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ بِمَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْهُ، كَحِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ أَوْ سِمْسِمٍ، أَوْ صِغَارِ الْحَبِّ بِكِبَارِهِ، أَوْ زَبِيبٍ أَسْوَدَ بِأَحْمَرَ، لَزِمَهُ تَمْيِيزُهُ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٩١ وما بعدها.

وَرَدُّهُ وَأَجْرُ الْمُمَيَّزِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُ جَمِيعِهِ وَجَبَ تَمْيِيزُهُ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ شَقَّ وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهُ فَهُوَ كَالتَّالِفِ، وَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُ الْغَاصِبِ: الْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةَ فِي الْقِيَمِيِّ. (١)

وَالْخُلاَصَةُ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ، وَعَلَى حَقِّ الْغَاصِبِ فِي الزِّيَادَةِ.

وَقَدْ تَتَغَيَّرُ ذَاتُ الْمَغْصُوبِ وَاسْمُهُ بِفِعْل الْغَاصِبِ، بِحَيْثُ زَال أَكْثَرُ مَنَافِعِهِ الْمَقْصُودَةِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا دَقِيقًا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ نُحَاسًا فَاتَّخَذَهُ آنِيَةً، فَإِنَّهُ يَزُول مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنِ الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ: الْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْقِيَمِيِّ، وَلَكِنْ لاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهُ اسْتِحْسَانًا؛ لأَِنَّ فِي إِبَاحَةِ الاِنْتِفَاعِ بَعْدَ ارْتِضَاءِ الْمَالِكِ بِأَدَاءِ الْبَدَل أَوْ إِبْرَائِهِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نُقْصَانًا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ، كَأَنْ كَانَ ثَوْبًا

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٩٤ - ٩٥ وما بعدها، المغني ٥ / ٢٦٦ وما بعدها، المغني والشرح الكبير ٥ / ٤٢٩ - ٤٣١.

فَتَمَزَّقَ، أَوْ إِنَاءً فَانْكَسَرَ، أَوْ شَاةً فَذُبِحَتْ، أَوْ طَعَامًا فَطُحِنَ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَرَدَّ مَعَهُ أَرْشَ مَا نَقَصَ؛ لأَِنَّهُ نُقْصَانُ عَيْنٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، نَقَصَتْ بِهِ الْقِيمَةُ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ.

فَإِنْ تَرَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - لَمْ يَزُل مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَيَأْخُذُهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ إِنْ نَقَصَ، وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَتِهِ. (١)

هـ - نُقْصَانُ الْمَغْصُوبِ:

٢٧ - قَال الْجُمْهُورُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ نَقْصَ الْمَغْصُوبِ بِسَبَبِ هُبُوطِ الأَْسْعَارِ؛ لأَِنَّ النَّقْصَ كَانَ بِسَبَبِ فُتُورِ رَغَبَاتِ النَّاسِ، وَهِيَ لاَ تُقَابَل بِشَيْءٍ، وَالْمَغْصُوبُ لَمْ تَنْقُصْ عَيْنُهُ وَلاَ صِفَتُهُ.

وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِتَغَيُّرِ السِّعْرِ فِي السُّوقِ فِي غَصْبِ الذَّوَاتِ، أَمَّا التَّعَدِّي فَيَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، فَلِلْمَالِكِ إِلْزَامُ الْغَاصِبِ قِيمَةَ الشَّيْءِ إِنْ تَغَيَّرَ سُوقُهَا عَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّعَدِّي، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَ شَيْئِهِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُتَعَدِّي.

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٨، ١٤٩، الشرح الصغير ٣ / ٥٩١ وما بعدها، المهذب ١ / ٣٧٦، المغني ٥ / ٢٦٣.

وَأَمَّا النَّقْصُ الْحَاصِل فِي ذَاتِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي صِفَتِهِ. فَيَكُونُ مَضْمُونًا سَوَاءٌ حَصَل النَّقْصُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل الْغَاصِبِ.

إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ النَّقْصُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا كَمَا هُوَ، أَوْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ كُلِّهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَلاَ يَأْخُذُ قِيمَةَ النَّقْصِ وَحْدَهَا. وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ، أَوْ يَأْخُذَهُ مَعَ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، أَيْ يَأْخُذُ قِيمَةَ النَّقْصِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَوْمَ الْغَصْبِ عِنْدَ سَحْنُونٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَشْهَبُ بَيْنَ نَقْصٍ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَجِنَايَةِ الْغَاصِبِ. (١)

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَحْوَالًا أَرْبَعَةً لِنَقْصِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَجَعَلُوا لِكُل حَالَةٍ فِي الضَّمَانِ حُكْمًا، وَهِيَ مَا يَأْتِي:

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٣١٢ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٤٥٢ وما بعدها، القوانين الفقهية ص ٣٣١، مغني المحتاج ٢ / ٢٨٦، ٢٨٨، المهذب ١ / ٣٦٩، كشاف القناع ٤ / ٩٩ وما بعدها، المغني ٥ / ٢٦٢ - ٢٦٣، المغني والشرح الكبير ٥ / ٤٠٠.

الأُْولَى - أَنْ يَحْدُثَ النَّقْصُ بِسَبَبِ هُبُوطِ الأَْسْعَارِ فِي الأَْسْوَاقِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ مَضْمُونًا إِذَا رَدَّ الْعَيْنَ إِلَى مَكَانِ الْغَصْبِ؛ لأَِنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ لَيْسَ نَقْصًا مَادِّيًّا فِي الْمَغْصُوبِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنَ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ فُتُورِ الرَّغَبَاتِ الَّتِي تَتَأَثَّرُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا.

الثَّانِيَةُ - أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ بِسَبَبِ فَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، كَضَعْفِ الْحَيَوَانِ، وَزَوَال سَمْعِهِ أَوْ بَصَرِهِ، أَوْ طُرُوءِ الشَّلَل أَوِ الْعَرَجِ أَوِ الْعَوَرِ، أَوْ سُقُوطِ عُضْوٍ مِنَ الأَْعْضَاءِ، فَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي غَيْرِ مَال الرِّبَا، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ؛ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى حَالِهَا.

فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ أَمْوَال الرِّبَا، كَتَعَفُّنِ الْحِنْطَةِ، وَكَسْرِ إِنَاءِ الْفِضَّةِ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ إِلاَّ أَخْذُ الْمَغْصُوبِ بِذَاتِهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ بِسَبَبِ النُّقْصَانِ؛ لأَِنَّ الرِّبَوِيَّاتِ لاَ يُجِيزُونَ فِيهَا ضَمَانَ النُّقْصَانِ، مَعَ اسْتِرْدَادِ الأَْصْل؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا.

الثَّالِثَةُ - أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ بِسَبَبِ فَوَاتِ مَعْنًى مَرْغُوبٍ فِيهِ فِي الْعَيْنِ، مِثْل الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ الشَّبَابِ، وَالْهَرَبِ، وَنِسْيَانِ الْحِرْفَةِ، فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي كُل الأَْحْوَال.

لَكِنْ إِنْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا، كَالْخَرْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ سِوَى تَضْمِينِ الْغَاصِبِ مِقْدَارَ النُّقْصَانِ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ بِذَاتِهَا.

وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ فَاحِشًا كَالْخَرْقِ الْكَبِيرِ فِي الثَّوْبِ بِحَيْثُ يُبْطِل عَامَّةَ مَنَافِعِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهِ وَتَضْمِينِهِ النُّقْصَانَ لِتَعَيُّبِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ وَأَخْذِ جَمِيعِ قِيمَتِهِ؛ لأَِنَّهُ أَصْبَحَ مُسْتَهْلِكًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ. (١)

وَالصَّحِيحُ فِي ضَابِطِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ، هُوَ أَنَّ الْيَسِيرَ: مَا لاَ يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُل فِيهِ نُقْصَانٌ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَالْفَاحِشُ: مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَجِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، وَيَبْقَى بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ. (٢)

وَقَدَّرَتِ الْمَجَلَّةُ (م ٩٠٠) الْيَسِيرَ: بِمَا لَمْ يَكُنْ بَالِغًا رُبُعَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَالْفَاحِشَ: بِمَا سَاوَى رُبُعَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ أَوْ أَزْيَدَ.

وَإِذَا وَجَبَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، قُوِّمَتْ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٥٥، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٨ وما بعدها، تكملة الفتح ٧ / ٣٨٢، رد المحتار لابن عابدين ٥ / ١٣٢، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٠.

(٢) تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٩، تكملة فتح القدير ٧ / ٣٨٣، رد المحتار ٥ / ١٣٦.

الْعَيْنُ صَحِيحَةً يَوْمَ غَصْبِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمُ نَاقِصَةً، فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.

وَإِذَا كَانَ الْعَقَارُ مَغْصُوبًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ تُضْمَنْ عَيْنُهُ بِهَلاَكِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ النَّقْصَ الطَّارِئَ بِفِعْل الْغَاصِبِ أَوْ بِسُكْنَاهُ أَوْ بِسَبَبِ زِرَاعَةِ الأَْرْضِ مَضْمُونٌ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ وَتَعَدٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ. (١)

اخْتِلاَفُ الْغَاصِبِ وَالْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ وَالْمَغْصُوبِ:

٢٨ - إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي أَصْل الْغَصْبِ وَأَحْوَال الْمَغْصُوبِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، بِأَنْ قَال الْغَاصِبُ: قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، وَقَال الْمَالِكُ: اثْنَا عَشَرَ، صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى الْمَالِكِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ أَكْثَرُ مِمَّا قَالَهُ الْغَاصِبُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ سُمِعَتْ، وَكُلِّفَ الْغَاصِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا قَالَهُ إِلَى حَدٍّ لاَ تَقْطَعُ الْبَيِّنَةُ بِالزِّيَادَةِ

_________

(١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٩، تكملة فتح القدير ٧ / ٣٦٩، المجلة (م ٩٠٥) .