الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

ج - الْهَدْمُ وَالْقَلْعُ.

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يُلْزَمُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى صَاحِبِهِ كَمَا أَخَذَهُ، كَمَا يُلْزَمُ بِإِزَالَةِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ (١) وَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَقَلْعِ الشَّجَرِ الَّذِي غَرَسَهُ أَوِ الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ بِلاَ إِذْنِ الْمَالِكِ.

غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ فَصَّلُوا فِي الأَْمْرِ كَمَا يَلِي:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ سَاجَةً (خَشَبَةً عَظِيمَةً تُسْتَعْمَل فِي أَبْوَابِ الدُّورِ وَبِنَائِهَا) فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ حَوْلَهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، زَال مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا، لِصَيْرُورَتِهَا شَيْئًا آخَرَ، وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ (الْغَاصِبِ) مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ لِلْمَالِكِ، وَضَرَرُ الْمَالِكِ يَنْجَبِرُ بِالضَّمَانِ، وَلاَ ضَرَرَ فِي الإِْسْلاَمِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلَمْ يَزُل مِلْكُ مَالِكِهَا، لأَِنَّهُ " يَرْتَكِبُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ وَأَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ ".

_________

(١) حديث: " ليس لعرق ظالم حق. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٥٣) من حديث سعيد بن زيد، وخرج الحديث ابن حجر في الفتح (٥ / ١٩) وقال عن طرقه: في أسانيدها مقال، لكن يتقوى بعضها ببعض.

وَعَقَّبَ قَاضِي زَادَهْ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، فَقَال: لاَ فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ وَبَيْنَ الْعَكْسِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ الْمَالِكِ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ، وَضَرَرَ الْغَاصِبِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَجْبُورَ دُونَ الضَّرَرِ الْمَحْضِ، فَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّرَرَ الأَْعْلَى عِنْدَ إِمْكَانِ الْعَمَل بِالضَّرَرِ الأَْدْنَى، فَيُعْمَل بِقَاعِدَةِ: " الضَّرَرُ الأَْشَدُّ يُزَال بِالأَْخَفِّ " فِي مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ، أَيْ أَنَّهُ يُعَوِّضُ الْمَالِكَ، وَتَزُول مِلْكِيَّتُهُ عَنِ السَّاجَةِ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّاجَةِ فَهِيَ. . لَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى فِيهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الأَْرْضِ (السَّاجَةِ) أَكْثَرَ، أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِ الْغَرْسِ، وَهَدْمِ الْبِنَاءِ، وَرَدِّ الأَْرْضِ فَارِغَةً إِلَى صَاحِبِهَا كَمَا كَانَتْ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ لاَ تُغْصَبُ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ، فَيَبْقَى فِيهَا حَقُّ الْمَالِكِ كَمَا كَانَ، وَالْغَاصِبُ جَعَلَهَا مَشْغُولَةً، فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهَا، إِذْ لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ، فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْمَالِكِ قِيمَةَ الأَْرْضِ وَيَأْخُذَهَا.

وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ الْغَرْسِ مِنْهَا أَوْ هَدْمِ الْبِنَاءِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسَ مَقْلُوعًا

أَنْقَاضًا) رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الطَّرَفَيْنِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا فَتُقَوَّمُ الأَْرْضُ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ، وَتُقَوَّمُ وَبِهَا شَجَرٌ وَبِنَاءٌ مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ، فَيَضْمَنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.

وَإِذَا زَرَعَ الْغَاصِبُ الأَْرْضَ، فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مِلْكًا فَإِنْ أَعَدَّهَا صَاحِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ، فَيَكُونُ الأَْمْرُ مُزَارَعَةً بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبِ، وَيُحْتَكَمُ إِلَى الْعُرْفِ فِي حِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، النِّصْفِ أَوِ الرُّبُعِ مَثَلًا، وَإِنْ كَانَتْ مُعَدَّةً لِلإِْيجَارِ فَالنَّاتِجُ لِلزَّارِعِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْل الأَْرْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، فَعَلَى الْغَاصِبِ نُقْصَانُ مَا نَقَصَ الزَّرْعُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ وَقْفًا أَوْ مَال يَتِيمٍ، اعْتُبِرَ الْعُرْفُ إِذَا كَانَ أَنْفَعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ أَنْفَعَ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْل، لِقَوْلِهِمْ: يُفْتَى بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ. (١)

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي حَالَةِ الْبِنَاءِ: أَنَّ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا أَوْ عَمُودًا أَوْ خَشَبًا، فَبَنَى فِيهَا أَوْ بِهَا. يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَبَيْنَ إِبْقَائِهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الأَْنْقَاضِ، بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ أَوِ الْهَدْمِ، وَلاَ يُعْطِيهِ قِيمَةَ

_________

(١) تكملة فتح القدير ٧ / ٣٧٩ - ٣٨٣، الدر المختار ٥ / ١٣٥ - ١٣٧، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٨ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٢.

التَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ قِيمَةَ لَهُ، أَيْ إِنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ مَصْلَحَةَ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ.

وَمَنْ غَصَبَ سَارِيَةً أَوْ خَشَبَةً فَبَنَى عَلَيْهَا، فَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا وَإِنْ هَدَمَ الْبُنْيَانَ.

أَمَّا فِي حَالَةِ الْغَرْسِ: فَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا أَشْجَارًا، فَلاَ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهَا، وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا بَعْدَ طَرْحِ أُجْرَةِ الْقَلْعِ كَالْبُنْيَانِ، فَإِنْ غَصَبَ أَشْجَارًا، فَغَرَسَهَا فِي أَرْضِهِ، أُمِرَ بِقَلْعِهَا.

وَأَمَّا فِي حَالَةِ الزَّرْعِ: فَمَنْ زَرَعَ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ زَرْعًا، فَإِنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا فِي إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُقْلِعَ الزَّرْعَ، أَوْ يَتْرُكَهُ لِلزَّارِعِ وَيَأْخُذَ الْكِرَاءَ، وَإِنْ أَخَذَهَا بَعْدَ إِبَّانِ الزِّرَاعَةِ فَلِلْمَالِكِيَّةِ رَأْيَانِ: رَأْيٌ أَنَّ الْمَالِكَ يُخَيَّرُ كَمَا ذُكِرَ، وَرَأْيٌ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ وَلَهُ الْكِرَاءُ، وَالزَّرْعُ لِزَارِعِهِ (١) . وَقَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْغَاصِبَ يُكَلَّفُ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ وَقَلْعِ الْغِرَاسِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ إِنْ حَدَثَ،

_________

(١) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٤٨، الشرح الصغير ٣ / ٥٩٥، بداية المجتهد ٢ / ٣١٩، القوانين الفقهية ص٣٣١.

وَإِعَادَةُ الأَْرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَأُجْرَةُ الْمِثْل فِي مُدَّةِ الْغَصْبِ إِنْ كَانَ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَمَلُّكَهَا بِالْقِيمَةِ، أَوْ إِبْقَاءَهَا بِأُجْرَةٍ، لَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ إِجَابَتُهُ فِي الأَْصَحِّ؛ لإِمْكَانِ الْقَلْعِ بِلاَ أَرْشٍ. وَلَوْ بَذَرَ الْغَاصِبُ بَذْرًا فِي الأَْرْضِ وَكَانَ الْبَذْرُ وَالأَْرْضُ مَغْصُوبَيْنِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ إِخْرَاجَ الْبَذْرِ مِنْهَا وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ رَضِيَ الْمَالِكُ بِبَقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ إِخْرَاجُهُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ قَلْعُ تَزْوِيقِ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إِنْ رَضِيَ الْمَالِكُ بِبَقَائِهِ، (١)

وَوَافَقَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مَسْأَلَتَيِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ أَمَّا فِي حَالَةِ زَرْعِ الأَْرْضِ فَقَالُوا: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إِبْقَاءِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَخْذِ أَجْرِ الأَْرْضِ وَأَرْشِ النَّقْصِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ لَهُ، وَدَفْعِ النَّفَقَةِ لِلْغَاصِبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨٩، ٢٩١، المهذب ١ / ٣٧١، الميزان للشعراني ٢ / ٨٩ وما بعدها.

شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ (١) وَقَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: خُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ (٢) أَيْ لِلْغَاصِبِ. (٣)

د - الْجَمْعُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْغَلَّةِ:

٢٢ - لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ فِي مَسْأَلَةِ جَمْعِ الْمَالِكِ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، وَبَيْنَ أَخْذِ الْغَلَّةِ كَالأُْجْرَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ إِيجَارِ الأَْعْيَانِ الْمَغْصُوبَةِ.

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل - لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجْمَعُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَةٍ وَغَلَّةٍ؛ لأَِنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنَدًا، أَيْ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ، فَتَكُونُ الْغَلَّةُ مِنْ حَقِّ الْغَاصِبِ إِذَا أَدَّى قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ، وَلاَ يُلْزَمُ الْغَاصِبُ بِالْقِيمَةِ إِلاَّ بِتَلَفِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فَوَاتِهِ. (٤)

وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي - لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ عِنْدَ

_________

(١) حديث: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٩٣) والترمذي (٣ / ٦٣٩) من حديث رافع بن خديج، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: هو حديث حسن.

(٢) حديث: " خذوا زرعكم، وردوا عليه نفقته ". أخرجه النسائي (٧ / ٤٠) من حديث رافع بن خديج.

(٣) المغني ٥ / ٢٢٣ - ٢٢٥، ٢٣٤، ٢٤٥، كشاف القناع ٤ / ٨٧ - ٩٤.

(٤) تكملة الفتح ٩ / ٣٢٩ ط دار الفكر، الشرح الصغير ٣ / ٩٠٧.

التَّلَفِ وَالْغَلَّةِ؛ لأَِنَّهُ تَلِفَتْ عَلَيْهِ مَنَافِعُ مَالِهِ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْفَعِ الْقِيمَةَ، وَالأُْجْرَةُ أَوِ الْغَلَّةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَفُوتُ مِنَ الْمَنَافِعِ، لاَ فِي مُقَابَلَةِ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، فَتَكُونُ الْقِيمَةُ وَاجِبَةً فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِ الشَّيْءِ، وَالْغَلَّةُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَتُهُ إِلَى حِينِ تَلَفِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ حِينِ التَّلَفِ لَمْ تَبْقَ لَهُ مَنْفَعَةٌ حَتَّى يَتَوَجَّبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا.

وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ: هَل يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، فَقَال أَرْبَابُ الاِتِّجَاهِ الأَْوَّل: الضَّامِنُ يَمْلِكُ الْمَال الْمَضْمُونَ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ.

وَقَال أَصْحَابُ الاِتِّجَاهِ الثَّانِي: لاَ يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. (١)

ثَالِثًا - مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ مِنْ أَحْكَامٍ:

يَتَعَلَّقُ بِضَمَانِ الْمَغْصُوبِ الْمَسَائِل التَّالِيَةُ:

_________

(١) المبسوط ١٦ / ١٤، البدائع ٧ / ١٥٢، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٣، تبيين الحقائق ٥ / ٣٢٥، بداية المجتهد ٢ / ٣١٥، شرح الرسالة ٢ / ٢٢٠.

أ - كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ:

٢٣ - إِذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَكَانَ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، (١) أَوْ مِنَ الْعَقَارَاتِ أَوِ الْمَنْقُولاَتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (٢) بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، أَيْ غَرَامَتُهُ أَوْ تَعْوِيضُهُ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْهَلاَكُ بِتَعَدٍّ مِنْ غَيْرِهِ. لاَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ لِلْمَالِكِ؛ لأَِنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَعِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ، فِي ذَلِكَ: الْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَهُ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِأَمْرِ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَخْلُوقٍ. (٣)

وَكَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ: أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِالْمِثْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا، وَبِقِيمَتِهِ إِذَا كَانَ قِيَمِيًّا، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُجُودُ الْمِثْل وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ (ف: ١٩، ٢٠) .

_________

(١) المبسوط ١١ / ٥٠، البدائع ٧ / ١٥٠، ١٦٨، الدر المختار ٥ / ١٣٨، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٣، ٢٣٤، تكملة الفتح ٧ / ٣٦٣، اللباب شرح الكتاب ٤ / ١٨٨ وما بعدها.

(٢) الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٤٤٣، الشرح الصغير ٣ / ٥٨٨ - ٥٩٢، القوانين الفقهية ص٣٣٠ وما بعدها، بداية المجتهد ٢ / ٣١٢، مغني المحتاج ٢ / ٢٨١، ٢٨٤، فتح العزيز شرح الوجيز ١١ / ٢٤٢ بذيل المجموع، المغني ٥ / ٢٢١، ٢٥٤، ٢٥٨، كشاف القناع ٤ / ١١٦ وما بعدها.

(٣) القوانين الفقهية ص٣٣١.

ب - وَقْتُ الضَّمَانِ:

٢٤ - لِلْفُقَهَاءِ فِي وَقْتِ الضَّمَانِ مَذَاهِبُ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَقْدِيرِ قِيمَةِ التَّعْوِيضِ وَوَقْتِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمِثْلِيِّ إِذَا انْقَطَعَ مِنَ السُّوقِ وَتَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: وُجُوبُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَهُوَ يَوْمُ انْعِقَادِ السَّبَبِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.

الثَّانِي: يَوْمَ الاِنْقِطَاعِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ.

الثَّالِثُ: يَوْمَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ يَوْمُ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُتُونِ وَالْمُخْتَارِ، وَاخْتَارَتْ الْمَجَلَّةُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ. (الْمَادَّةُ: ٨٩١)

وَأَمَّا الْقِيَمِيُّ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ تُقَدَّرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِالْغَصْبِ، فَتُقَدَّرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ، فَلاَ يَتَغَيَّرُ التَّقْدِيرُ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ؛ لأَِنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مَحَل الضَّمَانِ.

لَكِنْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ ضَمَانِ الذَّاتِ وَضَمَانِ الْغَلَّةِ، فَتُضْمَنُ الأُْولَى يَوْمَ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٥١، والدر المختار ٥ / ١٢٨، والمبسوط ١١ / ٥٠، وتكملة الفتح ٧ / ٣٦٣، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٢٣، واللباب شرح الكتاب ٢ / ١٨٨.

الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا، وَتُضْمَنُ الْغَلَّةُ مِنْ يَوْمِ اسْتِغْلاَلِهَا، وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي وَهُوَ غَاصِبُ الْمَنْفَعَةِ، فَيَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ بِمُجَرَّدِ فَوَاتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الضَّمَانِ هُوَ أَقْصَى قِيمَةٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ تَعَذُّرِ وُجُودِ الْمِثْل، وَإِذَا كَانَ الْمِثْل مَفْقُودًا عِنْدَ التَّلَفِ فَالأَْصَحُّ وُجُوبُ الأَْكْثَرِ قِيمَةً مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ، أَمْ بِتَغَيُّرِ الْمَغْصُوبِ فِي نَفْسِهِ.

وَأَمَّا الْمَال الْقِيَمِيُّ: فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيمَةٍ لَهُ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ. (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، وَفُقِدَ الْمِثْل، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْقِطَاعِ الْمِثْل؛ لأَِنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْل، فَقُدِّرَتِ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَتَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ وَتَلِفَ، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ

_________

(١) الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ٤٤٣، ٤٤٨، الشرح الصغير ٣ / ٥٨٨ وما بعدها، بداية المجتهد ٢ / ٣١٢، والقوانين الفقهية ص٣٣٠.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٨٣، والمهذب ١ / ٣٦٨، البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٣٦، نهاية المحتاج ٤ / ١١٩ - ١٢١.