الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ عَمْدًا مُوجِبٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَْرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ (١)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) بِأَنَّهُ يُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالسِّجْنِ غَاصِبٌ مُمَيَّزٌ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ رِعَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ عَفَا عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ؛ لِدَفْعِ الْفَسَادِ وَإِصْلاَحِ حَالِهِ وَزَجْرًا لَهُ وَلأَِمْثَالِهِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، فَلاَ يُعَزَّرُ.
فَإِنْ حَدَثَ الْغَصْبُ وَالشَّخْصُ جَاهِلٌ بِكَوْنِ الْمَال لِغَيْرِهِ، بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّيْءَ مِلْكُهُ فَلاَ إِثْمَ وَلاَ مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ خَطَأٌ لاَ مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ ﵊: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣)، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَالْغُرْمُ إِذَا صَارَتْ هَالِكَةً.
_________
(١) حديث: " من ظلم قيد شبر من أرض طوقه. . . ". تقدم ف ١٠.
(٢) الشرح الكبير ٢ / ٤٤٢، الشرح الصغير ٣ / ٥٨٣، القوانين الفقهية ص ٣٣٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧٧.
(٣) حديث: " إن الله تجاوز عن أمتي. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) من حديث أبي ذر الغفاري، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٥٣) .
ب - رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ:
١٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إِلَى صَاحِبِهَا حَال قِيَامِهَا وَوُجُودِهَا بِذَاتِهَا، (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٢) وَقَوْلِهِ أَيْضًا: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا (٣) .
وَتُرَدُّ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ إِلَى مَكَانِ الْغَصْبِ لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ بِاخْتِلاَفِ الأَْمَاكِنِ.
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَجَبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، كَمَا فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: الأَْصْل أَنَّ الْمَالِكَ يَصِيرُ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٤٨، والدر المختار ٥ / ١٢٨، وتكملة الفتح ٧ / ٣٦٧، والشرح الصغير ٣ / ٥٨٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص٣٢٩، والمهذب ١ / ٣١٧، والميزان للشعراني ٢ / ٨٨، وكشاف القناع ٤ / ٧٨، ط بيروت.
(٢) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٧) من حديث سمرة بن جندب يرويه عنه الحسن البصري، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ٥٣): الحسن مختلف في سماعه عن سمرة.
(٣) حديث: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٧٣) والترمذي (٤ / ٤٦٢) من حديث يزيد بن سعيد الكندي، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن.
مُسْتَرِدًّا لِلْمَغْصُوبِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ الشَّيْءُ مَغْصُوبًا بِتَفْوِيتِ يَدِهِ عَنْهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ أَعَادَهُ إِلَى يَدِهِ، وَزَالَتْ يَدُ الْغَاصِبِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَغْصِبَهُ مَرَّةً أُخْرَى. (١)
وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ بِالرَّدِّ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَالِكُ بِحُدُوثِ الرَّدِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لأَِنَّ إِثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ، لاَ يَخْتَلِفُ بِالْعِلْمِ أَوِ الْجَهْل بِحُدُوثِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ قَدْ فَاتَ، كَأَنْ هَلَكَ أَوْ فُقِدَ أَوْ هَرَبَ، رَدَّ الْغَاصِبُ إِلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، بِأَنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا مِنَ الطَّعَامِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ. كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ.
ثَانِيًا - حُقُوقُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ:
١٧ - لِلْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حُقُوقٌ تُقَابِل مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ مِنَ الأَْحْكَامِ السَّابِقَةِ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ هِيَ: رَدُّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْغَلَّةِ، وَالتَّضْمِينِ، وَحَقُّهُ فِي الْهَدْمِ وَالْقَلْعِ لِمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي مِلْكِهِ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٥٠.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ وَالْغَلَّةِ.
أ - رَدُّ أَوِ اسْتِرْدَادُ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ وَزَوَائِدِهِ وَغَلَّتِهِ وَمَنَافِعِهِ:
١٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ الْغَاصِبُ عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي غَصَبَهُ إِذَا كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (١) وَقَوْلِهِ: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا أَوْ جَادًّا، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا (٢)؛ وَلأَِنَّ رَدَّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ هُوَ الْمُوجَبُ الأَْصْلِيُّ لِلْغَصْبِ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُعَلَّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلاَّ بِرَدِّهِ، وَالْوَاجِبُ الرَّدُّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي غَصَبَهُ؛ لِتَفَاوُتِ الْقِيَمِ بِتَفَاوُتِ الأَْمَاكِنِ. (٣)
وَأَمَّا زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنْ
_________
(١) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". تقدم تخريجه ف / ١٦.
(٢) حديث: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه. . ". تقدم تخريجه ف / ١٦.
(٣) تكملة فتح القدير ٧ / ٣٦٧، والشرح الصغير ٣ / ٥٩٠، والقوانين الفقهية ص ٣٢٩، والمهذب ١ / ٣٦٧، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٣٧٤، ٤٢٣.
الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ تُضْمَنُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِ، أَمْ مُنْفَصِلَةً كَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ، مَتَى تَلِفَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ؛ لِتَحَقُّقِ إِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ (الضَّامِنَةِ)؛ لأَِنَّهُ بِإِمْسَاكِ الأَْصْل تَسَبَّبَ فِي إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ، وَإِثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الأَْصْل مَحْظُورٌ. (١)
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ زَوَائِدَ الْمَغْصُوبِ لاَ تُضْمَنُ إِذَا هَلَكَتْ بِلاَ تَعَدٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالتَّقْصِيرِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، أَمْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْجَمَال؛ لأَِنَّ الْغَصْبَ فِي رَأْيِهِمَا هُوَ إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى مَال الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيل يَدَ الْمَالِكِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَيَدُ الْمَالِكِ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ عُنْصُرَ " إِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ " لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا، كَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي غَصْبِ الْعَقَارِ.
فَإِنْ تَعَدَّى الْغَاصِبُ عَلَى الزِّيَادَةِ، بِأَنْ
_________
(١) المهذب ١ / ٣٧٠، المغني والشرح الكبير ٥ / ٣٩٩ وما بعدها.
أَتْلَفَهَا أَوْ أَكَلَهَا أَوْ بَاعَهَا، أَوْ طَلَبَهَا مَالِكُهَا فَمَنَعَهَا عَنْهُ، ضَمِنَهَا؛ لأَِنَّهُ بِالتَّعَدِّي أَوِ الْمَنْعِ صَارَ غَاصِبًا. (١)
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْرْجَحِ عِنْدَهُمْ فِي نَوْعِ الزِّيَادَةِ، فَقَالُوا: إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي بِفِعْل اللَّهِ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ، فَلاَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وَلَوْ نَشَأَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَال الْغَاصِبِ كَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَثَمَرِ الشَّجَرِ. فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ تَلِفَتْ أَوِ اسْتُهْلِكَتْ، وَيَجِبُ رَدُّهَا مَعَ الْمَغْصُوبِ الأَْصْلِيِّ عَلَى صَاحِبِهَا. (٢)
أَمَّا مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ فَفِيهِ التَّفْصِيل الآْتِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَمْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَغْصُوبُ عَقَارًا كَالدَّارِ، أَمْ مَنْقُولًا كَالْكِتَابِ وَالْحُلِيِّ وَنَحْوِهِمَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَوَجَبَ
_________
(١) البدائع ٧ / ١٤٣، ١٦٠، الدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٤٣، تكملة الفتح ٧ / ٣٨٨، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٤.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٣١٣، الشرح الصغير ٣ / ٥٩٦، الشرح الكبير للدردير ٣ / ٤٤٨، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ٢ / ٢٢٠.
ضَمَانُهُ كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ذَاتُهَا. (١)
وَذَهَبَ مُتَقَدِّمُو الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لاَ يَضْمَنُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَسُكْنَى الدَّارِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهَا أَوْ عَطَّلَهَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ عِنْدَهُمْ؛ وَلأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْحَادِثَةَ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهَا مَعْنَى الْغَصْبِ؛ لِعَدَمِ إِزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا.
وَأَوْجَبَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ ضَمَانَ أَجْرِ الْمِثْل فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ - وَالْفَتْوَى عَلَى رَأْيِهِمْ - وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ وَقْفًا، أَوْ لِيَتِيمٍ، أَوْ مُعَدًّا لِلاِسْتِغْلاَل، بِأَنْ بَنَاهُ صَاحِبُهُ أَوِ اشْتَرَاهُ لِذَلِكَ الْغَرَضِ. (٢)
وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ - أَيْ ذَاتُهُ - بِاسْتِعْمَال الْغَاصِبِ غَرِمَ النُّقْصَانَ؛ لاِسْتِهْلاَكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَأَمَّا غَلَّةُ الْمَغْصُوبِ: فَلاَ تَطِيبُ فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِلْغَاصِبِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، وَقَال
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨٦، المهذب ١ / ٣٦٧، فتح العزيز شرح الوجيز ١١ / ٢٦٣، المغني ٥ / ٢٧٠، القواعد لابن رجب ص ٢١٢.
(٢) البدائع ٧ / ١٤٥، الدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٤٤ وما بعدها، تكملة الفتح ٧ / ٣٩٤، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٥، ونقل المحاسني في شرح المجلة للمادتين ٤٥٩، ٤٧١، فتوى المتأخرين بزيادة ضمان بيت المال على الثلاثة المذكورة.
أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: تَطِيبُ لَهُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ غَلَّةُ مَغْصُوبٍ مُسْتَعْمَلٍ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ أَكْرَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ أَرْضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَل فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ فَوَّتَ عَلَى رَبِّهِ اسْتِعْمَالِهِ، إِلاَّ إِذَا نَشَأَ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ كَلَبَنٍ وَصُوفٍ وَثَمَرٍ. (٢)
ب - الضَّمَانُ:
١٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ نَقَصَ أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ حَدَثَ عَيْبٌ مُفْسِدٌ فِيهِ، أَوْ صُنِعَ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى سُمِّيَ بِاسْمٍ آخَرَ، كَخِيَاطَةِ الْقُمَاشِ، وَصِيَاغَةِ الْفِضَّةِ حُلِيًّا، وَصِنَاعَةِ النُّحَاسِ قَدْرًا، وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهُ، وَحُقَّ لِلْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَضْمِينُهُ، (٣) بِأَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِنَ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) الشرح الصغير ٣ / ٥٩٥، ٥٩٦.
(٣) تكملة الفتح ٧ / ٣٦٣، تبيين الحقائق ٥ / ٣٣٣، والدر المختار ورد المحتار ٥ / ١٣٠ اللباب ٢ / ١٨٨، وبداية المجتهد ٢ / ٣١٢، وشرح الرسالة ٢ / ٢١٧، والقوانين الفقهية ص ٣٣٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٨١، ٢٨٤ وكشاف القناع ٤ / ١١٦ وما بعدها، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٣٧٦ وما بعدها.
الْمِثْلِيَّاتِ (١)، وَهِيَ الْمَكِيلاَتُ كَالْحُبُوبِ، وَالْمَوْزُونَاتُ كَالأَْقْطَانِ وَالْحَدِيدِ، وَالذَّرْعِيَّاتُ كَالأَْقْمِشَةِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ الأَْصْلِيَّ فِي الضَّمَانَاتِ هُوَ الْمِثْل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وَلأَِنَّ الْمِثْل أَعْدَل، لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ، فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ وَأَقْرَبَ إِلَى الأَْصْل، فَالْمِثْل أَقْرَبُ إِلَى الشَّيْءِ مِنَ الْقِيمَةِ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ صُورَةً وَمَعْنًى، فَكَانَ الإِْلْزَامُ بِهِ أَعْدَل وَأَتَمَّ لِجُبْرَانِ الضَّرَرِ، وَالْوَاجِبُ فِي الضَّمَانِ الاِقْتِرَابُ مِنَ الأَْصْل بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ تَعْوِيضًا لِلضَّرَرِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْل صَفِيَّةَ: أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَفَّارَتِهِ؟ فَقَال: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ. (٣)
_________
(١) المال المثلى هو ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به، أو هو ما تماثلت آحاده أو أجزاؤه، بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به كالحبوب والنقود والأدهان.
(٢) سورة البقرة / ١٩٤.
(٣) حديث عائشة: " ما رأيت صانعة طعام مثل صفية. . . ". أخرجه النسائي (٧ / ٧١) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (٥ / ٢٥) .
٢٠ - فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمِثْل أَوْ كَانَ الْمَال قِيَمِيًّا (١) كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَالْحَيَوَانِ، وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَذَلِكَ فِي ثَلاَثِ حَالاَتٍ: (٢)
الأُْولَى: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، كَالْحَيَوَانَاتِ وَالدُّورِ وَالْمَصُوغَاتِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهَا قِيمَةٌ تَخْتَلِفُ عَنِ الأُْخْرَى بِاخْتِلاَفِ الصِّفَاتِ الْمُمَيِّزَةِ لِكُل وَاحِدٍ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ خَلِيطًا مِمَّا هُوَ مِثْلِيٌّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالْحِنْطَةِ مَعَ الشَّعِيرِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِثْلِيًّا تَعَذَّرَ وُجُودُ مِثْلِهِ، وَالتَّعَذُّرُ إِمَّا حَقِيقِيٌّ حِسِّيٌّ، كَانْقِطَاعِ وُجُودِ الْمِثْل فِي السُّوقِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَإِنْ وُجِدَ فِي الْبُيُوتِ، أَوْ حُكْمِيٌّ، كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل. أَوْ شَرْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلضَّامِنِ، كَالْخَمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ، يَجِبُ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا.
_________
(١) المال القيمي: هو ما ليس له مثل في الأسواق، أو يوجد مع التفاوت المعتد به في القيمة، أو هو ما تفاوتت أفراده، فلا يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور والأراضي والأشجار وأفراد الحيوان والمفروشات والمخطوطات والحلي ونحوها.
(٢) الدر المختار ورد المحتار لابن عابدين ٥ / ١٢٩.