الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ (١) .

أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: فَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)

وَأَمَّا السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ: فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (٣) وَقَوْلُهُ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ (٤)

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمَغْصُوبُ نِصَابَ سَرِقَةٍ.

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَصْبُ:

٨ - فِي بَيَانِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَصْبُ اتِّجَاهَانِ:

_________

(١) المغني ٥ / ٢٢٠، كشاف القناع ٤ / ٨٣، المهذب ١ / ٣٦٧، والبدائع ٧ / ١٤٨.

(٢) سورة النساء / ٢٩.

(٣) حديث: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٥٨) ومسلم (٣ / ١٣٠٥ - ١٣٠٦) من حديث أبي بكرة، واللفظ المذكور لمسلم.

(٤) حديث: " لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفسه ". أخرجه أحمد (٥ / ٧٢) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ١٧٢) وقال: رواه أبو يعلى، وأبو حرة وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين.

الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِيلاَءِ، أَيْ إِثْبَاتِ يَدِ الْعُدْوَانِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، بِمَعْنَى إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ.

وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الاِسْتِيلاَءِ، الاِسْتِيلاَءَ الْحِسِّيَّ بِالْفِعْل، وَإِنَّمَا يَكْفِي الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمَال وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، وَلَوْ أَبْقَاهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ (١) .

وَالثَّانِي: لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَبِرَأْيِهِمَا يُفْتَى فِي الْمَذْهَبِ: وَهُوَ أَنَّ الْغَصْبَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، بِفِعْلٍ فِي الْمَال، أَيْ أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ (وَهُوَ أَخْذُ الْمَال) وَإِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ، أَيْ بِالنَّقْل وَالتَّحْوِيل.

وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَعَدَمُ الْيَدِ: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ (٢) .

_________

(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٢ والشرح الصغير ٣ / ٥٨٣ ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٥ وكشاف القناع / ٨٣.

(٢) البدائع ٧ / ١٤٣، تكملة الفتح ٧ / ٣٦٨ ط مصطفى محمد، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٤.

مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْغَصْبُ:

٩ - مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْغَصْبُ مِنْهُ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَال الْمَنْقُول الْمُتَقَوِّمُ الْمَعْصُومُ الْمَمْلُوكُ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ الْمُبَاحِ، فَمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالصُّلْبَانِ، كَالأَْمْتِعَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْكُتُبِ وَالْحُلِيِّ وَالدَّوَابِّ وَالسَّيَّارَاتِ، يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْغَصْبُ.

وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِيهِ، فَهُوَ مَا يَأْتِي:

أ - الْعَقَارُ:

١٠ - الْعَقَارُ هُوَ: كُل مَا لاَ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ.

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنَ الأَْرَاضِي وَالدُّورِ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبِهَا؛ لأَِنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهُمْ لِتَوَافُرِ مَعْنَى الْغَصْبِ إِثْبَاتُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى الشَّيْءِ بِالسُّكْنَى وَوَضْعِ الأَْمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضِمْنًا بِالضَّرُورَةِ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ؛ لاِسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْيَدَيْنِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ

فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَْرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ (٢) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إِمْكَانُ غَصْبِ الأَْرْضِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِيمَا يُنْقَل وَيُحَوَّل؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْغَصْبِ فِي رَأْيِهِمَا - وَهُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ بِالنَّقْل - لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.

وَأَمَّا الْعَقَارُ كَالأَْرْضِ وَالدَّارِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَعْنَى الْغَصْبِ فِيهِ؛ لِعَدَمِ إِمْكَانِ نَقْلِهِ وَتَحْوِيلِهِ، فَمَنْ غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، كَغَلَبَةِ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ صَاعِقَةٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ عِنْدَهُمَا؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ بِإِزَالَةِ الْيَدِ؛ لأَِنَّ الْعَقَارَ فِي مَحَلِّهِ لَمْ يُنْقَل، فَصَارَ كَمَا لَوْ حَال بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ، فَتَلِفَ الْمَتَاعُ، فَلاَ يَضْمَنُ عِنْدَهُمَا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْهَلاَكُ بِفِعْل الْغَاصِبِ كَأَنْ هَدَمَهُ، فَيَضْمَنُهُ، لأَِنَّ الْغَصْبَ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْعَقَارِ، فَيُعْتَبَرُ

_________

(١) الشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ٤٤٣، بداية المجتهد ٢ / ٣١١، مغني المحتاج ٢ / ٢٧٥ وما بعدها، المغني ٥ / ٢٢٣، كشاف القناع ٤ / ٨٣ وما بعدها.

(٢) حديث: " من ظلم قيد شبر من الأرض. . . ". فتح الباري (٥ / ١٠٣، ١٠٥) ومسلم (٣ / ١٢٣٢) من حديث عائشة.

الإِْتْلاَفُ، وَالإِْتْلاَفُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُتْلِفِ (١) .

وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَالأَْصَحُّ أَنْ يُقَال: جُحُودُ الْوَدِيعَةِ لَوْ كَانَتْ عَقَارًا بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، فَلاَ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فِي الْعَقَارِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

ب - الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي غَصْبِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ.

فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا غُصِبَتِ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي فَسْخِ الإِْجَارَةِ لِذَهَابِ مَحَل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ عَدَمِ الْفَسْخِ.

وَفَصَّل آخَرُونَ فِي الْحُكْمِ.

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِجَارَة ف ٥٤)

ج - زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ وَغَلَّتُهُ وَمَنَافِعُهُ:

١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَقُّقِ غَصْبِ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤٥ وما بعدها، تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٤، تكملة فتح القدير ٧ / ٣٦٨ ط مصطفى محمد، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٨٩.

زَوَائِدِ الْمَغْصُوبِ وَغَلَّتِهِ وَمَنَافِعِهِ أَوْ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ خِلاَفَهُمْ فِي الضَّمَانِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.

غَصْبُ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ:

١٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١): لاَ تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتْلِفُهَا مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَمْ لِذِمِّيٍّ إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهَا، كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ، وَمَا حَرُمَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ لَمْ يُضْمَنْ بِبَدَلٍ عَنْهُ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا، فَمَا لاَ يَحِل بَيْعُهُ وَلاَ تَمَلُّكُهُ، لاَ ضَمَانَ فِيهِ.

لَكِنْ إِذَا كَانَتْ خَمْرُ الذِّمِّيِّ مَا زَالَتْ بَاقِيَةً عِنْدَ الْغَاصِبِ، يَجِبُ رَدُّهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا.

فَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ مُسْلِمٍ لَمْ يَلْزَمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَدُّهَا. وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا، لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى اقْتِنَائِهَا، وَيَحْرُمُ رَدُّهَا إِلَى الْمُسْلِمِ إِذَا

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨٥، ٢٩١، فتح العزيز شرح الوجيز ١١ / ٢٥٨، المهذب ١ / ٣٧٤ المغني ٥ / ٢٥٦، كشاف القناع ٤ / ٨٤ وما بعدها، الميزان الكبرى للشعراني ٢ / ٩٠.

لَمْ يَكُنْ صَانِعَ خَلٍّ (خَلاَّلًا)؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْمْرِ، فَقَالُوا: تُرَدُّ الْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ، أَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلَمٍ إِلَيْهِ، وَلاَ تُرَدُّ الْخَمْرُ غَيْرُ الْمُحْتَرَمَةِ، بَل تُرَاقُ.

وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّل، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخَل لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ إِنْ كَانَ الْخَل أَنْقَصَ قِيمَةً مِنَ الْعَصِيرِ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْل الْعَصِيرِ.

وَلَوْ غَصَبَ شَخْصٌ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، كَالْخَمْرِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ، فَإِذَا تَلِفَا بِيَدِهِ ضَمِنَهُمَا.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دَبَغَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ عِنْدَهُمْ، وَلاَ قِيمَةَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا غَصَبَهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ، أَوِ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ خَلَّل الْخَمْرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَمْ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٤٧ وما بعدها، الدر المختار ٥ / ١٤٧ - ١٤٩، تكملة فتح القدير ٧ / ٣٩٦ - ٤٠٥، تبيين الحقائق ٥ / ٣٣٣، اللباب شرح الكتاب ٢ / ١٩٥.

ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا، وَكَذَا الْخِنْزِيرُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ.

لَكِنْ لَوْ قَامَ الْغَاصِبُ بِتَخْلِيل خَمْرِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا لاَ خَمْرًا؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهُوَ إِتْلاَفُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيَضْمَنُ، وَلِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَل بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ إِذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ، وَيَأْخُذُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ إِنْ دَبَغَهَا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَّل الْخَمْرَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ.

وَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا اسْتَهْلَكَهُ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ عِنْدَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَالْخَمْرُ عِنْدَهُمْ كَالْخَل عِنْدَنَا، وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ (١)، وَبِهِ يُقَرُّونَ عَلَى بَيْعِهِمَا.

لَكِنْ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قِيمَةُ الْخَمْرِ لاَ رَدُّ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمَلُّكِهَا، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ

_________

(١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، وأمرنا بتركهم وما يدينون (نصب الراية ٤ / ٣٦٩، تكملة الفتح ٧ / ٣٩٨) .

يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُ الْخَمْرِ وَتَمْلِيكُهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.

أَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَوْ لِذِمِّيٍّ، فَلاَ يُضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ؛ لأَِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ، وَلاَ يَدِينُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الأَْدْيَانِ تَمَوُّلَهُمَا.

وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مِنَ الْمُسْلِمِ قِيمَةَ صَلِيبٍ غَصَبَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لأَِنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ.

وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (١) كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لاَ تُضْمَنُ خَمْرُ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرُهُ، وَلاَ آلاَتُ الْمَلاَهِي وَالأَْصْنَامِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٢) . وَلأَِنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهَا، وَمَا لاَ قِيمَةَ لَهُ لاَ يُضْمَنُ.

لَكِنْ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَوَّلُونَهَا.

وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرُ وَكَانَتْ لِمُسْلِمٍ، خُيِّرَ صَاحِبُهَا بَيْنَ أَخْذِهَا خَلًّا، أَوْ مِثْل عَصِيرِهَا إِنْ عَلِمَ قَدْرَهَا وَإِلاَّ فَقِيمَتُهَا. أَمَّا خَمْرُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ إِذَا تَخَلَّلَتْ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا بَيْنَ

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٤، ٣ / ٤٤٧، الشرح الصغير ٣ / ٥٩٢، ٥٩٣.

(٢) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٤) ومسلم (٣ / ١٢٠٧) من حديث جابر بن عبد الله.

أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ، أَوْ أَخْذِ الْخَل، عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ جِلْدَ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ، أَوْ كَلْبًا مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ مِثْل كَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حِرَاسَةٍ فَأَتْلَفَهُ الْغَاصِبُ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْقِيمَةَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْجِلْدِ أَوْ الْكَلْبِ، وَأَمَّا الْكَلْبُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَلاَ قِيمَةَ لَهُ.

آثَارُ الْغَصْبِ:

لِلْغَصْبِ آثَارٌ تَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ وَالْغَاصِبِ وَالْمَالِكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

أَوَّلًا - مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ:

١٤ - يَلْزَمُ الْغَاصِبَ الإِْثْمُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَال الْغَيْرِ، وَرَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَضَمَانُهَا إِذَا هَلَكَتْ. (١)

أ - الإِْثْمُ وَالتَّعْزِيرُ:

١٥ - يَسْتَحِقُّ الْغَاصِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الآْخِرَةِ، إِذَا فَعَل الْغَصْبَ عَالِمًا أَنَّ الْمَغْصُوبَ مَال الْغَيْرِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ،

_________

(١) الدر المختار ٥ / ١٢٦، القوانين الفقهية ص٣٣٠، مغني المحتاج ٢ / ٢٧٧، المهذب ١ / ٣٦٧، المغني ٥ / ٢٥٩ وما بعدها.