الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَذَبَ الْبَائِعُ فِي إِخْبَارِهِ، كَأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَرْبَعِينَ - سَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً - لَزِمَ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ إِنْ حَطَّ الْبَائِعُ الزَّائِدَ الْمَكْذُوبَ. وَإِلاَّ خُيِّرَ بَيْنَ التَّمَاسُكِ وَالرَّدِّ، وَإِذَا غَشَّ بِأَنِ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ مَثَلًا وَيُرَقِّمُ عَلَيْهَا عَشْرَةً، ثُمَّ يَبِيعُهَا مُرَابَحَةً فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي نَقَدَهُ - وَهُوَ الثَّمَانِيَةُ وَرِبْحُهَا - أَوْ يَرُدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ وَيَرْجِعَ بِثَمَنِهِ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْبَائِعِ فِي مُرَابَحَةٍ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي بِكُل ثَمَنِهِ أَوْ رَدَّهُ لِفَوَاتِ الرِّضَا (٢) .
وَلِلْغِشِّ فِي الْمُرَابَحَةِ صُوَرٌ وَأَحْكَامٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (مُرَابَحَة)
الْغِشُّ فِي التَّوْلِيَةِ:
١٣ - إِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي التَّوْلِيَةِ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ بِأَنِ اشْتَرَى شَيْئًا نَسِيئَةً، ثُمَّ بَاعَهُ تَوْلِيَةً عَلَى الثَّمَنِ الأَْوَّل، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ نَسِيئَةً، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَخْذِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِذَا هَلَكَ أَوْ
_________
(١) الشرح الكبير بهامش الدسوقي ٤ / ١٦٨، ١٦٩.
(٢) رد المحتار ٤ / ١٥٥.
اسْتُهْلِكَ فَلاَ خِيَارَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ حَالًا مَعَ تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلًا بِالأَْجَل الَّذِي اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ إِلَيْهِ، وَلاَ خِيَارَ لَهُ.
وَإِنْ ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِالثَّمَنِ الْبَاقِي دُونَ خِيَارٍ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ حَطَّ الْبَائِعُ الزَّائِدَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، وَإِلاَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ أَوْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْلِيَة ف ١٨، ١٩)
الْغِشُّ فِي الْوَضِيعَةِ:
١٤ - حُكْمُ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ فِي الْوَضِيعَةِ يُشْبِهُ حُكْمَ الْغِشِّ فِي الْمُرَابَحَةِ؛ لأَِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ رِبْحُ الْمُشْتَرِي (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَضَيْعَة)
غِشُّ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي النِّكَاحِ:
١٥ - إِذَا غَشَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الآْخَرَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٢٥، ٢٢٦، والبناية ٦ / ٤٩٤، والخرشي ٥ / ١٧٩ وحاشية الدسوقي ٣ / ١٦٥، ومغني المحتاج ٢ / ٧٩، وروضة الطالبين ٣ / ٥٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٣١.
(٢) رد المحتار ٤ / ١٥٢، ومغني المحتاج ٢ / ٧٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٣٠.
بِكِتْمَانِ عَيْبٍ فِيهِ يُنَافِي الاِسْتِمْتَاعَ أَوْ كَمَال الاِسْتِمْتَاعِ، يَثْبُتُ لِلْمُتَضَرِّرِ مِنْهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَق ف ٩٣ وَمَا بَعْدَهَا)
غِشُّ وُلاَةِ الأُْمُورِ لِرَعِيَّتِهِمْ:
١٦ - الْمُرَادُ بِأُولِي الأَْمْرِ الأُْمَرَاءُ وَالْحُكَّامُ وَكُل مَنْ تَقَلَّدَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا يَعُمُّ الأُْمَرَاءَ وَالْعُلَمَاءَ (٢) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ غِشِّهِمْ لِلرَّعِيَّةِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا، مَا رَوَاهُ مَعْقِل بْنُ يَسَارٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (٣)، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
_________
(١) رد المحتار ٢ / ٥٩٣، والزرقاني ٣ / ٢٣٥، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٦١، والمغني لابن قدامة ٦ / ٦٥٠.
(٢) تفسير الطبري ٨ / ٤٩٥، وتفسير روح المعاني ٥ / ٦٥ في تفسير قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) .
(٣) حديث: " لا يسترعي الله عبدًا رعية يموت حين يموت. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢٧) ومسلم (١ / ١٢٥) واللفظ لمسلم.
الْجَنَّةَ (١) .
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّاعِيَ وَالْوَالِيَ الْغَاشَّ مَحْرُومٌ مِنَ الْجَنَّةِ أَبَدًا، لَكِنَّ النَّوَوِيَّ قَال فِي مَعْنَى: " حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " فِيهِ تَأْوِيلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِل، وَالثَّانِي: حَرَّمَ عَلَيْهِ دُخُولَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ، وَمَعْنَى التَّحْرِيمِ هُنَا الْمَنْعُ (٢) . وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الأَْوْلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِل، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ؛ لأَِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَلاَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ - لاَ لِيَغُشَّهُمْ - حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ (٣) .
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَوْلَهُ: مَعْنَاهُ بَيِّنٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ غَشِّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَّهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَحْ فِيمَا قَلَّدَهُ: إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ دِينِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِهِ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ شَرَائِعِهِمْ،
_________
(١) حديث: " ما من وال يلي رعية من المسلمين. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢٧) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٢ / ١٦٥، ١٦٦.
(٣) فتح الباري ١٣ / ١٢٨، ١٢٩.
وَالذَّبِّ عَنْهَا لِكُل مُتَصَدٍّ لإِدْخَالِهِ دَاخِلَةً فِيهَا أَوْ تَحْرِيفٍ لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودِهِمْ أَوْ تَضْيِيعِ حُقُوقِهِمْ أَوْ تَرْكِ حِمَايَةِ حَوْزَتِهِمْ وَمُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ أَوْ تَرْكِ سِيرَةِ الْعَدْل فِيهِمْ فَقَدْ غَشَّهُمْ (١) .
١٧ - وَقَدْ عَدَّ الذَّهَبِيُّ غِشَّ الْوُلاَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ (٢)، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فَاسِقٌ، وَالْفِسْقُ مُنَافٍ لِلْعَدَالَةِ.
وَيَخْتَلِفُ أَثَرُ فِسْقِ الْوُلاَةِ حَسَبَ نَوْعِيَّةِ الْوِلاَيَةِ وَمَدَى سُلْطَتِهِمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ.
فَفِي الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْعَدَالَةَ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي دَوَامِ الإِْمَامَةِ، فَلاَ يَنْعَزِل السُّلْطَانُ بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ وَتَعْطِيل الْحُقُوقِ، وَلاَ يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ وَعْظُهُ وَدَعْوَتُهُ إِلَى الصَّلاَحِ، بَل إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالُوا بِحُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ، وَتَقْدِيمًا لأَِخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ إِمَامٌ عَدْلٌ فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَإِعَانَةُ ذَلِكَ الْقَائِمِ (٣) .
وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الأَْحْكَامُ فِي سَائِرِ
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢ / ١٦٥، ١٦٦.
(٢) كتاب الكبائر ص ٦٧.
(٣) حاشية رد المحتار ١ / ٣٦٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٩٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص (١٧) والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٤.
الْوِلاَيَاتِ كَالْقَضَاءِ وَالإِْمَارَةِ وَنَحْوِهِمَا حَسَبَ اخْتِلاَفِ طَبِيعَتِهَا.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف ١٢) (وَعَزْل) (وَقَضَاء) .
الْغِشُّ فِي الْمَشُورَةِ وَالنَّصِيحَةِ:
١٨ - يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْتَشَارِ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَا فِيهِ رُشْدُ الْمُسْتَشِيرِ وَخَيْرُهُ، فَإِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ صَوَابٍ فَقَدْ غَشَّهُ فِي مَشُورَتِهِ، وَخَانَهُ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ فَقَدْ خَانَهُ (١) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ (٢)، أَيِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ فِيمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَل مِنَ الأُْمُورِ،
_________
(١) حديث: " من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٢١) .
(٢) حديث: " المستشار مؤتمن ". أخرجه الترمذي (٤ / ٥٨٥) وقال: حديث حسن صحيح غريب.
فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ (١) .
التَّعْزِيرُ عَلَى الْغِشِّ:
١٩ - الْغَاشُّ يُؤَدَّبُ بِالتَّعْزِيرِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ زَاجِرًا وَمُؤَدِّبًا لَهُ، فَالْمُقَرَّرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ التَّعْزِيرُ، وَلاَ يَمْنَعُ التَّعْزِيرُ عَنِ الْحُكْمِ بِالرَّدِّ وَفَسْخِ الْعَقْدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْغِشِّ إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُ الرَّدِّ.
وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلَهُ: مِمَّا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ غَشَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَوْ غَرَّهُ أَوْ دَلَّسَ لَهُ بِعَيْبٍ أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ (٢) .
_________
(١) فيض القدير ٦ / ٢٦٨، وعون المعبود ١٤ / ٣٦، وفتح الباري ١٣ / ٣٤٠.
(٢) مواهب الجليل ٤ / ٤٤٩.
غَصْبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغَصْبُ لُغَةً: هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَقَهْرًا، وَالاِغْتِصَابُ مِثْلُهُ، يُقَال: غَصَبَهُ مِنْهُ وَغَصَبَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ (١) .
وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ: إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ بِفِعْلٍ فِي الْمَال (٢) . وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلاَ حِرَابَةٍ (٣) .
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ (٤) .
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى مَال الْغَيْرِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ (٥) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٣.
(٣) الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي ٢ / ٤٤٢، ٤٥٩، الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٣ / ٥٨١ - ٥٨٣، ٦٠٧ ط دار المعارف.
(٤) السراج الوهاج للغمراوي شرح المنهاج ص ٢٦٦.
(٥) الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٣٧٤، ط دار الكتاب العربي.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعَدِّي:
٢ - التَّعَدِّي هُوَ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْحَقِّ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْغَصْبِ (١) .
ب - الإِْتْلاَفُ:
٣ - الإِْتْلاَفُ هُوَ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٢) .
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ هُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمَالِكِ.
وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِزَوَال يَدِ الْمَالِكِ أَوْ تَقْصِيرِ يَدِهِ. أَمَّا الإِْتْلاَفُ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ.
كَمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الآْثَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ أَوْ تَرَتُّبُ الضَّمَانِ (٣) .
ج - الاِخْتِلاَسُ:
٤ - الاِخْتِلاَسُ لُغَةً: أَخْذُ الشَّيْءِ مُخَادَعَةً عَنْ غَفْلَةٍ. وَاصْطِلاَحًا: أَخْذُ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ جَهْرًا مَعَ الْهَرَبِ بِهِ، سَوَاءٌ جَاءَ الْمُخْتَلِسُ جِهَارًا أَوْ سِرًّا.
_________
(١) المغرب والمصباح المنير.
(٢) البدائع ٧ / ١٦٤.
(٣) تكملة فتح القدير ٧ / ٣٦١.
وَالصِّلَةُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْذَ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنَّ الْوَسِيلَةَ فِيهِمَا تَخْتَلِفُ (١) .
د - السَّرِقَةُ:
٥ - السَّرِقَةُ: هِيَ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ وَالاِسْتِتَارِ، وَهِيَ تُوجِبُ الْحَدَّ.
وَالصِّلَةُ أَنَّ الْغَصْبَ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ عَلاَنِيَةً دُونَ اسْتِخْفَاءٍ، بِخِلاَفِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ خُفْيَةً وَاسْتِتَارًا (٢) .
هـ - الْحِرَابَةُ:
٦ - الْحِرَابَةُ: أَخْذُ الْمَال عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَوِ النَّجْدَةُ وَحُكْمُهَا يَخْتَلِفُ عَنْ حُكْمِ الْغَصْبِ فِي الْجُمْلَةِ
؛ لأَِنَّ الْمُحَارِبَ يُقْتَل أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُقْطَعُ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَْرْضِ، وَلاَ يُفْعَل بِالْغَاصِبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - الْغَصْبُ حَرَامٌ إِذَا فَعَلَهُ الْغَاصِبُ عَنْ عِلْمٍ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير، القليوبي ٣ / ٢٦، الشرح الصغير ٤ / ٤٧٦.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٥٨.
(٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٣ / ٥٨٢.