الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَال: أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ أَرْسِل إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَطْعِمِيهِ الأُْسَارَى. (١)
فَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الاِنْتِفَاعَ بِهَا، مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا؛ وَلَوْ كَانَتْ حَلاَلًا لأَطْلَقَ لَهُمْ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: يَحِل لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ بِالضَّمَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالْفَضْل إِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ؛ لأَِنَّ الْمَغْصُوبَ مَمْلُوكٌ لِلْغَاصِبِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ، عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ: " الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الْغَصْبِ " فَتَطِيبُ بِنَاءً عَلَيْهِ غَلَّةُ الْمَغْصُوبِ لِلْغَاصِبِ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ إِنِ اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ وَرِثَهُ عَنْهُ، أَوْ غَرِمَ
_________
(١) حديث رجل من الأنصار أن امرأة دعت رسول الله ﷺ. أخرجه أبو داود (٣ / ٦٢٧ - ٦٢٨) وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير (٢ / ١٢٧) .
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٥٢ وما بعدها.
لَهُ قِيمَتَهُ بِسَبَبِ التَّلَفِ أَوِ الضَّيَاعِ أَوِ النَّقْصِ أَوْ نَقَصَ فِي ذَاتِهِ، لَكِنْ يُمْنَعُ الْغَاصِبُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَغْصُوبِ بِرَهْنٍ أَوْ كَفَالَةٍ خَشْيَةَ ضَيَاعِ حَقِّ الْمَالِكِ، وَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ قَبُولُهُ وَلاَ الأَْكْل مِنْهُ وَلاَ السُّكْنَى فِيهِ، مِثْل أَيِّ شَيْءٍ حَرَامٍ. أَمَّا إِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ (فَاتَ عِنْدَهُ) فَالأَْرْجَحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ. فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِجَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْ لَحْمِ الأَْغْنَامِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا بَاعَهَا الْغَاصِبُ لِلْجَزَّارَيْنِ، فَذَبَحُوهَا؛ لأَِنَّهُ بِذَبْحِهَا تَرَتَّبَتِ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمَنِ اتَّقَاهُ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَتَمَلَّكُ بِالضَّمَانِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ ذَهَبَ الْمَغْصُوبُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِيمَةِ لأَِنَّهُ حِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، فَوَجَبَ لَهُ الْبَدَل كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَال، وَإِذَا قَبَضَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَدَل مَلَكَهُ لأَِنَّهُ بَدَل مَالِهِ فَمِلْكُهُ كَبَدَل التَّالِفِ، وَلاَ يَمْلِكُ
_________
(١) الشرح الكبير ٣ / ٤٤٥ وما بعدها، الشرح الصغير ٣ / ٦٠١.
الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِالْبَيْعِ، فَلاَ يُمْلَكُ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ. فَإِنْ رَجَعَ الْمَغْصُوبُ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِذَا رَدَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ رَدُّ الْبَدَل؛ لأَِنَّهُ مَلَكَهُ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ الْمَغْصُوبِ، وَقَدْ زَالَتِ الْحَيْلُولَةُ فَوَجَبَ الرَّدُّ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْبَيْعِ لِغَيْرِهِ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالتَّضْمِينِ، كَالشَّيْءِ التَّالِفِ لاَ يَمْلِكُهُ بِالإِْتْلاَفِ؛ وَلأَِنَّهُ غَرِمَ مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْقِيمَةَ لأَِجْل الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، لاَ عَلَى سَبِيل الْعِوَضِ، وَلِهَذَا إِذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَيْهِ، رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ. (٢)
نَفَقَةُ الْمَغْصُوبِ:
٣١ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا أَنْفَقَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، كَعَلَفِ الدَّابَّةِ، وَسَقْيِ الأَْرْضِ وَعِلاَجِهَا وَخِدْمَةِ شَجَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ
_________
(١) المهذب ١ / ٣٦٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٧، ٢٧٩.
(٢) كشاف القناع ٥ / ٢٧٦ - ٢٥٣، المغني والشرح الكبير ٥ / ٤١٧.
مِمَّا لاَ بُدَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، يَكُونُ فِي نَظِيرِ الْغَلَّةِ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا الْغَاصِبُ مِنْ يَدِ الْمَغْصُوبِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ ظُلِمَ لاَ يَظْلِمُ. فَإِنْ تَسَاوَتِ النَّفَقَةُ مَعَ الْغَلَّةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ زَادَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَلَّةِ، فَلاَ رُجُوعَ لِلْغَاصِبِ بِالزَّائِدِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ غَلَّةَ لِلْمَغْصُوبِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ لِظُلْمِهِ، وَإِنْ زَادَتِ الْغَلَّةُ عَلَى النَّفَقَةِ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِزَائِدِهَا. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَرَعَ الْغَاصِبُ الأَْرْضَ الْمَغْصُوبَةَ وَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ، وَيُخَيَّرُ مَالِكُ الأَْرْضِ بَيْنَ تَرْكِ الزَّرْعِ إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِنَفَقَتِهِ، (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ (٣) .
_________
(١) الشرح الصغير ٣ / ٥٩٨.
(٢) المغني والشرح الكبير ٥ / ٣٩٢.
(٣) حديث: " من زرع في أرض قوم من غير إذنهم. . . ". تقدم تخريجه ف / ٢٢.
غُصَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغُصَّةُ - بِالضَّمِّ - لُغَةً: مَا اعْتَرَضَ فِي الْحَلْقِ فَأَشْرَقَ، يُقَال: غَصِصْتُ بِالْمَاءِ أَغَصُّ غَصَصًا: إِذَا شَرِقْتَ بِهِ، أَوْ وَقَفَ فِي حَلْقِكَ فَلَمْ تَكَدْ تُسِيغُهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْسَاغَةُ:
٢ - الإِْسَاغَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَسَاغَ، وَالثُّلاَثِيُّ مِنْهُ سَاغَ، يُقَال: سَاغَ الشَّرَابُ فِي الْحَلْقِ: سَهُل مَدْخَلُهُ مِنْهُ، وَيُقَال: أَسِغْ لِي غُصَّتِي أَيْ: أَمْهِلْنِي وَلاَ تُعْجِلْنِي (٣) .
وَعَلَى ذَلِكَ تَكُونُ الإِْسَاغَةُ عَكْسَ الْغُصَّةِ فَالإِْسَاغَةُ سُهُولَةُ نُزُول الطَّعَامِ فِي
_________
(١) لسان العرب والقاموس المحيط.
(٢) القليوبي ٤ / ٢٠٣.
(٣) لسان العرب.
الْحَلْقِ، بَيْنَمَا الْغُصَّةُ وُقُوفُهَا فِيهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - إِزَالَةُ الْغُصَّةِ أَمْرٌ وَاجِبٌ لإِنْقَاذِ النَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ، وَتُزَال بِكُل مَا يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا بِهِ مِنْ مَاءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ - وَلَوْ كَانَ بَوْلًا أَوْ خَمْرًا إِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُهَا بِهِ غَيْرَ الْخَمْرِ - يَقُول الْفُقَهَاءُ: لِمُضْطَرٍّ خَافَ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُسِيغُهَا بِهِ غَيْرَ الْخَمْرِ تَنَاوَلَهُ مَا يَلْزَمُ لإِزَالَةِ الْغُصَّةِ دُونَ تَجَاوُزٍ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وَلأَِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مَطْلُوبٌ بِدَلِيل إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا.
وَإِسَاغَةُ الْغُصَّةِ بِالْخَمْرِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهَا مِنْ قَبِيل الرُّخْصَةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
كَمَا أَنَّ الإِْثْمَ يَرْتَفِعُ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَرَفَةَ الَّذِي يَرَى أَنَّ ضَرُورَةَ الْغُصَّةِ تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَلاَ تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ. (٢)
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٣.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٤١٢، والدسوقي ٤ / ٣٥٢، ونهاية المحتاج ٨ / ١١، والقليوبي ٤ / ٢٠٣، وكشاف القناع ٦ / ١١٧.
غَضَب
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغَضَبُ مَصْدَرُ: غَضِبَ، يُقَال: غَضِبَ عَلَيْهِ يَغْضَبُ غَضَبًا وَغَضْبَةً، وَمَغْضَبَةً، وَغَضِبَ لَهُ: أَيْ غَضِبَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَجْلِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا يُقَال: غَضِبَ بِهِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الرِّضَا، وَقَال أَبُو الْبَقَاءِ: الْغَضَبُ إِرَادَةُ الإِْضْرَارِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، وَقَال الْجُرْجَانِيُّ: الْغَضَبُ تَغَيُّرٌ يَحْصُل عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِيَحْصُل عَنْهُ التَّشَفِّي لِلصَّدْرِ. (١)
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِهِ:
الْفَرْكُ:
٢ - الْفَرْكُ مَصْدَرُ فَرِكَ بِالْكَسْرِ: يُقَال
_________
(١) لسان العرب، والتعريفات للجرجاني.
فَرِكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا تَفْرُكُهُ فَرْكًا أَيْ: أَبْغَضَتْهُ وَكَذَلِكَ فَرَكَهَا زَوْجُهَا، وَيُقَال رَجُلٌ مُفَرَّكٌ لِلَّذِي تُبْغِضُهُ النِّسَاءُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ أَنَّ الْفَرْكَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَضَبِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَضَبِ:
٣ - الْغَضَبُ بِحَسَبِ الأَْسْبَابِ الْمُحَرِّكَةِ لَهُ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا أَوْ مَذْمُومًا.
فَالْغَضَبُ الْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي جَانِبِ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَالذَّبِّ عَنِ الْحُرُمِ، وَالْغَضَبُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ مَحْمُودٌ، وَضَعْفُهُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ عَدَمُ الْغَيْرَةِ عَلَى الْحُرُمِ، وَالرِّضَا بِالذُّل، وَتَرْكُ الْمُنْكَرَاتِ تَنْتَشِرُ وَتَنْمُو، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: مَا انْتَقَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ (٢) .
وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ
_________
(١) الصحاح.
(٢) حديث: " ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٢٥) ومسلم (٤ / ١٨١٣) من حديث عائشة، والسياق للبخاري.
وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي (١)
وَالْمَذْمُومُ مَا كَانَ فِي سَبِيل الْبَاطِل، وَيُهَيِّجُهُ الْكِبْرُ، وَالاِسْتِعْلاَءُ، وَالأَْنَفَةُ، وَهَذَا الْغَضَبُ مَذْمُومٌ شَرْعًا، قَال تَعَالَى فِي وَصْفِ الَّذِينَ يَتَمَادَوْنَ فِي الْبَاطِل، وَيَغْضَبُونَ لَهُ: ﴿وَإِذَا قِيل لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِْثْمِ﴾ (٢) . وَقَال فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ بِمَا تَظَاهَرُوا مِنَ الْحَمِيَّةِ الصَّادِرَةِ بِالْبَاطِل: ﴿إِذْ جَعَل الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٣) وَهَذَا مَذْمُومٌ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لِنَفْسِهِ كَأَنْ يَجْهَل عَلَيْهِ أَحَدٌ أَوْ يُسِيءَ إِلَيْهِ، فَالأَْفْضَل لَهُ كَظْمُ الْغَيْظِ، وَالْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. (٤) قَال تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) .
_________
(١) حديث: " أتعجبون من غيرة سعد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١٧٢) ومسلم (٢ / ١١٣٦) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٢) سورة البقرة / ٢٠٦.
(٣) سورة الفتح / ٢٦.
(٤) إحياء علوم الدين ٣ / ١٦٤ وما بعدها، فتح الباري ١٠ / ٥١٧ وما بعدها.
(٥) سورة آل عمران / ١٣٤.
آثَارُ الْغَضَبِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْغَضْبَانِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْغَضْبَانَ مُكَلَّفٌ فِي حَال غَضَبِهِ، وَيُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ كُفْرٍ، وَقَتْل نَفْسٍ، وَأَخْذِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَطَلاَقٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَتَاقٍ وَيَمِينٍ، قَال ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: مَا يَقَعُ مِنَ الْغَضْبَانِ مِنْ طَلاَقٍ، وَعَتَاقٍ، وَيَمِينٍ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ: غَضِبَ زَوْجُهَا فَظَاهَرَ مِنْهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ وَقَالَتْ: لَمْ يُرِدِ الطَّلاَقَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَعْلَمُ إِلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ. (٢) فَجَعَل اللَّهُ الطَّلاَقَ ظِهَارًا وَلَكِنْ إِنْ غَضِبَ حَتَّى أُغْمِيَ أَوْ أَغُشِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ لِزَوَال عَقْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف ٢٢) .
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٢٣٥.
(٢) حديث خولة بنت ثعلبة. أخرجه البيهقي (٩ / ٣٨٤ - ٣٨٥) من حديث أبي العالية الرياحي، وقال: هذا مرسل ولكن له شواهد.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٤٢٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٦٥، شرح المنهج بحاشية الجمل ٤ / ٣٢٤ ط: إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٥ / ٢٣٥.