الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخِلاَفِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَقَال النَّوَوِيُّ: فَائِدَتُهُ أَنَّ الْحَائِضَ إِذَا أَجْنَبَتْ، وَقُلْنَا: لاَ يَجِبُ غُسْل الْحَيْضِ إِلاَّ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَقُلْنَا بِالْقَوْل الضَّعِيفِ إِنَّ الْحَائِضَ لاَ تُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَلَهَا أَنْ تَغْتَسِل عَنِ الْجَنَابَةِ لاِسْتِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.

وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَائِدَةً أُخْرَى، قَال: لَوِ اسْتُشْهِدَتِ الْحَائِضُ فِي قِتَال الْكُفَّارِ قَبْل انْقِطَاعِ حَيْضِهَا، فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ بِالاِنْقِطَاعِ لَمْ تُغْسَل. وَإِنْ قُلْنَا بِالْخُرُوجِ فَهَل تُغْسَل؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي غُسْل الْجُنُبِ الشَّهِيدِ.

وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الإِْقْنَاعِ.

وَذَكَرَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ فَائِدَةً ثَالِثَةً، وَهِيَ فِيمَا إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ: إِنْ وَجَبَ عَلَيْكِ غُسْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ (١) .

الرَّابِعُ - الْمَوْتُ:

٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمَوْتَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ١١١، وفتح القدير ١ / ٤٤، وحاشية الدسوقي ١ / ١٣٠، والمجموع شرح المهذب ١ / ١٤٨ - ١٤٩، والقليوبي وعميرة ١ / ٦٢، ومغني المحتاج ١ / ٦٩، وكشاف القناع ١ / ١٤٦.

حِينَ تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِهِ: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (١) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى سُنِّيَّةِ غُسْل الْمَيِّتِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وُجُوبُ غُسْل الْمَيِّتِ هُوَ قَوْل عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَشَهَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ فَرْحُونَ، وَأَمَّا سُنِّيَّتُهُ فَحَكَاهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ الْجَلاَّبِ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَغْسِيل الْمَيِّتِ ف ٢)

الْخَامِسُ - إِسْلاَمُ الْكَافِرِ:

٢١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ إِسْلاَمَ الْكَافِرِ مُوجِبٌ لِلْغُسْل، فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِل، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ ﵁ أَسْلَمَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِطِ بَنِي فُلاَنٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِل (٣) وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ

_________

(١) حديث: " اغسلنها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٣٢) ومسلم (٢ / ٦٤٦) من حديث أم عطية.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١١٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٠٧، وكشاف القناع ١ / ١٤٥، ومغني المحتاج ١ / ٦٨.

(٣) حديث: " أن ثمامة بن أثال أسلم. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٤) وصححه ابن خزيمة (١ / ١٢٥) .

أَنْ يَغْتَسِل بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (١)؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، فَيَجِبُ الْغُسْل عَلَى الْمُرْتَدِّ أَيْضًا إِذَا أَسْلَمَ.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِصِحَّةِ الْغُسْل قَبْل النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ إِذَا أَجْمَعَ بِقَلْبِهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ إِسْلاَمَهُ بِقَلْبِهِ إِسْلاَمٌ حَقِيقِيٌّ مَتَى عَزَمَ عَلَى النُّطْقِ مِنْ غَيْرِ إِبَاءٍ، لأَِنَّ النُّطْقَ لَيْسَ رُكْنًا مِنَ الإِْيمَانِ وَلاَ شَرْطَ صِحَّةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالُوا: لَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ أَوِ الطَّهَارَةَ أَوِ الإِْسْلاَمَ كَفَاهُ؛ لأَِنَّ نِيَّتَهُ الطُّهْرُ مِنْ كُل مَا كَانَ فِي حَال كُفْرِهِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَسَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْل مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ أَوْ إِنْزَالٍ أَوْ لاَ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَل قَبْل إِسْلاَمِهِ أَوْ لاَ، فَيَكْفِيهِ غُسْل الإِْسْلاَمِ، سَوَاءٌ نَوَى الْكُل أَوْ نَوَى غُسْل الإِْسْلاَمِ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ أَلاَّ يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِل. وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَال لَوَجَبَ الاِسْتِفْصَال، وَوَقْتُ وُجُوبِ الْغُسْل إِذَا أَسْلَمَ، أَيْ بَعْدَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (٣) .

_________

(١) " حديث قيس بن عاصم أنه أسلم. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥٠٣) وقال: حديث حسن.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٣٠ - ١٣١.

(٣) كشاف القناع ١ / ١٤٥.

٢٢ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْل لِلْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ غَيْرُ جُنُبٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ﵁ أَمَرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِل. وَلاَ يَجِبُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُسْل.

وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَهُوَ جُنُبٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْل، قَال النَّوَوِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ. وَقَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: الأَْصَحُّ وُجُوبُ الْغُسْل عَلَيْهِ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْجَنَابَةِ السَّابِقَةِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْمَشْرُوطِ بِزَوَالِهَا إِلاَّ بِهِ، وَقِيل: لاَ يَجِبُ لأَِنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ، وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ جَنَابَةٌ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَاضَتِ الْكَافِرَةُ فَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَلاَ غُسْل عَلَيْهَا، وَلَوْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا ثُمَّ طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْل، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُنُبِ أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ فَكَأَنَّهُ أَجْنَبَ بَعْدَهُ، وَالاِنْقِطَاعُ فِي الْحَيْضِ هُوَ السَّبَبُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدَهُ. قَال قَاضِي خَانْ: وَالأَْحْوَطُ وُجُوبُ الْغُسْل.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِيمَا لَوِ اغْتَسَل حَال كُفْرِهِ هَل يَجِبُ إِعَادَتُهُ؟ أَحَدُهُمَا: لاَ تَجِبُ إِعَادَتُهُ لأَِنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ، بِدَلِيل

أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ إِبَاحَةُ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ فَلَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهُ كَغُسْل الْمُسْلِمَةِ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ الأَْصَحُّ - تَجِبُ إِعَادَتُهُ لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ تَصِحَّ مِنَ الْكَافِرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ، قَال النَّوَوِيُّ: وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْكَافِرِ الْمُغْتَسِل فِي الْكُفْرِ، وَالْكَافِرَةِ الْمُغْتَسِلَةِ لِحِلِّهَا لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ، فَالأَْصَحُّ فِي الْجَمِيعِ وُجُوبُ الإِْعَادَةِ (١) .

فَرَائِضُ الْغُسْل:

الأُْولَى - النِّيَّةُ:

٢٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ فِي الْغُسْل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٢) وَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ أَوِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْغُسْل سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ (٣) .

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٤، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ١١٣، والمجموع شرح المهذب ٢ / ١٥٢ - ١٥٣.

(٢) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩) ومسلم (٣ / ١٥١٥) من حديث عمر بن الخطاب، ولفظ مسلم: " إنما الأعمال بالنية ".

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٥، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٥٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٧٢، وكشاف القناع ١ / ١٥٢، ١٥٤.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نِيَّة)

الثَّانِيَةُ - تَعْمِيمُ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ بِالْمَاءِ:

٢٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَعْمِيمَ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ بِالْمَاءِ مِنْ فُرُوضِ الْغُسْل لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَل يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِل أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّل بِهَا أُصُول شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ (١) وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ تَوَضَّأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَل فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَْذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ (٢) وَلِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ قَال: تَذَاكَرْنَا غُسْل الْجَنَابَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَنَا

_________

(١) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٠) .

(٢) حديث ميمونة " توضأ رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري (١ / ٣٦١) .

فَآخُذُ مِلْءَ كَفَّيَّ ثَلاَثًا فَأَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أُفِيضُهُ بَعْدُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِي (١) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ (٢) .

قَال النَّوَوِيُّ: إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَاجِبٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى كُل ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَمِنْهُ مَا تَحْتَ الشَّعْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْبَشَرَةِ خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا، يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِهِ وَجَمِيعِ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ بِلاَ خِلاَفٍ.

وَقَدْ نَبَّهَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَوَاضِعَ قَدْ لاَ يَصِل إِلَيْهَا الْمَاءُ كَعُمْقِ السُّرَّةِ، وَتَحْتِ ذَقَنِهِ، وَتَحْتِ جَنَاحَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَمَا تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ، وَأَسَافِل رِجْلَيْهِ. وَيُخَلِّل أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَيُخَلِّل شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَشَعْرَ الْحَاجِبَيْنِ وَالْهُدْبَ وَالشَّارِبَ وَالإِْبِطَ وَالْعَانَةَ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ غَسْل كُل مَا يُمْكِنُ بِلاَ حَرَجٍ، كَأُذُنٍ وَسُرَّةٍ وَشَارِبٍ وَحَاجِبٍ وَإِنْ كَثُفَ، وَلِحْيَةٍ وَشَعْرِ رَأْسٍ وَلَوْ مُتَلَبِّدًا،

_________

(١) حديث جبير بن مطعم: " تذاكرنا غسل الجنابة. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ٨١) وأصله في البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٧) ومسلم (١ / ٢٥٨) .

(٢) حديث: " إن تحت كل شعرة جنابة. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٧٢) من حديث أبي هريرة، ثم ذكر تضعيف أحد رواته.

وَفَرْجٍ خَارِجٍ. وَأَمَّا الْفَرْجُ الدَّاخِل فَلاَ يُغْسَل لأَِنَّهُ بَاطِنٌ، وَلاَ تُدْخِل أُصْبُعَهَا فِي قُبُلِهَا. وَلاَ يَجِبُ غَسْل مَا فِيهِ حَرَجٌ كَعَيْنٍ وَثَقْبٍ انْضَمَّ بَعْدَ نَزْعِ الْقُرْطِ وَصَارَ بِحَالٍ إِنْ أُمِرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ يَدْخُلْهُ، وَإِنْ غُفِل لاَ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِمْرَارِهِ، وَلاَ يَتَكَلَّفُ لِغَيْرِ الإِْمْرَارِ مِنْ إِدْخَال عُودٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ مَرْفُوعٌ (١) . وَهُنَاكَ مَسَائِل تَتَعَلَّقُ بِتَعْمِيمِ الْبَشَرَةِ وَالشَّعْرِ بِالْمَاءِ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:

أ - الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ:

٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْل، قَال الْحَنَابِلَةُ: الْفَمُ وَالأَْنْفُ مِنَ الْوَجْهِ لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ، فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى فَلاَ يَسْقُطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ (٢) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٣، وفتح القدير ١ / ٣٨، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٦، ١٣٢، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٨٥، ١٩٠، ١٩١، ومغني المحتاج ١ / ٧٣، والمجموع ٢ / ١٨٠ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ١٥٢، ١٥٤.

(٢) حديث عائشة: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء. . . ". أخرجه الدارقطني (١ / ٨٦) وصوب إرساله.

بِالْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ (١) . وَلأَِنَّ الْفَمَ وَالأَْنْفَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيل أَنَّ الصَّائِمَ لاَ يُفْطِرُ بِوُصُول شَيْءٍ إِلَيْهِمَا، وَيُفْطِرُ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْل، لأَِنَّ الْفَمَ وَالأَْنْفَ لَيْسَا مِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَاعْتَبَرُوا غَسْلَهُمَا مِنْ سُنَنِ الْغُسْل (٢) .

ب - نَقْضُ الضَّفَائِرِ:

٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ فِي الْغُسْل إِذَا كَانَ الْمَاءُ يَصِل إِلَى أُصُولِهَا، وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْل الْجَنَابَةِ؟ قَال: لاَ، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ

_________

(١) حديث أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ أمر بالمضمضة والاستنشاق ". أخرجه البيهقي (١ / ٥٢) ونقل عن الدارقطني أنه أعله.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٧٣، وكشاف القناع ١ / ٩٦ - ١٥٤.

فَتَطْهُرِينَ (١) فَإِذَا لَمْ يَصِل الْمَاءُ إِلَى أُصُول الضَّفَائِرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَقْضُهَا فِي الْجُمْلَةِ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَإِذَا لَمْ يَبْتَل أَصْلُهَا، بِأَنْ كَانَ مُتَلَبِّدًا أَوْ غَزِيرًا أَوْ مَضْفُورًا ضَفْرًا شَدِيدًا لاَ يَنْفُذُ فِيهِ الْمَاءُ يَجِبُ نَقْضُهَا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ بِنَفْسِهِ أَوْ ضُفِّرَ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ، سَوَاءٌ اشْتَدَّ الضَّفْرُ أَمْ لاَ. وَالْمُرَادُ بِهَا مَا زَادَ عَلَى الاِثْنَيْنِ فِي الضَّفِيرَةِ، وَكَذَا مَا ضُفِرَ بِخَيْطٍ أَوْ خَيْطَيْنِ مَعَ الاِشْتِدَادِ، وَصَرَّحُوا بِوُجُوبِ ضَغْثِ مَضْفُورِ الشَّعْرِ - أَيْ جَمْعِهِ وَضَمِّهِ وَتَحْرِيكِهِ - لِيُدَاخِلَهُ الْمَاءُ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَإِنْ كَانَتْ عَرُوسًا تُزَيِّنُ شَعْرَهَا، وَفِي الْبُنَانِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْعَرُوسَ الَّتِي تُزَيِّنُ شَعْرَهَا لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْل رَأْسِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِتْلاَفِ الْمَال، وَيَكْفِيهَا الْمَسْحُ عَلَيْهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ إِنْ لَمْ يَصِل الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهَا إِلاَّ بِالنَّقْضِ، بِخِلاَفِ مَا تَعَقَّدَ بِنَفْسِهِ فَلاَ يَجِبُ نَقْضُهُ وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنْ كَانَ بِفِعْلٍ عُفِيَ عَنْ قَلِيلِهِ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَثَلًا شَيْءٌ وَلَوْ

_________

(١) حديث أم سلمة: " قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٩ - ٢٦٠)، وفي رواية: " فأنقضه للحيض والجنابة ".