الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

وَإِذَا فَسَدَتِ الْمُغَارَسَةُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَالثَّمَرُ وَالْغَرْسُ لِرَبِّ الأَْرْضِ تَبَعًا لأَِرْضِهِ؛ لأَِنَّهَا هِيَ الأَْصْل وَلِلآْخَرِ قِيمَةُ غَرْسِهِ يَوْمَ الْغَرْسِ، وَأَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ بِشَرِكَةِ جُزْءٍ مَعْلُومٍ فِي الأَْرْضِ وَالشَّجَرِ (٢) .

وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ الْمُغَارَسَةِ وَنَوْعِيَّةِ الْغِرَاسِ وَسَائِرِ شُرُوطِهَا، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مُسَاقَاة) .

ثَالِثًا: الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ:

أ - الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ:

٥ - مَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى، كُلِّفَ بِقَلْعِ الْغَرْسِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ (٣) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَال إِنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ،

_________

(١) الدر المختار ٥ / ١٨٣، ١٨٤.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٨٢، ١٨٣.

(٣) حديث:: " " ليس لعرق ظالم حق " ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٥٣) من حديث سعيد بن زيد، وأشار إلى إعلاله بالإرسال، وخرجه ابن حجر في الفتح (٥ / ١٩) ذاكرًا أحاديث غيره من الصحابة، وقال:: في أسانيدها مقال، ولكن يتقوى بعضها ببعض.

غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الآْخَرِ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الأَْرْضِ بِأَرْضِهِ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْل أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا قَال عُرْوَةُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ (١) .؛ وَلأَِنَّ مِلْكَ صَاحِبِ الأَْرْضِ بَاقٍ، فَإِنَّ الأَْرْضَ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةً، فَيُؤْمَرُ الشَّاغِل بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا إِذَا شَغَل ظَرْفَ غَيْرِهِ بِطَعَامِهِ، وَتَكْلِيفِ الْغَاصِبِ بِقَلْعِ الأَْشْجَارِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، إِذَا أَرَادَ مَالِكُ الأَْرْضِ ذَلِكَ (٢) .

وَهَل لِمَالِكِ الأَْرْضِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الْغَرْسِ فَيَتَمَلَّكُهُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ: إِنِ اتَّفَقَا - أَيْ مَالِكُ الأَْرْضِ وَمَالِكُ الْغِرَاسِ - عَلَى ذَلِكَ جَازَ، لأَِنَّ الْحَقَّ لاَ يَعْدُوهُمَا (٣) . وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ لِمَالِكِ الأَْرْضِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْلِفَةِ قَلْعِهِ. فَقَبِلَهُ الْمَالِكُ (٤) .

أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ تَنْقُصُ

_________

(١) حديث عروة بن الزبير:: " " إن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ. . . " ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٥٥)، وفي إسناده انقطاع. والعم:: الطوال.

(٢) الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٢٦٩، ٢٧٠، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٦ / ١٥٠ وما بعدها، وروضة الطالبين ٥ / ٤٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٠، ٢٩١، وكشاف القناع ٤ / ٨١.

(٣) كشاف القناع ٤ / ٨٣.

(٤) كشاف القناع ٤ / ٨٣.

بِقَلْعِ ذَلِكَ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ قِيمَةَ الْغَرْسِ مَقْلُوعًا، وَيَكُونَ الْغَرْسُ لَهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهُمَا، وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، فَتَقُومُ الأَْرْضُ بِدُونِ شَجَرٍ، ثُمَّ بِالشَّجَرِ مُسْتَحَقُّ الْقَلْعِ، فَيَضْمَنُ فَضْل مَا بَيْنَهُمَا (١) .

وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ، مِنْ أَنَّ مَالِكَ الأَْرْضِ لَهُ الْخِيَارُ: بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الأَْرْضَ مَعَ الْغَرْسِ مُقَابِل دَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ، وَبَيْنَ إِلْزَامِ الْغَاصِبِ قَلْعَهُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا أَخْذَ الْغَرْسِ مُقَابِل الْقِيمَةِ بِمَا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ الْغَرْسِ (٢) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَمَلُّكَ الْغِرَاسِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ إِبْقَاءَهَا بِأُجْرَةٍ، لَمْ يَلْزَمْ إِجَابَتُهُ فِي الأَْصَحِّ (٣) .

وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَالِكُ الأَْرْضِ الْغِرَاسَ مِنَ الْغَاصِبِ مَجَّانًا أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَأَبَى مَالِكُهُ، أَيِ الْغَاصِبِ، لَمْ يَكُنْ لِمَالِكِ الأَْرْضِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ عَيْنُ مَال الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ نَحْوَهُ (٤) .

وَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْغَاصِبَ

_________

(١) الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٢٧٠.

(٢) الزرقاني على خليل ٦ / ١٥٠.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٩١.

(٤) كشاف القناع ٤ / ٨٣.

إِذَا كُلِّفَ بِقَلْعِ الْغِرَاسِ فَإِنَّ تَكْلِفَةَ الْقَلْعِ وَتَسْوِيَةَ الأَْرْضِ كَمَا كَانَتْ عَلَى نَفَقَةِ الْغَاصِبِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (غَصْب) .

ب - الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الْمُسْتَعَارَةِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إِعَارَةِ الأَْرْضِ لِلْغَرْسِ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ مُطْلَقًا بِدُونِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا مَا يَشَاءُ مِنَ الْغِرَاسِ فِي دَاخِل الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعَقْدِ أَوِ الْمُعْتَادَةِ إِذَا كَانَتِ الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ أَوِ الْمُعْتَادَةِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا، وَإِذَا فَعَل ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ غَرَسَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّ مَنْ أَعَارَ أَرْضًا لِلْبِنَاءِ فَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ مُتَشَابِهَانِ فِي قَصْدِ الدَّوَامِ وَالإِْضْرَارِ بِالأَْرْضِ (٣) .

وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ لاَ يَغْرِسَ

_________

(١) الزرقاني ٦ / ١٥٠ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩١، وكشاف القناع ٤ / ٨٢.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٤، والاختيار ٣ / ٥٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٢٦٩ - ٢٧١، وكشاف القناع ٤ / ٦٦.

(٣) الاختيار للموصلي ٣ / ٥٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٦٩، وكشاف القناع ٤ / ٦٦.

مُسْتَعِيرًا لِبِنَاءٍ، وَلاَ يَبْنِيَ مُسْتَعِيرًا لِغِرَاسٍ؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يَخْتَلِفَانِ فِي الضَّرَرِ، فَإِنَّ ضَرَرَ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِ الأَْرْضِ أَكْثَرُ مِنْ بَاطِنِهَا، وَالْغِرَاسُ بِالْعَكْسِ؛ لاِنْتِشَارِ عُرُوقِهِ (١) .

ج - الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ:

٧ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَغْرِسَ فِي الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا؛ لأَِنَّ تَعْطِيل مَنْفَعَتِهَا إِلَى حُلُول الدَّيْنِ تَضْيِيعٌ لِلْمَال، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ، بِخِلاَفِ الْحَال.

فَإِذَا غَرَسَ الرَّاهِنُ فِي الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ تَدْخُل الْغِرَاسُ فِي الرَّهْنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا رَهَنَ أَرْضًا، وَأَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي غِرَاسِهَا بَعْدَ شَهْرٍ، فَالأَْرْضُ قَبْل الشَّهْرِ أَمَانَةٌ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، وَبَعْدَهُ عَارِيَّةً مَضْمُونَةٌ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ (٣) .

كَمَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ غَرْسُهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.

وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ الرَّهْنِ، وَهَل هُوَ أَمَانَةٌ، أَوْ مَضْمُونٌ؟ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ:

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٦٩.

(٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥ / ٣٣٧، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٣ / ٣٣٥.

(٣) أسنى المطالب ٢ / ١٧١، ومغني المحتاج ٢ / ١٣١ و١٣٢ و١٣٧.

(ضَمَان ف ٦٢)

د - الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الْمَشْفُوعِ فِيهَا:

٨ - إِذَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَشْفُوعِ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا قَبْل قِيَامِ الشَّفِيعِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ طَالَبَ الشَّفِيعُ بِشُفْعَتِهِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ الْمُشْتَرِي وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرْسِ، وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ بِقَلْعِهِ؛ لأَِنَّهُ غَرْسٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، فَيُنْقَضُ، كَالرَّاهِنِ إِذَا بَنَى أَوْ غَرَسَ فِي الرَّهْنِ (١) .

وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ لِلشَّفِيعِ الْخِيَارَ بَيْنَ أَخْذِ الْمَشْفُوعِ مَعَ الْغِرَاسِ مُقَابِل دَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ، وَبَيْنَ الْقَلْعِ، لَكِنَّهُمْ أَضَافُوا: إِنْ أَحَبَّ الشَّفِيعُ قَلْعَ الْغِرَاسِ يَضْمَنُ نَقْصَهُ مِنَ الْقِيمَةِ بِالْقَلْعِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الأَْرْضِ مَغْرُوسَةً وَبَيْنَ قِيمَتِهَا خَالِيَةً (٢) .

وَقَال مَالِكٌ: لاَ شُفْعَةَ إِلاَّ أَنْ يُعْطِيَ

_________

(١) الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٣٢٢، ٣٢٣.

(٢) كشاف القناع ٤ / ١٥٧.

الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى وَمَا غَرَسَ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ بَنَى أَوْ غَرَسَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَشْفُوعِ وَلَمْ يَعْلَمِ الشَّفِيعُ بِهِمَا، ثُمَّ عَلِمَ، قَلَعَ ذَلِكَ مَجَّانًا؛ لِعُدْوَانِ الْمُشْتَرِي (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شُفْعَة ف ٤٨) .

رَابِعًا: غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ.

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ غَرْسِ الأَْشْجَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَالأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ شَجَرَةً فِي الْمَسْجِدِ فَهِيَ لِلْمِسْجَدَةِ أَوْ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى رِبَاطٍ مَثَلًا فَهِيَ لِلْوَقْفِ إِنْ قَال لِلْقَيِّمِ: تَعَاهَدْهَا، وَلَوْ لَمْ يَقُل فَهِيَ لَهُ يَرْفَعُهَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ، وَلاَ يَكُونُ غَارِسًا لِلْوَقْفِ. وَقَيَّدَ الْحَصْكَفِيُّ هَذَا الْجَوَازَ بِأَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ لِنَفْعِ الْمَسْجِدِ، كَتَقْلِيل نَزٍّ، وَهُوَ مَا يَتَحَلَّبُ مِنَ الأَْرْضِ مِنَ الْمَاءِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ لِنَفْعِ النَّاسِ بِظِلِّهِ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَلاَ يُفَرِّقُ الصُّفُوفَ،

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٦٤.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٠٤.

لاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ بِوَرَقَةِ أَوْ ثَمَرِةِ، أَوْ يُفَرِّقُ الصُّفُوفَ، أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ تَقَعُ بِهِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْبِيعَةِ وَالْمَسْجِدِ، يُكْرَهُ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ مُحْبِسٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّ مَا غَرَسَهُ وَقْفٌ كَانَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ وَقْفًا، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قَبْل مَوْتِهِ بِأَنَّهُ وَقْفٌ، أَمَّا إِذَا بَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ، كَانَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ، فَيُؤْمَرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا بَعْدَ إِسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا (٢) .

وَقَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ لاَ تُغْرَسَ الأَْشْجَارُ فِي الْمَسْجِدِ (٣) وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَال: يُكْرَهُ غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ غَرَسَ قَطَعَهُ الإِْمَامُ (٤) .

وَفَصَّل الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَال: يُكْرَهُ غَرْسُ الشَّجَرِ وَالنَّخْل وَحَفْرُ الآْبَارِ فِي الْمَسَاجِدِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ مَوْضِعِ الصَّلاَةِ، وَالضِّيقِ وَجَلْبِ النَّجَاسَاتِ مِنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٤٤٤، وفتح القدير مع الهداية ٥ / ٤٤٩.

(٢) الشرح الصغير ومعه بلغة السالك لأقرب المسالك ٤ / ١٣٦، ١٣٧.

(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٦٢.

(٤) الروضة ١ / ٢٩٧.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْغَرْسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَال أَحْمَدُ: إِنْ كَانَتْ غُرِسَتِ النَّخْلَةُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَسْجِدًا فَهَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلاَ أُحِبُّ الأَْكْل مِنْهَا، وَلَوْ قَلَعَهَا الإِْمَامُ لَجَازَ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لِهَذَا، وَإِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ وَلأَِنَّ الشَّجَرَةَ تُؤْذِي الْمَسْجِدَ، وَتَمْنَعُ الْمُصَلِّينَ مِنَ الصَّلاَةِ فِي مَوْضِعِهَا، وَيَسْقُطُ وَرَقُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَثَمَرُهَا، وَتَسْقُطُ عَلَيْهَا الْعَصَافِيرُ وَالطُّيُورُ فَتَبُول فِي الْمَسْجِدِ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ الصِّبْيَانُ فِي الْمَسْجِدِ لأَِجْلِهَا وَرَمَوْهَا بِالْحِجَارَةِ لِيَسْقُطَ ثَمَرُهَا (١) .

خَامِسًا: الْغَرْسُ فِي الأَْرْضِ الْمَوَاتِ:

١٠ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ غَرْسَ الشَّجَرَةِ فِي الأَْرْضِ الْمَوَاتِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ إِحْيَائِهَا (٢) .

وَتَفْصِيل مَسَائِل إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي مُصْطَلَحِهِ (ف ٢٤) .

_________

(١) إعلام الساجد / ٣٤١، ٣٤٣، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٣٤، ٦٣٥.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٨٦، جواهر الإكليل ٥ / ٢٠٣، والتاج والإكليل على هامش الحطاب ٦ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦٦.

غَرْغَرَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَرْغَرَةُ وَالتَّغَرْغُرُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يُرَدِّدَ الشَّخْصُ الْمَاءَ فِي الْحَلْقِ وَلاَ يَسِيغُهُ، وَالْغَرُورُ: مَا يُتَغَرْغَرُ بِهِ مِنَ الأَْدْوِيَةِ، وَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ: تَرَدَّدَ فِيهِمَا الدَّمْعُ، وَأَيْضًا الْغَرْغَرَةُ: تَرَدُّدُ الرُّوحِ فِي الْحَلْقِ (١) .

وَاصْطِلاَحًا: لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ غَرْغَرَةٍ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمَضْمَضَةُ:

٢ - الْمَضْمَضَةُ: تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ ثُمَّ مَجُّهُ. أَمَّا الْغَرْغَرَةُ فَهِيَ تَحْرِيكُ الْمَاءِ وَإِدَارَتُهُ مَعَ وُصُولِهِ إِلَى أَعْمَاقِ الْفَمِ، فَهِيَ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْمَضْمَضَةِ (٣) .

_________

(١) لسان العرب، والقاموس المحيط.

(٢) ابن عابدين ١ / ٧٩، ٥٧١، والحطاب ١ / ٢٤٦، والزرقاني ٢ / ٨٤، ونهاية المحتاج ١ / ١٧٢، والآداب الشرعية ١ / ١٢٩، والمغني ١ / ١٠٤.

(٣) لسان العرب، وابن عابدين ١ / ٧٨، والدسوقي ١ / ٩٧، والحطاب ١ / ٢٤٥ - ٢٤٦، والمغني ١ / ١٠٤.