الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

بِالْجِنَايَةِ عَلَى الآْدَمِيِّ أَوْ طَرَفٍ مِنْهُ. (١) وَعَلَى ذَلِكَ فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْغُرَّةِ.

ب - الأَْرْشُ:

٣ - الأَْرْشُ يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الْمَال الْوَاجِبِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَالْغُرَّةُ مَا تَجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ (٢) .

ج - حُكُومَةُ الْعَدْل:

٤ - حُكُومَةُ الْعَدْل تُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي يُقَدِّرُهُ عَدْلٌ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرٌ مِنَ الشَّرْعِ. فَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنِ الْغُرَّةِ فِي أَنَّ الْغُرَّةَ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا، وَحُكُومَةُ الْعَدْل غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، بَل تُقَدَّرُ مِنْ قِبَل أَهْل الْخِبْرَةِ أَوِ الْحَاكِمِ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا - إِطَالَةُ الْغُرَّةِ فِي الْوُضُوءِ:

٥ - الْمُرَادُ بِإِطَالَةِ الْغُرَّةِ فِي الْوُضُوءِ: غَسْل فَوْقَ الْوَاجِبِ مِنَ الْوَجْهِ (٤) أَيْ

_________

(١) تكملة فتح القدير ٩ / ٢٠٤.

(٢) التعريفات للجرجاني، والاختيار ٥ / ٣٥.

(٣) الزيلعي ٦ / ١٣٣، وتكملة فتح القدير ٩ / ٢١٤.

(٤) القليوبي وبهامشه شرح المنهاج ١ / ٥٥.

الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، (١) وَبِذَلِكَ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (٢)

لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَكَرُوهَا فِي آدَابِ الْوُضُوءِ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَمِنَ الآْدَابِ إِطَالَةُ غُرَّتِهِ وَتَحْجِيلِهِ. (٣)

وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى سُنِّيَّتِهَا بِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيل غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَل (٤) وَإِطَالَةُ التَّحْجِيل غُسْلٌ فَوْقَ الْوَاجِبِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. (٥)

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدِ اعْتَبَرُوا الزِّيَادَةَ فِي غَسْل الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ فِي الْوُضُوءِ. (٦)

وَلاَ يُنْدَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ، بَل تُكْرَهُ عِنْدَهُمْ، وَاعْتَبَرُوهَا مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ. (٧)

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي (وُضُوء) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٨٨ نقلًا عن البحر.

(٢) ابن عابدين ١ / ٨٨، وحاشية القليوبي ١ / ٥٥، والمغني لابن قدامة ١ / ١٠٤، ١٠٥.

(٣) ابن عابدين وبهامشه الدر المختار ١ / ٨٨.

(٤) حديث: " إن أمتي يأتون يوم القيامة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.

(٥) شرح المحلي على المنهاج بهامش القليوبي ١ / ٥٥.

(٦) المغني لابن قدامة ١ / ١٠٤، ١٠٥.

(٧) جواهر الإكليل ١ / ١٧.

ثَانِيًا - الْغُرَّةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُرَّةِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ إِذَا سَقَطَ وَانْفَصَل عَنْ أُمِّهِ مَيِّتًا، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهَا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. (١)

وَيُشْتَرَطُ فِي الْجِنَايَةِ لِوُجُوبِ الْغُرَّةِ: أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا انْفِصَال الْجَنِينِ عَنْ أُمِّهِ مَيِّتًا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِنَايَةُ نَتِيجَةَ فِعْلٍ أَمْ قَوْلٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ عَمْدًا أَمْ خَطَأً. (٢)

وَلاَ يَخْتَلِفُ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِنَ الْحَامِل نَفْسِهَا أَوْ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِمَا، فَفِي كُل هَذِهِ الْحَالاَتِ تَجِبُ الْغُرَّةُ.

وَالْغُرَّةُ تَكُونُ عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً يَبْلُغُ مِقْدَارُهَا نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ. (٣)

_________

(١) حديث: " إن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٤٧) ومسلم (٣ / ١٣٠٩) من حديث أبي هريرة.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وبداية المجتهد ٢ / ٤٠٧، وأسنى المطالب ٤ / ٨٩ والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ٥٥٧، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٣١.

(٣) المراجع السابقة.

٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْغُرَّةِ فِي حَال انْفِصَال الْجَنِينِ مَيِّتًا عَنِ الأُْمِّ الْمَيِّتَةِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْغُرَّةِ أَنْ يَنْفَصِل الْجَنِينُ عَنْ أُمِّهِ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ، فَإِنْ خَرَجَ جَنِينٌ مَيِّتٌ بَعْدَ مَوْتِ الأُْمِّ فَلاَ غُرَّةَ فِيهِ؛ لأَِنَّ مَوْتَ الأُْمِّ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ ظَاهِرًا، وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ انْفِصَال أَكْثَرِ الْجَنِينِ كَانْفِصَال الْكُل. (١)

وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ذَلِكَ، فَتَثْبُتُ الْغُرَّةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ انْفِصَال الْجَنِينِ مَيِّتًا حَدَثَ حَال حَيَاةِ الأُْمِّ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لأَِنَّهُ جَنِينٌ تَلِفَ بِجِنَايَةٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا. (٢) وَهَذَا إِذَا أُلْقِيَ الْجَنِينُ مَيِّتًا نَتِيجَةً لِلْجِنَايَةِ.

أَمَّا إِذَا أَلْقَتْهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، ثُمَّ مَاتَ نَتِيجَةً لِلْجِنَايَةِ، كَأَنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مُبَاشَرَةً، أَوْ دَامَ أَلَمُهُ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ قَتْل إِنْسَانٍ حَيٍّ. (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، ومواهب الجليل للحطاب وبهامشه المواق ٦ / ٢٥٧.

(٢) أسنى المطالب وبهامشه حاشية الرملي ٤ / ٨٩، وحاشية القليوبي بشرح المنهاج ٤ / ١٦١، ١٦٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٨٠١، ٨٠٢.

(٣) الاختيار ٥ / ٤٤، والدسوقي ٤ / ٢٦٩، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٨٠٦.

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (دِيَات ف ٣٣)

تَعَدُّدُ الْغُرَّةِ بِتَعَدُّدِ الأَْجِنَّةِ:

٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَامِل إِذَا أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا فَفِي كُل وَاحِدٍ غُرَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ وُجُوبِهَا؛ لأَِنَّ الْغُرَّةَ ضَمَانُ آدَمِيٍّ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأَْجِنَّةِ، كَالدِّيَاتِ (١) .

مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ:

٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْغُرَّةَ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي فِي سَنَةٍ؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْجَنِينِ لاَ عَمْدَ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى أُمِّهِ عَمْدًا أَمْ خَطَأً أَمْ شِبْهَ عَمْدٍ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي مَال الْجَانِي فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، إِلاَّ أَنْ تَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَتِهِ فَأَكْثَرُ فِي الْخَطَأِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَجُوسِيٌّ حُرَّةً حُبْلَى فَأَلْقَتْ جَنِينًا، فَإِنَّ الْغُرَّةَ الْوَاجِبَةَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْجَانِي.

_________

(١) المراجع السابقة، وانظر ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، والزيلعي ٦ / ١٤٠، ومواهب الجليل ٦ / ٢٥٧، وحاشية الجمل ٥ / ١٠٠.

وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: الْغُرَّةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا مَاتَ الْجَنِينُ مَعَ أُمِّهِ وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ قَتْل الأُْمِّ عَمْدًا أَوْ مَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ فَالْغُرَّةُ فِي مَال الْجَانِي نَفْسِهِ، وَلاَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ. (١)

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجْهَاض ف ١٥) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، والدسوقي ٤ / ٢٦٨، وأسنى المطالب ٤ / ٩٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٨٠٦.

غَرْس

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَرْسُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ غَرَسَ يَغْرِسُ، يُقَال: غَرَسَ الشَّجَرَ غَرْسًا إِذَا أَثْبَتَهُ فِي الأَْرْضِ، كَأَغْرِسُهُ، وَالْغِرَاسُ مَا يُغْرَسُ مِنَ الشَّجَرِ، وَوَقْتُ الْغَرْسِ، وَيُطْلَقُ الْغَرْسُ عَلَى نَفْسِ الشَّجَرَةِ وَالْفَسِيلَةِ أَوِ الْقَضِيبِ الَّذِي يُغْرَسُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى الْغَرْسِ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الزَّرْعُ:

٢ - الزَّرْعُ طَرْحُ الْبَذْرِ، وَيُطْلَقُ الزَّرْعُ عَلَى الْمَزْرُوعِ أَيْضًا، أَيْ مَا اسْتُنِبْتَ بِالْبَذْرِ، تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُل مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ

_________

(١) متن اللغة، والمعجم الوسيط، ولسان العرب، والمصباح المنير.

وَأَنْفُسُهُمْ﴾ (١) . وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُسَمَّى زَرْعًا إِلاَّ وَهُوَ غَضٌّ طَرِيٌّ (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَرْسِ:

أَوَّلًا: فَضْل الْغَرْسِ:

٣ - وَرَدَ فِي فَضْل الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَنَسٌ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. (٣) وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الزَّرْعُ وَالْغَرْسُ مَأْكُولًا مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ زَارِعُهُ وَغَارِسُهُ، وَلَوِ انْتَقَل مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الأَْجْرَ يَحْصُل لِلْغَارِسِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ. (٤)

ثَانِيًا: عَقْدُ الْمُغَارَسَةِ:

٤ - الْمُغَارَسَةُ عَقْدٌ عَلَى غَرْسِ شَجَرٍ فِي

_________

(١) سورة السجدة / ٢٧.

(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط.

(٣) حديث: " ما من مسلم يغرس غرسًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣) ومسلم (٣ / ١١٨٩) .

(٤) فتح الباري ٥ / ٤.

أَرْضٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتُسَمَّى أَيْضًا: الْمُنَاصَبَةُ. (١) وَجَعَلَهَا الْحَنَابِلَةُ قِسْمًا مِنَ الْمُسَاقَاةِ، حَيْثُ قَالُوا: الْمُسَاقَاةُ دَفْعُ أَرْضٍ وَشَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَغْرِسُهُ، وَهِيَ الْمُنَاصَبَةُ، أَوْ شَجَرٌ مَغْرُوسٌ مَعْلُومٌ لِمَنْ يَعْمَل عَلَيْهِ. (٢)

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى صِحَّةِ الْمُغَارَسَةِ فِي الأَْشْجَارِ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ، كَأَنْ يَقُول لَهُ: اغْرِسْ لِي هَذِهِ الأَْرْضَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا أَوْ زَيْتُونًا وَلَكَ كَذَا، وَتَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الإِْجَارَةِ (٣) .

أَمَّا الْمُغَارَسَةُ عَلَى سَبِيل الشَّرِكَةِ، بِأَنْ تُعْطَى الأَْرْضُ لِلْعَامِل لِغَرْسِ الأَْشْجَارِ، وَتَكُونَ الأَْرْضُ وَالأَْشْجَارُ بَيْنَهُمَا، أَوِ الأَْشْجَارُ وَحْدَهَا بَيْنَهُمَا، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ:

فَأَمَّا الْمُغَارَسَةُ عَلَى سَبِيل الشَّرِكَةِ فِي الأَْشْجَارِ وَحْدَهَا فَهِيَ كَمَا يَلِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا غِرَاسًا عَلَى أَنَّ مَا تَحْصَّل مِنَ الأَْغْرَاسِ وَالثِّمَارِ بَيْنَهُمَا جَازَ. (٤)

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ١٨٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٢.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٣٢.

(٣) ابن عابدين ٥ / ١٨٣ - ١٨٥، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٢ - ١٨٣، وحاشية القليوبي ٢ / ٦٣، وكشاف القناع ٣ / ٥٣٢ - ٥٣٥، والمغني لابن قدامة ٥ / ٣٩٢.

(٤) ابن عابدين ٥ / ١٨٣.

وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ، حَيْثُ صَرَّحُوا بِجَوَازِ دَفْعِ أَرْضٍ وَشَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ لِمَنْ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَل عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ أَوْ مِنْهُ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَصِحُّ الْمُغَارَسَةُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ فِي أَحَدِهِمَا، أَيِ الأَْرْضِ أَوِ الشَّجَرِ. (٢)

كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ الْمُنَاصَبَةِ، بِأَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ أَرْضًا لِيَغْرِسَهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَالشَّجَرَةُ بَيْنَهُمَا. (٣)

وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّال: أَنَّ الْحَاصِل فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْعَامِل، وَلِمَالِكِ الأَْرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا عَلَيْهِ. (٤)

وَأَمَّا الْمُغَارَسَةُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الأَْرْضِ وَالأَْشْجَارِ مَعًا فَلاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَلِكَ لاِشْتِرَاطِ الشَّرِكَةِ فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ قَبْل الشَّرِكَةِ، لأَِنَّهُ نَظِيرُ مَنِ اسْتَأْجَرَ صَبَّاغًا يَصْبُغُ ثَوْبَهُ بِصَبْغِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْمَصْبُوغِ لِلصَّبَّاغِ، فَكَانَ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ، كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ. (٥)

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٥٣٢.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٨٣.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٣٢٤.

(٤) مغني المحتاج ٢ / ٣٢٤.

(٥) حاشية ابن عابدين وبهامشه الدر المختار ٥ / ١٨٣، ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ٣٥.