الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
ب - الْغَبْنُ:
٣ - الْغَبْنُ فِي اللُّغَةِ: النُّقْصَانُ، يُقَال: غَبَنَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ غَبْنًا أَيْ: نَقَصَهُ، وَغَبَنَ رَأْيَهُ غَبْنًا: قَلَّتْ فِطْنَتُهُ وَذَكَاؤُهُ. قَال الْفِيْرُوزَآبَادِيُّ.: غَبَنَهُ فِي الْبَيْعِ يَغْبِنُهُ غَبْنًا - وَيُحَرَّكُ - أَوْ بِالتَّسْكِينِ فِي الْبَيْعِ وَبِالتَّحْرِيكِ فِي الرَّأْيِ: خَدَعَهُ (١) .
وَيُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْغَبْنَ إِلَى فَاحِشٍ وَيَسِيرٍ، وَالْحَدُّ الْفَاصِل بَيْنَهُمَا - كَمَا يَقُول صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ - هُوَ الدُّخُول تَحْتَ التَّقْوِيمِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ بَعْضِ الْمُقَوِّمِينَ، (٢) فَالْفَاحِشُ مَا لاَ يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَالْيَسِيرُ مَا يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ بَعْضِ الْمُقَوِّمِينَ. (٣)
ج - التَّدْلِيسُ:
٤ - التَّدْلِيسُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: كَتْمُ عَيْبِ السِّلْعَةِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُول: لَيْسَ لِي فِي الأَْمْرِ وَلْسٌ وَلاَ دَلْسٌ أَيْ: لاَ خِيَانَةٌ وَلاَ خَدِيعَةٌ. (٤)
_________
(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط مادة: (غبن) .
(٢) الكليات ٣ / ٣١٠، ودستور العلماء ٣ / ٣.
(٣) البحر الرائق ٧ / ١٦٩.
(٤) المصباح المنير والمغرب مادة (دلس) والكليات ٢ / ١٠٦.
وَالْغَرَرُ أَعَمُّ مِنَ التَّدْلِيسِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ
٥ - الْغَرَرُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ خَدِيعَةً أَوْ تَدْلِيسًا حَرَامٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُول كِتَابِ الْبُيُوعِ، يَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، وَقَال: وَبَيْعُ مَا فِيهِ غَرَرٌ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ وَلاَ تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ بَاطِلٌ. (٢)
أَقْسَامُ الْغَرَرِ:
٦ - يَنْقَسِمُ الْغَرَرُ مِنْ حَيْثُ تَأْثِيرُهُ عَلَى الْعَقْدِ إِلَى: غَرَرٍ مُؤَثِّرٍ فِي الْعُقْدَةِ وَغَرَرٍ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَرَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُؤَثِّرٍ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِ مُؤَثِّرٍ. (٣)
_________
(١) حديث أبي هريرة: " أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٣) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٥٦، والمجموع ٩ / ٢٥٨.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ١٧١، والمجموع ٩ / ٢٥٨.
شُرُوطُ الْغَرَرِ الْمُؤَثِّرِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْغَرَرِ حَتَّى يَكُونَ مُؤَثِّرًا الشُّرُوطَ الآْتِيَةَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ كَثِيرًا:
٧ - يُشْتَرَطُ فِي الْغَرَرِ حَتَّى يَكُونَ مُؤَثِّرًا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْغَرَرُ يَسِيرًا فَإِنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى الْعَقْدِ.
قَال الْقَرَافِيُّ: الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ - أَيْ فِي الْبَيْعِ - ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: كَثِيرٌ مُمْتَنِعٌ إِجْمَاعًا، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَقَلِيلٌ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، كَأَسَاسِ الدَّارِ وَقُطْنِ الْجُبَّةِ، وَمُتَوَسِّطٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، هَل يُلْحَقُ بِالأَْوَّل أَمْ بِالثَّانِي؟ (١) وَقَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْغَرَرَ الْكَثِيرَ فِي الْمَبِيعَاتِ لاَ يَجُوزُ وَأَنَّ الْقَلِيل يَجُوزُ. (٢)
وَقَال النَّوَوِيُّ: نَقَل الْعُلَمَاءُ الإِْجْمَاعَ فِي أَشْيَاءَ غَرَرُهَا حَقِيرٌ، مِنْهَا: أَنَّ الأُْمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ وَإِنْ لَمْ يُرَ حَشْوُهَا. وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إِجَارَةِ الدَّارِ وَغَيْرِهَا شَهْرًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثَلاَثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ،
_________
(١) الفروق للقرافي ٣ / ٢٦٥، ٢٦٦ ط دار المعرفة، بيروت.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ١٦٨.
وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ دُخُول الْحَمَّامِ بِأُجْرَةٍ، وَعَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ السِّقَاءِ بِعِوَضٍ مَعَ اخْتِلاَفِ أَحْوَال النَّاسِ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ أَوْ مُكْثِهِمْ فِي الْحَمَّامِ، قَال: قَال الْعُلَمَاءُ: مَدَارُ الْبُطْلاَنِ بِسَبَبِ الْغَرَرِ وَالصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِهِ هُوَ أَنَّهُ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ارْتِكَابِ الْغَرَرِ، وَلاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، أَوْ كَانَ الْغَرَرُ حَقِيرًا جَازَ الْبَيْعُ، وَإِلاَّ فَلاَ. (١)
وَقَدْ وَضَعَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ضَابِطًا لِلْغَرَرِ الْكَثِيرِ فَقَال: الْغَرَرُ الْكَثِيرُ هُوَ مَا غَلَبَ عَلَى الْعَقْدِ حَتَّى أَصْبَحَ الْعَقْدُ يُوصَفُ بِهِ (٢)
ب - أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَصَالَةً:
٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْغَرَرِ حَتَّى يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَصَالَةً. أَمَّا إِذَا كَانَ الْغَرَرُ فِيمَا يَكُونُ تَابِعًا لِلْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ فَإِنَّهُ. لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُقَرَّرَةِ: أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي
_________
(١) المجموع للنووي ٩ / ٢٥٨ ط المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
(٢) المنتقى ٥ / ٤١ ط السعادة ١٣٣٢هـ.
غَيْرِهَا (١) وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
١ - أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا مُفْرَدَةً، لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، (٢) وَلَكِنْ لَوْ بِيعَتْ مَعَ أَصْلِهَا جَازَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (٣) وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ الإِْجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ، وَقَال: وَلأَِنَّهُ إِذَا بَاعَهَا مَعَ الأَْصْل حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَال الْغَرَرِ فِيهَا. (٤)
٢ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَمْل فِي الْبَطْنِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمَجْرِ " (٥)
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٢١ ط دار الهلال، الأشباه والنظائر للسيوطي ١٢٠ ط دار الكتب العلمية ١٩٨٣م.
(٢) حديث: " نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٩٤) ومسلم (٣ / ١١٦٥) من حديث ابن عمر.
(٣) حديث: " من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٤٩) ومسلم (٣ / ١١٧٢) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.
(٤) المغني لابن قدامة ٤ / ٩٢، ٩٣.
(٥) حديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ نهى عن المجر ". أخرجه البيهقي (٥ / ٣٤١) ثم أعله بضعف أحد رواته. والمجر: ما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، وأن يشتري ما في بطونها، وأن يشتري البعير بما في بطن الناقة.
وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالنَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى بُطْلاَنِ بَيْعِ الْجَنِينِ؛ لأَِنَّهُ غَرَرٌ، لَكِنْ لَوْ بَاعَ حَامِلًا بَيْعًا مُطْلَقًا صَحَّ الْبَيْعُ، وَدَخَل الْحَمْل فِي الْبَيْعِ بِالإِْجْمَاعِ (١) .
٣ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَشْتَرُوا اللَّبَنَ فِي ضُرُوعِهَا، وَلاَ الصُّوفَ عَلَى ظُهُورِهَا " (٢) وَلأَِنَّهُ مَجْهُول الْقَدْرِ، لأَِنَّهُ قَدْ يُرَى امْتِلاَءُ الضَّرْعِ مِنَ السِّمَنِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ اللَّبَنِ، وَلأَِنَّهُ مَجْهُول الصِّفَةِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّبَنُ صَافِيًا وَقَدْ يَكُونُ كَدِرًا، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، لَكِنْ لَوْ بِيعَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ مَعَ الْحَيَوَانِ جَازَ.
قَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ حَيَوَانٍ فِي ضَرْعِهِ لَبَنٌ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَجْهُولًا؛ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِلْحَيَوَانِ، (٣) وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ. (٤)
وَنَقَل صَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ عَنْ مَالِكٍ
_________
(١) المجموع ٩ / ٣٢٢ وما بعدها.
(٢) أثر ابن عباس: " ولا تشتروا اللبن في. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٥) والبيهقي (٥ / ٣٤٠) وصحح إسناده النووي في المجموع (٩ / ٣٢٦) .
(٣) المجموع ٩ / ٣٢٦.
(٤) حديث المصراة. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٦٨) ومسلم (٣ / ١١٥٨) من حديث أبي هريرة.
أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً إِذَا كَانَ مَا يُحْلَبُ فِيهَا مَعْرُوفًا فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِبَيْعِ لَبَنِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً، وَضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي إِبَّانِ لَبَنِهَا وَعُلِمَ أَنَّ لَبَنَهَا لاَ يُقْطَعُ إِلَى ذَلِكَ الأَْجَل، إِذَا كَانَ قَدْ عُرِفَ وَجْهُ حِلاَبِهَا. (١)
ج - أَلاَّ تَدْعُوَ لِلْعَقْدِ حَاجَةٌ:
٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْغَرَرِ حَتَّى يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْعَقْدِ: أَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ حَاجَةٌ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ لِلنَّاسِ حَاجَةٌ لَمْ يُؤَثِّرِ الْغَرَرُ فِي الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا.
قَال الْكَاسَانِيُّ عَنْ خِيَارِ الشَّرْطِ: إِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ لِلْحَال فَكَانَ شَرْطًا مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فِي الأَْصْل، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا جَازَ بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا وَرَدَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ ﵁ كَانَ يُغْبَنُ فِي التِّجَارَاتِ، فَشَكَا أَهْلُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال لَهُ: ﴿
_________
(١) تهذيب الفروق ٣ / ٢٧٤، والمدونة ٤ / ٢٩٧.
إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لاَ خِلاَبَةَ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَنْتَ فِي كُل سِلْعَةٍ تَبْتَاعُهَا بِالْخِيَارِ ثَلاَثَ لَيَالٍ (١) وَلِلْحَاجَةِ إِلَى دَفْعِ الْغَبْنِ بِالتَّأَمُّل وَالنَّظَرِ. (٢)
وَقَال الْكَمَال عَنْ عَقْدِ السَّلَمِ: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ جَوَازَهُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ. إِذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ لِلْحَاجَةِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْتَاجُ إِلَى الاِسْتِرْبَاحِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَهُوَ بِالسَّلَمِ أَسْهَل، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْبَيْعِ نَازِلًا عَنِ الْقِيمَةِ فَيُرْبِحُهُ الْمُشْتَرِي، وَالْبَائِعُ قَدْ يَكُونُ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْحَال إِلَى السَّلَمِ، وَقُدْرَةٌ فِي الْمَال عَلَى الْبَيْعِ بِسُهُولَةٍ، فَتَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ الْحَالِيَّةُ إِلَى قُدْرَتِهِ الْمَآلِيَّةِ، فَلِهَذِهِ الْمَصَالِحِ شُرِعَ (٣) .
وَقَال الْبَاجِيُّ: إِنَّمَا جُوِّزَ الْجُعْل فِي الْعَمَل الْمَجْهُول وَالْغَرَرُ لِلضَّرُورَةِ. (٤)
وَقَال النَّوَوِيُّ: الأَْصْل أَنَّ بَيْعَ الْغَرَرِ بَاطِلٌ. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
_________
(١) حديث حبان بن منقذ أنه كان يغبن في التجارات. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٣٧) والبيهقي (٥ / ٢٧٣) والزيادة له.
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٧٤.
(٣) فتح القدير ٥ / ٣٢٤ ط الأميرية ١٣١٦هـ.
(٤) المنتقى للباجي ٥ / ١١٠، ١١٢ ط السعادة ١٣٣٢هـ.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (١) . وَالْمُرَادُ مَا كَانَ فِيهِ غَرَرٌ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، فَأَمَّا مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ. وَلاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ كَأَسَاسِ الدَّارِ، وَشِرَاءِ الْحَامِل مَعَ احْتِمَال أَنَّ الْحَمْل وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، وَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَكَامِل الأَْعْضَاءِ أَوْ نَاقِصُهَا، وَكَشِرَاءِ الشَّاةِ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالإِْجْمَاعِ (٢) .
وَبَعْدَ أَنْ قَرَّرَ ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ قَال: وَأَمَّا لَبَنُ الظِّئْرِ فَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَضَانَةِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ. (٣)
د - أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ فِي عَقْدٍ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ:
١٠ - وَقَدِ اشْتَرَطَ هَذَا الشَّرْطَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَطْ، حَيْثُ يَرَوْنَ أَنَّ الْغَرَرَ الْمُؤَثِّرَ هُوَ مَا كَانَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَأَمَّا عُقُودُ التَّبَرُّعَاتِ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهَا الْغَرَرُ.
قَال الْقَرَافِيُّ: فَصَل مَالِكٌ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ، وَهُوَ بَابُ الْمُمَاكَسَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَنْمِيَةِ
_________
(١) حديث أبي هريرة: تقدم تخريجه ف / ٥.
(٢) المجموع للنووي ٩ / ٢٥٨.
(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ٢٣١.
الأَْمْوَال وَمَا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُهَا، وَقَاعِدَةِ مَا لاَ يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ، وَهُوَ مَا لاَ يُقْصَدُ لِذَلِكَ. (١)
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغَرَرَ يُؤَثِّرُ فِي التَّبَرُّعَاتِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لَكِنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ الْوَصِيَّةَ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ
الْغَرَرُ فِي الْعُقُودِ:
أَوَّلًا - الْغَرَرُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ:
أ - الْغَرَرُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ:
الْغَرَرُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ، أَوْ يَكُونَ فِي مَحَل الْعَقْدِ.
١ - الْغَرَرُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ:
١١ - قَدْ يَنْعَقِدُ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى صِفَةٍ تَجْعَل فِيهِ غَرَرًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْغَرَرَ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ - الإِْيجَابِ وَالْقَبُول - لاَ بِمَحَلِّهِ - الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ -
وَيَدْخُل فِي الْغَرَرِ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ عِدَّةُ بُيُوعٍ نَهَى الشَّارِعُ عَنْهَا صَرَاحَةً، مِنْهَا
_________
(١) الفروق للقرافي ١ / ١٥١.