الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
الْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَة ف ١ وَمَا بَعْدَهَا)
وَمِنْهَا بَيْعُ الْحَصَاةِ، كَأَنْ يَقُول الْبَائِعُ: إِذَا رَمَيْتَ هَذِهِ الْحَصَاةَ فَهَذَا الثَّوْبُ مَبِيعٌ مِنْكَ بِكَذَا، وَذَلِكَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي يَجْعَل الرَّمْيَ صِيغَةَ الْبَيْعِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. (٢)
(ر: بَيْعُ الْحَصَاةِ ف ٤) .
وَمِنْهَا بَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. (٣)
(ر: بَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ ف ٣ و٤، وَبَيْعُ الْمُنَابَذَةِ ف ٢) .
وَيَدْخُل أَيْضًا فِي الْغَرَرِ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ
_________
(١) حديث أبي هريرة " نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٢٤) وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٢) حديث أبي هريرة تقدم تخريجه ف / ٥.
(٣) حديث أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٥٩) ومسلم (٣ / ١١٥١) .
تَعْلِيقُ الْبَيْعِ وَإِضَافَتُهُ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل (١) . قَال الشِّيرَازِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَمَجِيءِ الشَّهْرِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ؛ لأَِنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. فَلَمْ يَجُزْ. (٢)
٢ - الْغَرَرُ فِي مَحَل الْعَقْدِ:
١٢ - مَحَل الْعَقْدِ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ يَشْمَل الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ.
وَالْغَرَرُ فِي مَحَل الْعَقْدِ يَرْجِعُ إِلَى الْجَهَالَةِ بِهِ، لِذَا شَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ الْعِلْمَ بِالْمَحَل. (٣)
وَالْغَرَرُ فِي الْمَبِيعِ يَرْجِعُ إِلَى أَحَدِ الأُْمُورِ التَّالِيَةِ: الْجَهْل بِذَاتِ الْبَيْعِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ مِقْدَارِهِ أَوْ أَجَلِهِ، أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، أَوِ التَّعَاقُدِ عَلَى الْمَحَل الْمَعْدُومِ، أَوْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ.
١٣ - فَمِثَال الْجَهْل بِذَاتِ الْمَبِيعِ: بَيْعُ شَاةٍ مِنْ قَطِيعٍ، أَوْ ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْمَبِيعُ هُنَا - وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ - إِلاَّ أَنَّهُ مَجْهُول الذَّاتِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٦٧، الفتاوى الهندية ٤ / ٣٩٦، الفروق للقرافي ١ / ٢٢٩، المجموع ٩ / ٣٤٠، كشاف القناع ٣ / ١٩٤، ١٩٥.
(٢) المجموع للنووي ٩ / ٣٤٠.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٦ والقوانين الفقهية ٢٧٢ ومغني المحتاج ٢ / ١٦ وكشاف القناع ٣ / ١٦٣.
حُصُول نِزَاعٍ فِي تَعْيِينِهِ. (١) وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَيْعَ إِنْ جَعَل لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ التَّعْيِينِ، وَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ بَيْعَ الاِخْتِيَارِ، وَكَذَا أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ إِنْ جَعَل لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ التَّعْيِينِ وَكَانَ اخْتِيَارُهُ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَمَا دُونَ.
وَمِثَال الْجَهْل بِجِنْسِ الْمَحَل: بَيْعُ الْحَصَاةِ عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ، وَبَيْعُ الْمَرْءِ مَا فِي كُمِّهِ " وَأَنْ يَقُول بِعْتُكَ سِلْعَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا. (٢)
(ر: بَيْعُ الْحَصَاةِ ف ٣) . وَمِثَال الْجَهْل بِنَوْعِ الْمَحَل: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَال بِعْتُكَ كُرًّا - وَهُوَ كَيْلٌ - مِنْ حِنْطَةٍ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُل الْكُرِّ فِي مِلْكِهِ بَطَل، وَلَوْ بَعْضُهُ فِي مِلْكِهِ بَطَل فِي الْمَعْدُومِ وَفَسَدَ فِي الْمَوْجُودَةِ، وَلَوْ كُلُّهُ فِي مِلْكِهِ لَكِنْ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَوْ مِنْ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ جَازَ وَإِنْ لَمْ يُضِفِ الْبَيْعَ إِلَى تِلْكَ الْحِنْطَةِ. (٣)
وَقَال الْقَرَافِيُّ: الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ يَقَعَانِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قَال: رَابِعُهَا النَّوْعُ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٦، ١٥٧، حاشية الدسوقي ٣ / ١٥، المجموع ٩ / ٢٨٨، كشاف القناع ٣ / ١٦٣.
(٢) الفروق للقرافي ٣ / ٢٦٥، القوانين الفقهية ص٢٨٢، نهاية المحتاج ٣ / ٤٠٢، كشاف القناع ٣ / ١٦٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢١.
كَعَبْدٍ لَمْ يُسَمِّهِ. (١)
وَقَال الشِّيرَازِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ إِذَا جُهِل جِنْسُهَا أَوْ نَوْعُهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، (٢) وَفِي بَيْعِ مَا لاَ يُعْرَفُ جِنْسُهُ أَوْ نَوْعُهُ غَرَرٌ كَثِيرٌ. (٣)
وَمِثَال الْجَهْل بِصِفَةِ الْمَحَل. بَيْعُ الْحَمْل، وَبَيْعُ الْمَضَامِينِ، وَبَيْعُ الْمَلاَقِيحِ، وَبَيْعُ الْمَجْرِ، وَبَيْعُ عَسْبِ الْفَحْل.
(ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ٥، ٦، ٦٩)
وَمِثَال الْجَهْل بِمِقْدَارِ الْمَبِيعِ: بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَبَيْعُ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ.
وَمِثَال الْجَهْل بِالأَْجَل. بَيْعُ حَبَل الْحَبَلَةِ.
(ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ٥)
وَمِثَال عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَحَل: بَيْعُ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ (٤)، وَبَيْعُ الإِْنْسَانِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ، وَبَيْعُ الْمَغْصُوبِ.
(ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ٣٢ وَمَا بَعْدَهَا)
وَمِثَال التَّعَاقُدِ عَلَى الْمَحَل الْمَعْدُومِ: بَيْعُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ، وَبَيْعُ الْمُعَاوَمَةِ
_________
(١) الفروق ٣ / ٢٦٥.
(٢) حديث أبي هريرة تقدم تخريجه ف / ٥.
(٣) المجموع للنووي ٩ / ٢٨٨.
(٤) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥، ٦، القوانين الفقهية ص٢٨٢، المجموع ٩ / ١٤٩، ٢٨٤، المغني لابن قدامة ٤ / ٢٢١.
وَالسِّنِينَ، وَبَيْعُ نِتَاجِ النِّتَاجِ (١) .
(ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ٧٢، ٨٨) .
١٤ - كَمَا أَنَّ الْغَرَرَ فِي الثَّمَنِ يَرْجِعُ إِلَى الْجَهْل بِهِ.
وَالْجَهْل بِالثَّمَنِ قَدْ يَكُونُ جَهْلًا بِالذَّاتِ، كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ شَاةٍ مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ، فَلاَ يَجُوزُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ. (٢)
وَقَدْ يَكُونُ جَهْلًا بِالنَّوْعِ قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا قَال: بِعْتُكَ بِدِينَارٍ فِي ذِمَّتِكَ أَوْ قَال: بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِكَ، أَوْ أَطْلَقَ الدَّرَاهِمَ، فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِنَوْعِهَا. (٣)
وَقَدْ يَكُونُ جَهْلًا بِصِفَةِ الثَّمَنِ، فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُول الصِّفَةِ؛ لأَِنَّ الصِّفَةَ إِذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً تَحْصُل الْمُنَازَعَةُ، فَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ دَفْعَ الأَْدْوَنِ وَالْبَائِعُ يَطْلُبُ الأَْرْفَعَ، فَلاَ يَحْصُل مَقْصُودُ شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ، وَهُوَ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِلاَ مُنَازَعَةٍ. (٤)
وَقَدْ يَكُونُ جَهْلًا بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ، إِذْ يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ الْعِلْمَ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ إِذَا لَمْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥، القوانين الفقهية ص٢٨٢، المجموع ٩ / ٢٥٨، كشاف القناع ٣ / ١٦٦.
(٢) تحفة الفقهاء ٢ / ٦٣ ط جامعة دمشق ١٩٥٨م، كشاف القناع ٣ / ١٧٣.
(٣) المجموع للنووي ٩ / ٣٢٨، ٣٢٩.
(٤) فتح القدير ٥ / ٨٣، مواهب الجليل ٤ / ٢٧٦، كشاف القناع ٣ / ١٧٤.
يَكُنْ مُشَارًا إِلَيْهِ. فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُول الْقَدْرِ اتِّفَاقًا. (١)
وَقَدْ يَكُونُ جَهْلًا بِأَجَل الثَّمَنِ، قَال النَّوَوِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ (٢) . وَقَال الْكَمَال: جَهَالَةُ الأَْجَل تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فِي التَّسَلُّمِ وَالتَّسْلِيمِ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ وَذَاكَ فِي بِعِيدِهَا، وَلأَِنَّهُ ﵊ فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الأَْجَل - وَهُوَ السَّلَمُ - أَوْجَبَ فِيهِ التَّعْيِينَ، حَيْثُ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. (٣)
وَعَلَى كُل ذَلِكَ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ (٤)
ب - الْغَرَرُ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ:
١٥ - الْغَرَرُ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ قَدْ يَرِدُ عَلَى صِيغَةِ الْعَقْدِ، وَقَدْ يَرِدُ عَلَى مَحَل الْعَقْدِ.
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٨٣، القوانين الفقهية ص٢٥١ ط الدار العربية للكتاب ١٩٨٢م، المجموع ٩ / ٣٣٢، ٣٣٣، كشاف القناع ٣ / ١٧٤.
(٢) المجموع ٩ / ٣٣٩
(٣) حديث: " من أسلف في تمر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٨) ومسلم (٣ / ١٢٢٧) من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم.
(٤) فتح القدير ٥ / ٨٤.
فَمِنَ الْغَرَرِ فِي صِيغَةِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ: التَّعْلِيقُ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَقُول: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ آجَرْتُكَ، بِسَبَبِ أَنَّ انْتِقَال الأَْمْلاَكِ يَعْتَمِدُ الرِّضَا، وَالرِّضَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْجَزْمِ، وَلاَ جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ، فَإِنَّ شَأْنَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِضَهُ عَدَمُ الْحُصُول، وَفِي ذَلِكَ غَرَرٌ. (١)
وَأَمَّا الْغَرَرُ فِي مَحَل الْعَقْدِ فَلاَ يَخْتَلِفُ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ، لِذَا يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَل الإِْجَارَةِ مَا يَشْتَرِطُونَهُ فِي مَحَل الْبَيْعِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الأُْجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَتَيْنِ؛ لأَِنَّ جَهَالَتَهُمَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، (٢) فَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ اسْتِئْجَارِ الأَْجِيرِ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ أَجْرَهُ. (٣)
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ مَحَل الإِْجَارَةِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلاَ تَجُوزُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٣٩٦، الفروق للقرافي ١ / ٢٢٩، المنثور في القواعد ١ / ٣٧٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣، حاشية الدسوقي ٤ / ٣، القوانين الفقهية ص٣٠١، مغني المحتاج ٢ / ٣٣٤، مطالب أولي النهى ٣ / ٥٨٢، ٥٨٧.
(٣) حديث أبي سعيد: " أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ". أخرجه أحمد (٣ / ٥٩) والبيهقي (٦ / ١٢٠)، وأعله البيهقي بالانقطاع بين أبي سعيد والراوي عنه.
إِجَارَةُ مُتَعَذِّرِ التَّسْلِيمِ حِسًّا، كَإِجَارَةِ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوْ شَرْعًا كَإِجَارَةِ الْحَائِضِ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ، وَالطَّبِيبِ لِقَلْعِ سِنٍّ صَحِيحٍ، وَالسَّاحِرِ عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ. (١)
ج - الْغَرَرُ فِي عَقْدِ السَّلَمِ:
١٦ - الْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ السَّلَمِ، إِذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ الشَّارِعُ لِلْحَاجَةِ.
قَال الْكَمَال: وَلاَ يَخْفَى أَنَّ جَوَازَهُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، إِذْ هُوَ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ لِلْحَاجَةِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. (٢)
وَيُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ.
وَزَادَ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا أُخْرَى لِتَخْفِيفِ الْغَرَرِ فِيهِ مِنْهَا: تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَال فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، قَال الْغَزَالِيُّ: مِنْ شَرَائِطِهِ تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ جَبْرًا لِلْغَرَرِ فِي الْجَانِبِ. (٣)
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ إِلَى
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ١٨٧، حاشية الدسوقي ٤ / ٣، مغني المحتاج ٢ / ٣٣٦، ٣٣٩، مطالب أولي النهى ٣ / ٦٠٤، ٦١٠، ٦١٦.
(٢) فتح القدير ٥ / ٣٢٤.
(٣) فتح العزيز شرح الوجيز بذيل المجموع ٩ / ٢٠٥.
يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. (١)
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ عِنْدَ مَحَلِّهِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامَّ الْوُجُودِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحَل بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الآْبِقِ بَل أَوْلَى، فَإِنَّ السَّلَمَ اُحْتُمِل فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ، فَلاَ يُحْتَمَل فِيهِ غَرَرٌ آخَرُ؛ لِئَلاَّ يَكْثُرَ الْغَرَرُ فِيهِ. (٢)
وَمِنْهَا: مَعْرِفَةُ أَوْصَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ، قَال الرَّافِعِيُّ: لأَِنَّ الْبَيْعَ لاَ يَحْتَمِل جَهَالَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ عَيْنٌ، فَلأَنْ لاَ يَحْتَمِلَهَا السَّلَمُ وَهُوَ دَيْنٌ كَانَ أَوْلَى.
وَعَلَّل ابْنُ عَابِدِينَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَقَال: لأَِنَّهُ دَيْنٌ وَهُوَ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِالْوَصْفِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ بِهِ يَكُونُ مَجْهُولًا جَهَالَةً تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَلاَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٨، حاشية الدسوقي ٣ / ١٩٥، فتح العزيز بذيل المجموع ٩ / ٢٠٥، المغني ٤ / ٣٢٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٥، حاشية الدسوقي ٣ / ٢١١، فتح العزيز مع المجموع ٩ / ٢٤١، والمغني ٤ / ٣٢٥.
يَجُوزُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. (١)
د - الْغَرَرُ فِي الْجَعَالَةِ:
١٧ - الْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِ عَقْدِ الْجَعَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ؛ لِجَهَالَةِ الْعَمَل وَجَهَالَةِ الأَْجَل حَيْثُ إِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ الْجُعْل بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْعَمَل، وَهُوَ وَقْتٌ مَجْهُولٌ، إِلاَّ أَنَّهُ جُوِّزَ اسْتِثْنَاءً لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ فِي الْقِيَاسِ غَرَرٌ، إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَوَّزَهُ. (٢)
لَكِنْ مُنِعَتْ بَعْضُ الصُّوَرِ مِنَ الْجَعَالَةِ، مِنْهَا: مَا لَوْ قَال لِرَجُلٍ: بِعْ لِي ثَوْبِي وَلَكَ مِنْ كُل دِينَارٍ دِرْهَمٌ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا يَبِيعُهُ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَعْلُومًا كَأَنْ جَعَل الْعَامِل مَجْهُولًا، إِذْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجَهَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْجُعْل مَعْلُومًا. قَال مَالِكٌ: كُلَّمَا نَقَصَ دِينَارٌ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ نَقَصَ فِي حَقِّهِ الَّذِي سَمَّى لَهُ، فَهَذَا غَرَرٌ لاَ يَدْرِي كَمْ جُعِل لَهُ. (٣)
وَمِنْهَا: مَا لَوْ قَال لآِخَرَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَهُوَ لَكَ فَلاَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٣، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٠٧، ٢٠٨، فتح العزيز بذيل المجموع ٩ / ٢٦٨، المغني ٤ / ٣٠٥.
(٢) المقدمات لابن رشد ٢ / ٣٠٤.
(٣) المنتقى ٥ / ١١٢.