الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
يُحْتَمَل غَالِبًا فَيُغْتَفَرُ فِيهِ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ هُوَ مَا لاَ يُحْتَمَل غَالِبًا، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ بَلَدِ الْبَيْعِ وَالْعَادَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُرْجَعُ فِي الْغَبْنِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِيرِ الأَْصْحَابِ، وَقِيل: يُقَدَّرُ الْغَبْنُ بِالثُّلُثِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِْرْشَادِ. وَنَقَل الْمِرْدَاوِيُّ عَنْ الْمُسْتَوْعِبِ: الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْغَبْنَ الْمُثْبِتَ لِلْفَسْخِ مَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ. وَحَدَّهُ أَصْحَابُنَا بِقَدْرِ ثُلُثِ قِيمَةِ الْبَيْعِ (٢) .
أَثَرُ الْغَبْنِ فِي الْعُقُودِ:
٧ - إِذَا كَانَ الْغَبْنُ الْمُصَاحِبُ لِلْعَقْدِ يَسِيرًا فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. قَال ابْنُ هُبَيْرَةَ. اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَبْنَ فِي الْبَيْعِ بِمَا لاَ يُوحِشُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ (٣) .
إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اسْتَثْنَوْا بَعْضَ الْمَسَائِل، وَاعْتَبَرُوا الْغَبْنَ يُؤَثِّرُ فِيهَا حَتَّى لَوْ كَانَ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٢٤، والجمل ٣ / ٤٠٨، ٤٠٩.
(٢) الإنصاف ٤ / ٣٩٤.
(٣) الإفصاح ١ / ٣٢٤ ط المؤسسة السعيدية بالرياض، وتفسير ابن العربي ٤ / ١٨٠٤.
يَسِيرًا (١) . أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْعُقُودِ حَسَبَ الاِتِّجَاهَاتِ الآْتِيَةِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ لاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَلاَ يُوجِبُ الرَّدَّ (٢) .
قَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ رَدَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا (٣) .
وَقَال الدَّرْدِيرُ: وَلاَ يُرَدُّ الْمَبِيعُ بِغَبْنٍ بِأَنْ يَكْثُرَ الثَّمَنُ أَوْ يَقِل جِدًّا، وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ مُعْتَادِ الْعُقَلاَءِ (٤) .
وَجَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: مُجَرَّدُ الْغَبْنِ لاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَإِنْ تَفَاحَشَ، وَلَوْ اشْتَرَى زُجَاجَةً بِثَمَنٍ كَبِيرٍ يَتَوَهَّمُهَا جَوْهَرَةً فَلاَ خِيَارَ لَهُ، وَلاَ نَظَرَ إِلَى مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْغَبْنِ؛ لأَِنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ حَيْثُ لَمْ يُرَاجِعْ أَهْل
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٢٢، والبحر الرائق ٧ / ١٦٩، وتبيين الحقائق ٤ / ٢٧٢، والإنصاف ٤ / ٣٩٥ مطبعة السنة المحمدية.
(٢) الدر المختار ٤ / ١٥٩، والحطاب ٤ / ٤٧٠، وروضة الطالبين ٣ / ٤٧٠، وتكملة المجموع ١٢ / ٣٢٦.
(٣) الدر المختار ٤ / ١٥٩، ورسالة تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير لابن عابدين ضمن رسائله ٢ / ٦٩.
(٤) الشرح الكبير مع الدسوقي ٣ / ١٤٠.
الْخِبْرَةِ (١) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَقَالُوا بِأَثَرِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُصَاحِبْهُ تَغْرِيرٌ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ:
أ - تَصَرُّفُ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيل بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، يُعْفَى فِيهِ يَسِيرُ الْغَبْنِ دُونَ فَاحِشِهِ كَمَا قَال ابْنُ نُجَيْمٍ (٢) .
وَقَال الْمَوَّاقُ نَقْلًا عَنْ أَبِي عُمَرَ الْمَالِكِيِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّائِبَ عَنْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ إِذَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى مَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ خِيَارِ غَبْنِ الْقَاصِرِ وَشِبْهِهِ ر: (خِيَارُ الْغَبْنِ ف ١٣ وَمَا بَعْدَهَا)
ب - بَيْعُ الْمُسْتَسْلِمِ الْمُسْتَنْصِحِ (٤)، قَال الدَّرْدِيرُ: وَلاَ رَدَّ بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَسْلِمَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بِأَنْ يُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، كَأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي: أَنَا لاَ أَعْلَمُ قِيمَةَ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَبِعْنِي كَمَا تَبِيعُ
_________
(١) روضة الطالبين ٣ / ٤٧٠.
(٢) البحر الرائق ٧ / ١٦٩.
(٣) التاج والإكليل ٤ / ٤٦٨.
(٤) التاج والإكليل ٤ / ٤٦٨.
النَّاسَ فَقَال الْبَائِعُ: هِيَ فِي الْعُرْفِ بِعَشْرَةٍ فَإِذَا هِيَ بِأَقَل: أَوْ يَقُول الْبَائِعُ: أَنَا لاَ أَعْلَمُ قِيمَتَهَا فَاشْتَرِ مِنِّي كَمَا تَشْتَرِي مِنَ النَّاسِ فَقَال: هِيَ فِي عُرْفِهِمْ بِعَشْرَةٍ، فَإِذَا هِيَ بِأَكْثَرَ، فَلِلْمَغْبُونِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، بَل بِاتِّفَاقٍ (١) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - مِنْهُمْ ابْنُ الْقَصَّارِ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْعَقْدِ أَوْ فَسْخِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَاحِبِ الْغَبْنَ تَغْرِيرٌ (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ الْحَمَوِيِّ: فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الرَّدِّ بِهِ (بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ) وَلَكِنْ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَفْتَى بِالرَّدِّ مُطْلَقًا (٣) .
وَقَال الْمَوَّاقُ نَقْلًا عَنْ الْمُتَيْطِيِّ: تَنَازَعَ الْبَغْدَادِيُّونَ فِي هَذَا، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى قِيمَةِ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَ بِنُقْصَانِ النَّاسِ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ
_________
(١) الشرح الصغير ٣ / ١٩٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٥٩، ورسالة تحبير التحرير لابن عابدين ٢ / ٧٠، وتبيين الحقائق ٤ / ٧٩، والبحر الرائق ٦ / ١٢٦، ومواهب الجليل ٤ / ٤٦٨، والمغني ٣ / ٥٨٤.
(٣) تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير لابن عابدين ضمن رسائله ٢ / ٧٠.
مَذْهَبَ مَالِكٍ: لِلْمَغْبُونِ الرَّدُّ إِذَا كَانَ فَاحِشًا وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَغْبُونُ جَاهِلًا بِالْقِيَمِ (١) .
وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ بِإِعْطَاءِ الْعَاقِدِ الْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ فِي ثَلاَثِ صُوَرٍ (٢): إِحْدَاهَا: تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، لِقَوْلِهِ ﵊: لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ أَيْ صَاحِبُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ (٣) (ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ١٢٩. ١٣١) .
وَالثَّانِيَةُ: بَيْعُ النَّاجِشِ وَلَوْ بِلاَ مُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ، وَمِنْهُ أُعْطِيتُ كَذَا وَهُوَ كَاذِبٌ وَالثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِل إِذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ وَغَبَنَ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَلاَ أَرْشَ مَعَ إِمْسَاكٍ (٤) .
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: إِعْطَاءُ الْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ إِذَا صَاحَبَ الْغَبْنَ تَغْرِيرٌ بِهَذَا يَقُول بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَأَفْتَى بِهِ صَدْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ (٥) . (ر: خِيَارُ الْغَبْنِ ف ١٢ وَمَا بَعْدَهَا)
_________
(١) التاج والإكليل ٤ / ٤٦٨.
(٢) المغني ٣ / ٥٨٤، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٥٩، وكشاف القناع ٣ / ٢١١، والروض المربع ٤ / ٤٣٣.
(٣) حديث:: " " لا تلقوا الجلب. . . " ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٧) من حديث أبي هريرة.
(٤) الروض المربع شرح زاد المستنقنع ٤ / ٤٣٤ - ٤٣٦.
(٥) تبيين الحقائق ٤ / ٧٩، والبحر الرائق ٦ / ١٢٦، والدر المختار ٤ / ١٥٩، ورسالة تحبير التحرير لابن عابدين ٢ / ٧٠.
غَدْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغَدْرُ لُغَةً: نَقْضُ الْعَهْدِ وَتَرْكُ الْوَفَاءِ بِهِ، وَغَدَرَ بِهِ غَدْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغَوْل:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْغَوْل: إِهْلاَكُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ لاَ يُحِسُّ بِهِ، وَكُل مَا أَخَذَ الإِْنْسَانُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي فَأَهْلَكَهُ فَهُوَ غَوْلٌ، وَالاِسْمُ: الْغِيلَةُ. (٢)
وَالْغَدْرُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَوْل.
ب - الْخُدْعَةُ:
٣ - الْخَدِيعَةُ وَالْخُدْعَةُ: إِظْهَارُ الإِْنْسَانِ خِلاَفَ مَا يُخْفِيهِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْخَتْل وَإِرَادَةِ
_________
(١) لسان العرب، غريب القرآن للأصفهاني، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٣ / ١٥٩.
(٢) لسان العرب، غريب القرآن للأصفهاني، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٩.
الْمَكْرُوهِ، وَمَا يُخْدَعُ بِهِ الإِْنْسَانُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْخُدْعَةُ أَعَمُّ مِنَ الْغَدْرِ، إِذِ الْغَدْرُ حَرَامٌ، أَمَّا الْخُدْعَةُ فَتُبَاحُ أَحْيَانًا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ (٢)
ج - الْخِيَانَةُ:
٤ - مِنْ مَعَانِي الْخِيَانَةِ فِي اللُّغَةِ: نَقْصُ الْحَقِّ وَنَقْضُ الْعَهْدِ وَعَدَمُ أَدَاءِ الأَْمَانَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٣)
وَالْخِيَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْغَدْرِ. (ر: الْخِيَانَة ف ١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لأَِنَّهُ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْغَادِرُ مِنْ
_________
(١) لسان العرب.
(٢) حديث: " الحرب خدعة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٥٨) ومسلم (٣ / ١٣٦١) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) المعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي.
أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ غَدْرِهِ يَتَعَدَّى إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَقِيل: لأَِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَى الْغَدْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى تَحْرِيمِ الْغَدْرِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (١)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. (٢)
وَالْغَدْرُ مُحَرَّمٌ بِشَتَّى صُوَرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ فَرْدٍ أَمْ جَمَاعَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ مُسْلِمٍ أَمْ ذِمِّيٍّ أَمْ مُعَاهِدٍ.
٦ - وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاءُ بِشُرُوطِ الْعَهْدِ مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهِدِينَ، مَا لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، لِقَوْلِهِ ﷺ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
_________
(١) سورة الإسراء / ٣٤.
(٢) حديث: " أربع من كن فيه كان منافقًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٨٩) ومسلم (١ / ٧٨) من حديث عبد الله بن عمرو. وانظر: حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٧، ودليل الفالحين ٤ / ٤٣٥، ٤٣٨، ٣ / ١٥٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٦٥.
شُرُوطِهِمْ (١) وَلأَِنَّ أَبَا بَصِيرٍ ﵁ لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَجَاءَ الْكُفَّارُ فِي طَلَبِهِ - حَسَبَ الْعَهْدِ - قَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا بَصِيرٍ إِنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ قَدْ صَالَحُونَا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ وَإِنَّا لاَ نَغْدِرُ، فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ. . . فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (٢)، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلاَدِهِمْ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فَرَسٍ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لاَ غَدْرٌ، فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ﵁. فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلاَ يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلاَ يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى
_________
(١) حديث: " المسلمون على شروطهم ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٦) من حديث عمرو بن عوف المزني، وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٢) حديث أبي بصير: " لما جاء إلى النبي ﷺ. . . ". أخرجه البيهقي (٩ / ٢٢٧) .
سَوَاءٍ قَال: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ. (١) وَلأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا غَدَرُوا وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَنْبِذُوا بِالْعَهْدِ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ يَأْمَنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى عَهْدٍ وَلاَ صُلْحٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُنَفِّرًا عَنِ الدُّخُول فِي الدِّينِ، وَمُوجِبًا لِذَمِّ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. (٢)
٧ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل كَافِرٌ حَرْبِيٌّ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاءُ لَهُ وَالْكَفُّ عَنْهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ مُدَّةُ الأَْمَانِ وَيَبْلُغَ مَأْمَنَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، (٣) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَل مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ. (٤)
٨ - كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى
_________
(١) حديث: " من كان بينه وبين قوم عهد. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ١٤٣) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) البدائع ٧ / ١٠٧، تفسير القرطبي ٨ / ٣٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٨٦٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٨، ٢٦٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٦٣ - ٤٦٥.
(٣) سورة التوبة / ٦.
(٤) حديث: " ذمة المسلمين واحدة. . . ". أخرجه البخاري (١٣ / ٢٧٥) ومسلم (٢ / ٩٩٩) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.