الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ إِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ (١) . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٢)

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ بَيْنِهِمْ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَامُل مَعَ مَنْ غَالِبُ مَالِهِ مِنَ الْحَرَامِ (٣) .

وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي مُعَامَلَةِ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَالِهِ حَرَامٌ: إِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَنْدُرُ الْخَلاَصُ مِنْهُ لَمْ تَجُزْ مُعَامَلَتُهُ، مِثْل أَنْ يُقِرَّ إِنْسَانٌ بِأَنَّ فِي يَدِهِ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّهَا حَرَامٌ إِلاَّ دِينَارًا وَاحِدًا، فَهَذَا لاَ تَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ بِدِينَارٍ لِنُدْرَةِ الْوُقُوعِ فِي الْحَلاَل، كَمَا لاَ يَجُوزُ الاِصْطِيَادُ إِذَا اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بَرِّيَّةٌ بِأَلْفِ حَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ، وَإِنْ عُومِل بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّينَارِ أَوِ اُصْطِيدَ بِأَكْثَرَ مِنْ حَمَامَةٍ فَلاَ شَكَّ فِي

_________

(١) حديث:: " " الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ وبينهما مشبهات. . . " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٢٦)، ومسلم (٣ / ١٢١٩ - ١٢٢٠) من حديث النعمان بن بشير.

(٢) حديث:: " " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨) وقال:: حديث حسن صحيح.

(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٠، ١٠٥، وفتح المبين شرح الأربعين النووية ٣ / ١١٣ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ٢٩٥ - ٢٩٨.

تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَلاَل بِأَنِ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَلاَلٍ جَازَتِ الْمُعَامَلَةُ كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ بِأَلْفِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوِ اخْتَلَطَتْ أَلْفُ حَمَامَةٍ بَرِّيَّةٍ بِحَمَامَةٍ بَلَدِيَّةٍ فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لِنُدْرَةِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ الاِصْطِيَادُ. ثُمَّ قَال: وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرُّتْبَتَيْنِ مِنْ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ مَرَاتِبُ مُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ، وَضَابِطُهَا: أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَشْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْحَرَامِ وَتَخِفُّ بِكَثْرَةِ الْحَلاَل، فَاشْتِبَاهُ أَحَدِ الدِّينَارَيْنِ بِآخَرَ سَبَبُ تَحْرِيمٍ بَيِّنٍ، وَاشْتِبَاهُ دِينَارٍ حَلاَلٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ حَرَامٍ سَبَبُ تَحْرِيمٍ بَيِّنٍ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلاَل، فَكُلَّمَا كَثُرَ الْحَرَامُ تَأَكَّدَتِ الشُّبْهَةُ، وَكُلَّمَا قَل خَفَّتِ الشُّبْهَةُ، إِلَى أَنْ يُسَاوِيَ الْحَلاَل الْحَرَامَ فَتَسْتَوِي الشُّبُهَاتُ (١) .

_________

(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ٧٢ - ٧٣، ٢ / ١٨، ٤٧، ٨٩.

غَايَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الْغَايَةِ فِي اللُّغَةِ: الْمَدَى وَالْمُنْتَهَى (١)، يُقَال: غَايَتُكَ أَنْ تَفْعَل كَذَا، أَيْ نِهَايَةُ طَاقَتِكَ أَوْ فِعْلِكَ (٢) . وَقَالُوا: هَذَا الشَّيْءُ غَايَةٌ فِي الْحُسْنِ، أَوْ فِي الْقِيمَةِ، أَيْ بَلَغَ الْحَدَّ الأَْقْصَى (٣) . وَالْمُغَيَّا: ذُو الْغَايَةِ، أَيِ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَى الْغَايَةِ (٤) .

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَالْغَايَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: الْمُنْتَهَى، كَمَا يَقُولُونَ: (إِلَى) لِلْغَايَةِ، أَيْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُنْتَهَى حُكْمِ مَا قَبْلَهَا.

الثَّانِي: نِهَايَةُ الشَّيْءِ مِنْ طَرَفَيْهِ، أَيْ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَمَا يَقُولُونَ: لاَ تَدْخُل الْغَايَتَانِ فِي الْحُكْمِ، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: تُطْلَقُ الْغَايَةُ بِالاِشْتِرَاكِ عُرْفًا بَيْنَ الْمُنْتَهَى وَنِهَايَةِ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المصباح المنير.

(٣) متن اللغة في المادة.

(٤) نفس المرجع.

الشَّيْءِ مِنْ طَرَفَيْهِ.

وَالْمُرَادُ بِالْغَايَةِ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الأَْوَّل وَسُمِّيَتْ غَايَةً لأَِنَّ الْحُكْمَ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، كَمَا يَقُول فَخْرُ الإِْسْلاَمِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ (١) فَاللَّيْل غَايَةٌ لِلصِّيَامِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - ذَكَرَ أَهْل اللُّغَةِ وَالأُْصُولِيُّونَ أَنَّ كَلِمَتَيْ: (إِلَى وَحَتَّى) لِلْغَايَةِ، أَيْ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُمَا مُنْتَهَى حُكْمِ مَا قَبْلَهُمَا (٣)، وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُول الْغَايَةِ (أَيْ مَا بَعْدَ حَرْفَيْ حَتَّى وَإِلَى) فِي الْمُغَيَّا، (أَيْ حُكْمُ مَا قَبْلَهُمَا) إِلَى مَذَاهِبَ:

قَال بَعْضُهُمْ: تَدْخُل مُطْلَقًا، وَقَال آخَرُونَ: لاَ تَدْخُل مُطْلَقًا، وَفَصَّل بَعْضُهُمْ فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ الْمُغَيَّا، بِأَنْ تَنَاوَلَهَا صَدْرُ الْكَلاَمِ، أَيْ قَبْل كَلِمَتَيْ (حَتَّى وَإِلَى) فَتَدْخُل فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا، أَيْ

_________

(١) سورة البقرة / ١٨٧.

(٢) تيسير التحرير ٢ / ١٠٩ وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٢ / ١٧٩.

(٣) التوضيح مع التلويح ١ / ٣٧٧، ٣٨٧، وما بعدهما.، وتيسير التحرير ٢ / ١٠٩، وما بعدها.، ومسلم الثبوت ١ / ٢٤٤، ٢٤٥ وما بعدهما.

قَبْل هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ (١)، كَالْمَرَافِقِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ الْمُغَيَّا، بِأَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا صَدْرُ الْكَلاَمِ، أَيْ مَا قَبْل كَلِمَةِ إِلَى (٣) كَاللَّيْل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ فَلاَ تَدْخُل فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً، فَبَقِيَتْ كَذَلِكَ (٤) .

وَقَال بَعْضُهُمْ: دُخُول الْغَايَةِ فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا وَعَدَمُ دُخُولِهَا فِيهِ مُرْتَبِطٌ بِالْقَرِينَةِ فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةُ الدُّخُول دَخَلَتْ وَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةُ الْخُرُوجِ خَرَجَتْ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ (٥)، لَكِنَّ الأَْشْهَرَ فِي (حَتَّى) الدُّخُول، وَفِي (إِلَى) عَدَمُ الدُّخُول، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ (٦) وَهَذَا يُحْمَل عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٢ / ١٧٨.

(٢) سورة المائدة / ٦.

(٣) مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت بذيل المستصفى ١ / ٢٤٤، ٢٤٥ وتيسير التحرير ٢ / ١٠٩.

(٤) مسلم الثبوت بذيل المستصفى ١ / ٢٤٤، ٢٤٥.

(٥) التلويح على التوضيح ١ / ٢٨٨ وتيسير التحرير ٢ / ١٠٩ وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي نقلًا عن الكشاف ٢ / ١٧٨.

(٦) مسلم الثبوت ١ / ٢٤٤.

غَبَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَبَاءُ فِي اللُّغَةِ: قِلَّةُ الْفَطِنَةِ، وَالْغَبِيُّ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ: الْغَافِل الْقَلِيل الْفَطِنَةِ (١)، وَفُلاَنٌ ذُو غَبَاوَةٍ: أَيْ تَخْفَى عَلَيْهِ الأُْمُورُ، وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ: " فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ " (٢) أَيْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ، وَجَمْعُ الْغَبِيِّ: أَغْبِيَاءٌ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ.

الْخِلاَبَةُ:

٢ - الْخِلاَبَةُ: الْمُخَادَعَةُ. وَقِيل: الْمُخَادَعَةُ بِاللِّسَانِ (٣)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ فَقُل لاَ خِلاَبَةَ (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْغَبَاءِ وَالْخِلاَبَةِ أَنَّ كُلًّا

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير.

(٢) حديث:: " " فإن غبي عليكم. . . " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٩) من حديث أبي هريرة.

(٣) لسان العرب، المصباح المنير.

(٤) حديث:: " " قل:: لا خلابة " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٣٧) ومسلم (٣ / ١١٦٥)، من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.

مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لَلَغَبْنَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُقُودِ.

مَا يَتَّصِل بِالْغَبَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ

أ - الزَّكَاةُ لِلْغَبِيِّ:

٣ - نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تُصْرَفُ لِلْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ إِذَا مَنَعَهُ اشْتِغَالُهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ عَنِ الْكَسْبِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ نَجِيبًا يُرْجَى تَفَقُّهُهُ وَنَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ، وَذَلِكَ كَأَنْ تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إِذَا رَاجَعَ الْكَلاَمَ فَهِمَ كُل مَسَائِلِهِ، أَوْ بَعْضَهَا، وَإِلاَّ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ؛ لأَِنَّ نَفْعَهُ حِينَئِذٍ قَاصِرٌ عَلَيْهِ فَلاَ فَائِدَةَ فِي اشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ إِلاَّ حُصُول الثَّوَابِ لَهُ فَيَكُونُ كَنَوَافِل الْعِبَادَاتِ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة ف ١٦٢)

ب - سُكُوتُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِغَبَائِهِ:

٤ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا سَكَتَ عَنِ الْجَوَابِ لِدَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَشْرَحَ لَهُ الْحَال، وَكَذَا لَوْ نَكَل وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النُّكُول يَجِبُ الشَّرْحُ لَهُ، ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاء)

_________

(١) تحفة المحتاج ٧ / ١٥٢، المجموع للنووي ٦ / ١٩١.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٦٨، القليوبي وعميرة ٤ / ٣٣٨.

غُبَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغُبَارُ لُغَةً هُوَ: مَا دَقَّ مِنَ التُّرَابِ، أَوِ الرَّمَادِ، وَهُوَ أَيْضًا مَا يَبْقَى مِنَ التُّرَابِ الْمُثَارِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغُبَارِ مِنْ أَحْكَامٍ:

أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْغُبَارِ فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا:

أ - النَّجَاسَةُ:

٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ غُبَارَ النَّجَاسَةِ نَجَسٌ إِلاَّ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي اللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَكَذَا إِذَا عَلِقَ بِشَيْءٍ رَطْبٍ كَالثَّوْبِ الْمَبْلُول لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَظْهَرَ لَهُ صِفَةٌ فِي

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط، غريب القرآن للأصفهاني.

الشَّيْءِ الطَّاهِرِ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٍ)

ب - التَّيَمُّمُ:

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْغُبَارِ فِيمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ. وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي التُّرَابِ الَّذِي يُتَيَمَّمُ بِهِ غُبَارٌ يَعْلَقُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ وَهُوَ التُّرَابُ الْخَالِصُ، وَقَال الشَّافِعِيُّ ﵀: الصَّعِيدُ تُرَابٌ لَهُ غُبَارٌ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل الْمَسْحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ - أَيِ الصَّعِيدِ - إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَا غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَإِنْ كَانَ جَرْشًا أَوْ نَدِيًّا لاَ يَرْتَفِعُ لَهُ غُبَارٌ لَمْ يَكْفِ التَّيَمُّمُ بِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ مِنْ غُبَارِ تُرَابٍ عَلَى صَخْرَةٍ أَوْ مِخَدَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ أَدَاةٍ، قَالُوا: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ فِيهِ غُبَارٌ، أَوْ عَلَى لِبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٤٧ - ٢١٦، مغني المحتاج ١ / ٨١، كشاف القناع ١ / ١٨٦ - ١٩٢.

(٢) سورة المائدة / ٦.

أَوْ جُوَالِقَ أَوْ بَرْذَعَةٍ فَعَلِقَ بِيَدَيْهِ غُبَارٌ فَتَيَمَّمَ بِهِ جَازَ، لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ التُّرَابَ حَيْثُ هُوَ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الأَْرْضِ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِثْل هَذَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى حَائِطٍ أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ أَوْ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَصَارَ عَلَى يَدِهِ غُبَارٌ، لِحَدِيثِ أَبِي جَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ عَنْهُ: أَقْبَل النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَل عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ (١)

أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الأَْشْيَاءِ غُبَارٌ يَعْلَقُ عَلَى الْيَدِ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا إِلاَّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى أَنَّ الْغُبَارَ وَحْدَهُ لاَ يَكْفِي بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ تُرَابٌ؛ لأَِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ عِنْدَهُ هُوَ التُّرَابُ الْخَالِصُ، وَالْغُبَارُ لَيْسَ بِتُرَابٍ خَالِصٍ بَل هُوَ تُرَابٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ (٢) .

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالْمَالِكِيَّةُ التَّيَمُّمَ بِصَخْرَةٍ لاَ غُبَارَ عَلَيْهَا،

_________

(١) حديث أبي جهم بن الحارث:: " " أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل. . . " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٤١) .

(٢) البدائع ١ / ٥٣ - ٥٤، جواهر الإكليل ١ / ٢٧، مغني المحتاج ١ / ٩٦، المجموع ٢ / ٢١٣ - ٢١٩، المغني ١ / ٢٤٧.