الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

إِلَى الْغَرِيمِ قَضَاءً عَنْ دَيْنِ الْغَارِمِ فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ ذَلِكَ، قَال أَبُو الْحَارِثِ: قُلْتُ لأَِحْمَدَ: رَجُلٌ عَلَيْهِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَكَانَ عَلَى رَجُلٍ أَلْفٌ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، فَأَدَّاهَا عَنْ هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُجْزِئُ هَذَا عَنْ زَكَاتِهِ؟ قَال: نَعَمْ لاَ أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ،

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ دَفْعُهُ إِلَى الْغَرِيمِ، قَال أَحْمَدُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَقِيضَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، قِيل: هُوَ مُحْتَاجٌ يَخَافُ إِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ وَلاَ يَقْضِيَ دَيْنَهُ، قَال فَلْيُوَكِّل الْغَارِمُ الْمُزَكِّيَ لِيَقْضِيَ عَنْهُ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُزَكِّيَ لاَ يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إِلَى الْغَرِيمِ إِلاَّ بِوَكَالَةِ الْغَارِمِ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْغَارِمِ، فَلاَ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ عَنْهُ إِلاَّ بِتَوْكِيلِهِ أَوْ إِذْنِهِ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل هَذَا عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ جَائِزًا، وَإِنْ كَانَ دَافِعُ الزَّكَاةِ الإِْمَامَ جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلِهِ؛ لأَِنَّ لِلإِْمَامِ وِلاَيَةً عَلَيْهِ فِي إِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ (١) .

_________

(١) المغني ٦ / ٤٣٣ - ٤٣٤ بتصرف بسيط.

ادِّعَاءُ الْغُرْمِ:

٥ - إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغُرْمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَمْ لإِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغُرْمِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.

وَمِنَ الْغَارِمِ الضَّامِنِ لِغَيْرِهِ لاَ لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، بِمَا عَلَى مُعْسِرٍ فَيُعْطَى، فَإِنْ وَفَّى فَلاَ رُجُوعَ، كَمُعْسِرٍ مُلْتَزِمٍ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ بِلاَ إِذْنٍ، وَصَرْفُ الصَّدَقَةِ إِلَى الأَْصِيل الْمُعْسِرِ أَوْلَى أَوْ هُوَ مُوسِرٌ بِمَا عَلَى مُوسِرٍ فَلاَ يُعْطَى (١) .

الاِسْتِدَانَةُ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ:

٦ - قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ اسْتَدَانَ لِنَحْوِ عِمَارَةِ مَسْجِدٍ وَقِرَى ضَيْفٍ وَفَكِّ أَسِيرٍ يُعْطَى عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ النَّقْدِ، لاَ عَنْ غَيْرِهِ كَالْعَقَارِ. وَقَال آخَرُونَ مِنْهُمْ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَدِينِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.

وَقَال صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ قِيل: لاَ أَثَرَ لِغِنَاهُ بِالنَّقْدِ أَيْضًا حَمْلًا عَلَى هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ الْعَامِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا (٢) .

_________

(١) القليوبي ٣ / ١٩٩، والمغني ٦ / ٤٣٤، ونهاية المحتاج ٦ / ١٥٥.

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ١٥٨.

غَالِبٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْغَالِبُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْغَلَبَةِ أَوِ الْغَلَبِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْقَهْرُ وَالْكَثْرَةُ، يُقَال: غَلَبَهُ إِذَا قَهَرَهُ، وَغَلَبَ عَلَى فُلاَنٍ الْكَرَمُ: كَانَ أَكْثَرَ خِصَالِهِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِلَفْظِ غَالِبٍ:

وَرَدَتِ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمُصْطَلَحِ غَالِبٍ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا:

أ - غَالِبُ مُدَّةِ الْحَيْضِ:

٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَيْضِ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ

_________

(١) لسان العرب، ومغني المحتاج ١ / ١١٩.

(٢) مغني المحتاج ١ / ١٠٩، وكشاف القناع ١ / ٢٠٣.

اغْتَسِلِي (١) .

ب - غَالِبُ مُدَّةِ النِّفَاسِ:

٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ غَالِبَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا (٢) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ عَلَى نِسْوَةٍ مَخْصُوصَاتٍ (٣) .

ج - غَالِبُ مُدَّةِ الْحَمْل:

٤ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْل تِسْعَةُ أَشْهُرٍ (٤) .

د - اسْتِعْمَال مَا غَالِبُ حَالِهِ النَّجَاسَةُ.

٥ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَال مَا الأَْصْل فِيهِ الطَّهَارَةُ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ النَّجَاسَةَ كَأَوَانِي وَمَلاَبِسِ

_________

(١) حديث:: " " تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي " ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٢٣٣٢٣) وقال:: حديث حسن صحيح.

(٢) حديث أم سلمة:: " " كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا " ". أخرجه الترمذي (١ / ٢٥٦) وفي إسناده جهالة، كذا في التلخيص لابن حجر (١ / ١٧١) .

(٣) مغني المحتاج ١ / ١١٩.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٣٨٧.

الْكُفَّارِ، وَأَوَانِي وَمَلاَبِسِ الْخَمَّارِينَ، وَمَلاَبِسِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجَزَّارِينَ وَأَمْثَالِهِمْ، وَكَأَوَانِي وَأَلْبِسَةِ الْمُتَدَيِّنِينَ بِالنَّجَاسَةِ كَالْمَجُوسِ، وَكَطِينِ الشَّارِعِ وَالْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ، وَعَرَقِ الدَّوَابِّ وَلُعَابِهَا، وَلُعَابِ الصِّبْيَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ؛ وَلأَِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ.

وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعْمَال لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ لأَِنَّ الأَْصْل الطَّهَارَةُ.

أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ مِنْ حُصُول النَّجَاسَةِ فِي الشَّيْءِ فَيَجِبُ التَّجَنُّبُ مِنْهُ وَلاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (نَجَاسَة، وَعُمُومُ الْبَلْوَى)

هـ - زَكَاةُ الإِْبِل

٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الإِْبِل هَل تَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَالِبِ غَنْمِ الْبَلَدِ أَمْ أَنَّ الْمُزَكِّيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَْغْنَامِ؟

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ

_________

(١) قواعد الأحكام ٢ / ٤٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٩.

الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُزَكِّيَ بِالْخِيَارِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الإِْبِل الْخَمْسِ مَثَلًا شَاةً مِنْ الضَّأْنِ أَوْ شَاةً مِنْ الْمَعْزِ، وَأَيُّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ لِتَنَاوُل اسْمِ الشَّاةِ لَهُمَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ وَلاَ مِنْ جِنْسِ غَنْمِ بَلَدِهِ؛ لإِطْلاَقِ الأَْخْبَارِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل فَفِيهَا شَاةٌ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إِخْرَاجُ غَالِبِ أَغْنَامِ بَلَدِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْقَوْل الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَغْنَامِ الْبَلَدُ، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِقَال إِلَى غَنْمِ بَلَدٍ آخَرَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا فِي الْقِيمَةِ أَوْ خَيْرًا مِنْهَا.

وَلَدَى الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ غَنَمِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ لَهُ غَنَمٌ (٢)

وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (زَكَاة ف ٤٣ وَمَا بَعْدَهَا)

_________

(١) حديث:: " " إذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣١٧) من حديث أبي بكر في كتاب الزكاة.

(٢) الفتاوى الخانية ١ / ٢٤٦، والتاج والإكليل ٢ / ٢٥٨، مغني المحتاج ١ / ٣٧٠، وروضة الطالبين ٢ / ١٥٤، المجموع للنووي ٥ / ٣٩ وما بعدها، وكشاف القناع ٢ / ١٨٥.

و- زَكَاةُ الْفِطْرِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ مِنَ الأَْقْوَاتِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ هُوَ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِ الْمُخْرِجِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ وَتَعَلَّقَ بِالطَّعَامِ، فَوَجَبَ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، فَإِنْ عَدَل عَنْ قُوتِ الْبَلَدِ إِلَى قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ أَجْوَدَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَمْ يُجْزِهِ.

وَإِنْ كَانَ أَهْل الْبَلَدِ يَقْتَاتُونَ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الأَْطْعِمَةِ لَيْسَتْ بَعْضُهَا بِأَغْلَبَ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّهَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، وَلَكِنَّ الأَْفْضَل أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَحْسَنِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)

قَال الْغَزَالِيُّ ﵀: الْمُعْتَبَرُ هُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ وَقْتَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ لاَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَفِي قَوْلٍ لَهُ: الاِعْتِبَارُ هُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرَةِ، إِلاَّ أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الاِعْتِبَارَ هُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ

_________

(١) سورة آل عمران / ٩٢.

يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُزَكِّي غَالِبُ قُوتِ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ مَا فَضَل عَنْ قُوتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُوتِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَْقْوَاتِ الَّتِي تَصِحُّ بِهَا زَكَاةُ الْفِطْرَةِ، فَيُخْرِجُ مَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قُوتِهِ وَغَيْرَ قُوتِ أَهْل بَلَدِهِ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ (١) .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يَكُنْ قُوتَ أَهْل الْمَدِينَةِ فَدَل عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ (٢) .

ز - الإِْطْعَامُ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَاتِ:

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلْدَةِ، فِي حِينِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ

_________

(١) حديث أبي سعيد الخدري:: " " كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا. . . " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٧١)، ومسلم (٢ / ٦٧٨) .

(٢) الدر المختار ٢ / ٧٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٠٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٢، ومواهب الجليل ٢ / ٣٦٧، وكشاف القناع ٢ / ٢٥٣.

أَقْوَاتِ الْبَلَدِ (١)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (كَفَّارَة)

ح - غَالِبُ النَّقْدِ فِي الْبَيْعِ:

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَأَكْثَرُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهَا غَالِبًا انْصَرَفَتِ الْعُقُودُ إِلَيْهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ فَأَكْثَرُ - وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهَا - اُشْتُرِطَ التَّعْيِينُ لَفْظًا وَلاَ يَكْفِي التَّعْيِينُ بِالنِّيَّةِ، أَمَّا إِذَا اتَّفَقَتِ النُّقُودُ بِأَنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ فِي الْقِيمَةِ وَالْغَلَبَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي أَيَّهَا شَاءَ، وَإِنْ عَيَّنَ فِي الْعَقْدِ غَيْرَ النَّقْدِ الْغَالِبِ تَعَيَّنَ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَقْوِيمَ الْمُتْلِفَاتِ يَكُونُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ، فَإِنْ كَانَ لاَ غَالِبَ فِيهَا عَيَّنَ الْقَاضِي وَاحِدًا مِنَ النُّقُودِ لِلتَّقْوِيمِ بِهَا (٢) .

مُعَامَلَةُ مَنْ غَالِبُ مَالِهِ حَرَامٌ:

١٠ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٨٢، المجموع للنووي ٦ / ١٣٠، مغني المحتاج ٣ / ٣٦٧، ٤ / ٣٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٣٧٨.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٦، ومواهب الجليل ٤ / ٢٧٧، مغني المحتاج ٢ / ١٧، كشاف المخدرات ص ٢١٥، قواعد الأحكام لابن عبد السلام ٢ / ١٢٠.

الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ، قَال الْجُوَيْنِيُّ: لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِلاَّ مَا نَدَرَ.

قَال السُّيُوطِيُّ: خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ مِنْهَا: مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ عَنِ الْحَرَامِ لاَ يَحْرُمُ فِي الأَْصَحِّ لَكِنْ يُكْرَهُ، وَكَذَا الأَْخْذُ مِنْ عَطَايَا السُّلْطَانِ إِذَا غَلَبَ الْحَرَامُ فِي يَدِهِ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلاَلٌ كَالسُّلْطَانِ الظَّالِمِ وَالْمُرَابِي، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ حَلاَل مَالِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ فَهُوَ حَرَامٌ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الإِْنْسَانِ مِلْكُهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ كَرِهْنَاهُ لاِحْتِمَال التَّحْرِيمِ فِيهِ، وَلَمْ يَبْطُل الْبَيْعُ؛ لإِمْكَانِ الْحَلاَل، قَل الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ، وَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ، وَبِقَدْرِ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ تَكُونُ كَثْرَةُ الشُّبْهَةِ وَقِلَّتُهَا، قَال أَحْمَدُ: لاَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُل مِنْهُ (١)، لَمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْحَلاَل بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٥٠ وما بعدها و١٠٥ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ٢٩٥، وانظر فتح المبين شرح الأربعين النووية مع حاشية المدابغي ص١١٣ وما بعدها.