الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

الْعَيْبُ فِي بَدَل الصُّلْحِ:

٤٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بِبَدَل الصُّلْحِ عَيْبًا ثَبَتَ الرَّدُّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ إِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ يَثْبُتُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي وَلاَ يَثْبُتُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لأَِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِ، لاَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ

وَلَوْ وَجَدَ بِبَدَل الصُّلْحِ عَيْبًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ لِمَانِعٍ كَالْهَلاَكِ أَوِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي هَذَا الْبَدَل فِي يَدِ الْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ فِي الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ (أَيْ فَيَرْجِعُ إِلَى دَعْوَاهُ الأُْولَى)، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَ حِصَّةَ الْعَيْبِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَّفَهُ فَنَكَل، وَإِنْ حَلَفَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَجَدَ الْمُصَالِحُ فِيمَا صَالَحَ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ تُرْسٍ أَوْ ثَوْبٍ عَيْبًا ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الصُّلْحِ، أَوِ اسْتَحَقَّ الصُّلْحَ بِهِ، أَوْ أَخَذَ بِشُفْعَةٍ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ، وَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عَقْدِ الصُّلْحِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الصُّلْحَ قَدْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٥٣٣٥، الفتاوى الهندية ٤ / ٢٦١.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٠٥.

يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ عَنْ إِقْرَارٍ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ، فَيَكُونُ بَيْعًا بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. وَمِنْهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.

وَقَدْ يَجْرِي بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالأَْجْنَبِيِّ، فَيُصَالِحُ الأَْجْنَبِيَّ عَنِ الْعَيْنِ لِنَفْسِهِ بِعَيْنِ مَالِهِ أَوْ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَصِحُّ الصُّلْحُ لِلأَْجْنَبِيِّ وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ صَالَحَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ بِعِوَضٍ فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا. أَوْ بَانَ الْعَبْدُ حُرًّا، رَجَعَ الْمُدَّعِي فِي الدَّارِ الْمُصَالَحِ عَنْهَا إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ تَالِفًا. وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَبِمِثْلِهِ؛ لأَِنَّ الصُّلْحَ هُنَا بَيْعٌ حَقِيقَةً إِذَا كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ. فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ وَظَهَرَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ الْمُدَّعِي بِالدَّعْوَى قَبْل الصُّلْحِ لِتَبَيُّنِ بُطْلاَنِ الصُّلْحِ (٢) .

الْعَيْبُ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ:

٤١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّبَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِمَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي قِيمَتِهِ أَوْ يُفَوِّتُ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ يُفَوِّتُ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ١٧٧.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٤٠٠.

صِفَةً مَرْغُوبًا فِيهَا أَوْ مَعْنًى مَرْغُوبًا فِيهِ ضَمِنَ ذَلِكَ كُلَّهُ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا غَصَبَ الرَّجُل ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَأَبْلاَهُ، فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ، فَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَنَقَصَهُ لَبِسَهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ عَشْرَةً رَدَّهُ وَرَدَّ خَمْسَةً؛ لأَِنَّ مَا تَلِفَ قَبْل غَلاَءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ خَمْسَةً، فَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِغَلاَءِ الثَّوْبِ وَلاَ رُخْصِهِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ رَخُصَتِ الثِّيَابُ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ ثَلاَثَةً لَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ إِلاَّ خَمْسَةٌ مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ.

وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ كُلُّهُ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، ثُمَّ غَلَتِ الثِّيَابُ فَصَارَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِشْرِينَ، لَمْ يَضْمَنْ إِلاَّ عَشْرَةً؛ لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ عَشْرَةً فَلاَ تَزْدَادُ بِغَلاَءِ الثِّيَابِ وَلاَ تَنْقُصُ بِرُخْصِهَا (١) .

الْعَيْبُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ:

٤٢ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى جَوَازِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٥٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٥٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢٨٧، والمهذب ١ / ٣٦٩، والمغني لابن قدامة ٥ / ٢٦٠.

التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجِ لِلْعُيُوبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ (١) وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ وَفِي تَعْيِينِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف ٩٣ وَمَا بَعْدَهَا)

الْعَيْبُ فِي الأُْضْحِيَّةِ:

٤٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الأَْفْضَل مِنْهَا.

كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُصَابَ بِعَيْبٍ مِنَ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ لاَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ فِي الأُْضْحِيَّةِ، وَهِيَ الْعُيُوبُ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَرْبَعٌ لاَ تَجُوزُ فِي الأَْضَاحِيِّ، الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا. وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لاَ تَنْقَى (٢)، وَنَقَل النَّوَوِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ

_________

(١) رد المحتار ٢ / ١٢٣، والخرشي ٣ / ٧٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٠٢، والمهذب ٢ / ٤٨، والمغني والشرح الكبير ٧ / ٥٨٢، ونيل الأوطار للشوكاني ٦ / ١٧٦ ط الحلبي.

(٢) حديث:: " " أربع لا تجوز في الأضاحي. . . " ". أخرجه أبو داود ٣ / ٢٣٥، والترمذي ٤ / ٨٦، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:: حديث حسن صحيح.

الأَْرْبَعَ لاَ تُجْزِي فِي الأُْضْحِيَّةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ أَخَفَّ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ لاَ يُؤَثِّرُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ فَهِيَ أَحْرَى أَنْ تُمْنَعَ كَالْعَمَى وَكَسْرِ السَّاقِ مَثَلًا.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ مُسَاوِيًا لَهَا فِي نَقْصِ اللَّحْمِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أُضْحِيَّة ف ٢٤ وَمَا بَعْدَهَا)

الْعَيْبُ فِي الْهَدْيِ:

٤٤ - الْهَدْيُ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ وَاجِبٍ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الإِْجْزَاءَ أَوْ عَطَبٍ أَوْ ضَل لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (٢) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ، فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نَذْرٍ فَلْيُبْدِل وَفِي رِوَايَةٍ قَال: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَعَطِبَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلٌ، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْهِ الْبَدَل (٣) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٧٥، حاشية الدسوقي ٢ / ١٢٥، بداية المجتهد لابن رشد ١ / ٤٣٠، القوانين الفقهية ص ١٢٧، وروضة الطالبين ٣ / ٢١٦، المغني لابن قدامة ٣ / ٥٥٣.

(٢) فتح القدير ٣ / ٨٣، والدسوقي ٢ / ٨٨٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢١١، وكشاف القناع ٣ / ١٥.

(٣) حديث:: " " من أهدى تطوعًا. . . " ". أخرجه البيهقي ٥ / ٢٤٤ بروايتيه، وصوب وقفه على ابن عمر.

وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ، كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ، أَوْ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَعَيَّبَ أَوْ عَطِبَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَبْحُهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هَدْي) .

الْعَيْبُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْخُوذِ فِي الزَّكَاةِ:

٤٥ - الْحَيَوَانُ الْمُصَابُ بِعَيْبٍ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْهَرَمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُيُوبِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِهِ فِي الزَّكَاةِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ حَيَوَانَاتِ النِّصَابِ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا مَعِيبَةً فَإِنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ مِنَ الْمَعِيبِ، وَيُرَاعَى الْوَسَطُ، وَلاَ يُكَلَّفُ رَبُّ الْمَال شِرَاءَ صَحِيحَةٍ لإِخْرَاجِهَا فِي الزَّكَاةِ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَال لَهُ إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (١) وَقَوْلِهِ

_________

(١) حديث:: " " إياك وكرائم أموالهم " ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٥٧)، ومسلم (١١ / ٥٠) .

ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ مِنْ غَاضِرَةِ قَيْسٍ ﵁ وَفِيهِ: وَلاَ يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرَنَةَ، وَلاَ الْمَرِيضَةَ، وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ (١) .

وَأَيْضًا فَإِنَّ أَخْذَ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْمِرَاضِ إِخْلاَلٌ بِالْمُوَاسَاةِ، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُوَاسَاةِ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُجْزِئُ إِلاَّ صَحِيحَةٌ، فَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ: وَلاَ يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْحَيَوَانِ مَعِيبَةً كَتَيْسٍ وَهَرِمَةٍ وَلاَ ذَاتِ عَوَارٍ - بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْعَيْبُ - وَإِنَّمَا يَأْخُذُ فِي الزَّكَاةِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ النَّسْل، فَمَا كَانَ مِنَ الأَْنْعَامِ مَرِيضًا أَوْ جَرِبًا أَوْ أَعْوَرَ فَلَيْسَ عَلَى الْمُصَدِّقِ أَخْذُهُ، إِلاَّ أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّهَا أَغْبَطُ وَأَفْضَل مِمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ مِنَ الصَّحِيحِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذَهَا، وَيُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا ذَلِكَ.

وَإِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ كُلُّهَا تُيُوسًا أَوْ هَرِمَةً أَوْ ذَاتَ عَوَارٍ فَإِنَّ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ أَنْ يَأْتِيَهُ

_________

(١) حديث:: " " ولا يعطي الهرمة. . . " " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٤٠) .

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٤٧، الأم ٢ / ٥، المغني لابن قدامة ٢ / ٦٠٠.

بِمَا يُجْزِئُ.

وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الأَْخْذِ مِنَ الأَْنْعَامِ الْمَعِيبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (١) .

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ السَّلاَمَةُ كَالضَّحَايَا (٢) .

وَنُقِل عَنْ الإِْمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُهُ: يُحْسَبُ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ كُل ذَاتِ عَوَارٍ، وَلاَ يَأْخُذُ مِنْهَا، وَالْعَمْيَاءُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهَا وَلاَ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ (٣) .

وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانَاتُ النِّصَابِ كُلُّهَا مَرِيضَةً مَعِيبَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْمَعِيبَةِ عَنِ الصَّحِيحَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.

وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مَعِيبًا وَبَعْضُهَا صَحِيحًا لاَ يُقْبَل إِلاَّ الصَّحِيحُ عَنْهَا فِي الزَّكَاةِ (٤) .

_________

(١) سورة البقرة / ٢٦٧.

(٢) المنتقى للباجي ٢ / ١٣٠، ١٣٤، حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٥.

(٣) المدونة الكبرى ١ / ٣١٢.

(٤) المغني لابن قدامة ٢ / ٦٠٠.

عِيد

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعِيدُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ، وَهُوَ الرُّجُوعُ وَالْمُعَاوَدَةُ لأَِنَّهُ يَتَكَرَّرُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ يَوْمَانِ: يَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ أَوَّل يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَيَوْمُ الأَْضْحَى وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ غَيْرَهُمَا (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعِيدِ. تَتَعَلَّقُ بِالْعِيدِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - صَلاَةُ الْعِيدِ:

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ صَلاَةِ الْعِيدِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِحَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَال: هَل عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَال: " لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ " (٣) وَذَلِكَ مَعَ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ

_________

(١) القاموس المحيط.

(٢) المجموع ٥ / ٢، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٩٢.

(٣) حديث الأعرابي الذي ذكر له النبي ﷺ الصلوات الخمس. . . " "،. أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٠٦) ومسلم (١ / ٤١) من حديث طلحة بن عبيد الله.

لَهَا وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ - إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا مِنْ دُونِ تَرْكِهَا وَلَوْ مَرَّةً؛ وَلأَِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ، فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لاَسْتَثْنَاهَا الشَّارِعُ، كَمَا اسْتَثْنَى التَّرَاوِيحَ وَصَلاَةَ الْخُسُوفِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) وَلِمُدَاوَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا)

. ب - التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ:

٣ - التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَفِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا.

أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الْغُدُوِّ إِلَيْهَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ عِنْدَ الْغُدُوِّ إِلَى الصَّلاَةِ فِي الْمَنَازِل وَالأَْسْوَاقِ وَالطُّرُقِ إِلَى أَنْ تَبْدَأَ الصَّلاَةُ.

_________

(١) سورة الكوثر / ٢.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٢٧٤، جواهر الإكليل ١ / ١٠١، المجموع ٥ / ٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٠٤.