الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَا جَازَ إِبْدَالُهُ قَبْل التَّفَرُّقِ جَازَ إِبْدَالُهُ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ كَالسَّلَمِ، وَكَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ، فَجَازَ إِبْدَال مَعِيبِهِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ اعْتِبَارًا بِمَا قَبْل التَّفَرُّقِ؛ وَلأَِنَّ قَبْضَ الثَّانِي يَدُل عَلَى الأَْوَّل قَال بِهَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي لأَِبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ بَطَل الصَّرْفُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ لَكِنْ أَصْلًا لاَ وَصْفًا. وَلِهَذَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِفَوَاتِ حَقِّهِ عَنِ الْوَصْفِ، فَكَانَ حَقُّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَصَارَ بِقَبْضِ الزُّيُوفِ قَابِضًا حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل لاَ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنِ الْوَصْفِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ قَبْضُ الأَْصْل دُونَ الْوَصْفِ لإِبْرَائِهِ عَنِ الْوَصْفِ، فَإِذَا قَبَضَهُ.
_________
(١) المهذب ٢ / ٢٧٩، المغني لابن قدامة ٤ / / ١٧٠.
فَقَدْ قَبَضَ حَقَّهُ فَيَبْطُل الْمُسْتَحَقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ حَقَّهُ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الاِفْتِرَاقَ حَصَل لاَ عَنْ قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ (أَوْ يُقَال تَفَرَّقَ لاَ عَنْ قَبْضِ بَدَل الصَّرْفِ) قَال بِهَذَا الْوَجْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرٌ (١)
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْل بِالْبَدَل فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَرِقَا وَذِمَّةُ أَحَدِهِمَا مَشْغُولَةٌ لِصَاحِبِهِ، فَفِي الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ، قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ (٢) .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ كَمَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدِل مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدِل مَا تَعَيَّنَ بِالْقَبْضِ. لأَِنَّهُ لَوْ أَبْدَل بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَبَطَل الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ بَطَل الصَّرْفُ، فَكَانَ فِي إِثْبَاتِ الْبَدَل إِبْطَال الْعَقْدِ، فَمُنِعَ مِنَ الْبَدَل لِيَصِحَّ الْعَقْدُ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ الصَّرْفُ الْمُعَيَّنُ وَمَا فِي الذِّمَّةِ يَسْتَوِيَانِ فِي الْفَسَادِ بِالتَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ وَيَسْتَوِيَانِ فِي الصِّحَّةِ بِالْقَبْضِ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْعَيْبِ. فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدَل مَعِيبُ مَا كَانَ مَعِيبًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدَل
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٥.
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٧٢، ٧٣.
مَعِيبُ مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا تَمَّ الإِْبْدَال بَعْدَ التَّفَرُّقِ صَارَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ، قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ:
٣٥ - سَبَقَ أَنَّ الصَّرْفَ فِي الذِّمَّةِ إِذَا ظَهَرَ مَعِيبًا فِي الْمَجْلِسِ كَانَ لَهُ إِبْدَالُهُ. سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنَ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
أَمَّا بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنَ الْجِنْسِ وَقَدْ مَرَّتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَأَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ نُحَاسًا أَوِ الْفِضَّةُ رَصَاصًا.
فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْقَوْل بِبُطْلاَنِ الصَّرْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا وُجِدَ الْعِوَضُ كُلُّهُ مَعِيبًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٣) . وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَوْل ابْنِ
_________
(١) المهذب ١ / ٢٧٩.
(٢) المهذب ١ / ٢٧٩، والمغني ٤ / ١٧٠.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٥.
الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (١): إِذَا طَالَبَ بِالْبَدَل، أَوْ تَتْمِيمِ النَّاقِصِ وَأَخَذَ الْبَدَل بِالْفِعْل، نُقِضَ الصَّرْفُ.
وَإِذَا رَضِيَ بِهِ مَجَّانًا صَحَّ. وَقِيل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْبَدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ لَمْ يُبْطِلْهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، وَدَلِيل الْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنَّ السَّتُّوقَ - وَكَذَا الرَّصَاصُ - لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ. لأَِنَّهَا لاَ تَرُوجُ فِي مُعَامَلاَتِ النَّاسِ، فَلَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَصْلًا وَوَصْفًا، فَكَانَ الاِفْتِرَاقُ عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ عَنْ قَبْضٍ حَتَّى لَوْ رَضِيَ بِهِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالًا قَبْل الْقَبْضِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ.
كَمَا أَنَّهُمَا إِنِ افْتَرَقَا قَبْل رَدِّهِ فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْل قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبَضَهُ غَيْرُ الْعِوَضِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعُقْدَةُ وَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِمْسَاكُهُ.
كَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِهِ بَطَل الصَّرْفُ فِي
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٧.
هَذَا الْبَعْضِ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يُخَرِّجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (١) .
الاِسْتِحْقَاقُ فِي الصَّرْفِ:
٣٦ - تَعَرَّضَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِمَسْأَلَةِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي الصَّرْفِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيهَا تَفْصِيلٌ يَحْسُنُ مَعَهُ إِفْرَادُ كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ.
وَحَاصِل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لَوِ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الصَّرْفِ أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَتِ الإِْجَازَةُ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ وَالْمُسْتَحَقُّ قَائِمٌ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل الْقَبْضِ فَوُجُودُ الإِْجَازَةِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِنْدَهُمْ لاَ تَتَعَيَّنُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَطَل الصَّرْفُ فِي الْمُسْتَحَقِّ.
فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْمُسْتَحَقُّ الْبَعْضُ، صَحَّ الصَّرْفُ فِي الْبَاقِي وَلاَ خِيَارَ.
_________
(١) المراجع السابقة.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعِيبًا - كَالإِْنَاءِ الْمَصُوغِ أَوْ قَلْبُ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ - فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي إِمْسَاكَ الْبَاقِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلَهُ الرِّدَّةُ؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الإِْنَاءِ أَوِ الْقَلْبِ عَيْبٌ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى غَيْرِ الْمَصُوغِ - وَهُوَ يَشْمَل الْمَسْكُوكَ وَغَيْرَهُ عَدَا الصَّوْغَ - فَإِنْ كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْمَجْلِسَ أَوْ بَعْدَ طُولٍ فَإِنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ يُنْقَضُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا حَال الْعَقْدِ أَمْ لاَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ صَحَّ عَقْدُ الصَّرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ يُجْبَرُ فِيهِ عَلَى الْبَدَل مَنْ أَرَادَ نَقْضَ الصَّرْفِ، وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَإِنَّ صِحَّةَ الْعَقْدِ فِيهِ بِمَا إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْبَدَل، وَلاَ جَبْرَ فِيهِ، وَقِيل: غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ.
أَمَّا الْمَصُوغُ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ نَقْضَ الصَّرْفِ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ طُولٍ، مُعَيَّنًا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الصَّوْغَ يُرَادُ لِعَيْنِهِ وَغَيْرُهُ لاَ يَقُومُ مَقَامَهُ. هَذَا إِذَا لَمْ يُجِزِ الْمُسْتَحِقُّ أَمَّا إِذَا أَجَازَهُ فَلَهُ إِجَازَتُهُ، وَيَأْخُذُ مُقَابِلَهُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٦، بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٦.
وَلَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يُنْقَضُ فِيهَا فِي الْمَصُوغِ مُطْلَقًا، وَفِي غَيْرِهِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوِ الطُّول (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرُوا أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ هَل تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ أَمْ لاَ؟ أَنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَانَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا فَعَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ تُبْطِل الْعَقْدَ لأَِنَّهُ وَقَعَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ (٢) .
الْعَيْبُ فِي السَّلَمِ:
٣٧ - إِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي رَأْسِ مَال السَّلَمِ بِأَنْ وَجَدَ فِي الثَّمَنِ زُيُوفًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ رَدَّهُ وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَجِّل لَهُ الْبَدَل، وَإِلاَّ فَسَدَ مَا يُقَابِلُهُ.
وَيُغْتَفَرُ التَّأْخِيرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَوْ بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا التَّأْخِيرُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا فَلاَ يَجُوزُ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى: إِنْ أَسْلَمْتَ فِي حِنْطَةٍ. فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا أَصَابَ رَأْسُ الْمَال نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ زُيُوفًا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ فَجَاءَ لِيُبَدِّل فَيُبَدَّل وَلاَ
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٣٨ - ٣٩ والشرح الصغير ٤ / ٧٥، ٧٦.
(٢) القواعد لابن رجب ص٣٨٣، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٦.
يُنْتَقَضُ السَّلَفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمْتَ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ أَوْ طَعَامٍ. فَأَتَى الْبَائِعُ بِبَعْضِ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ فَقَال: أَصَبْتُهَا زُيُوفًا، فَقُلْتَ: دَعْهَا فَأَنَا أُبْدِلُهَا لَكَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ (١) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ الْوَجْهُ الأَْوَّل لِلْحَنَابِلَةِ بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لأَِنَّ الْقَبْضَ الأَْوَّل كَانَ صَحِيحًا. وَلأَِنَّ لِلرَّدِّ شَبَهًا بِالْعَقْدِ حَيْثُ لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ إِلاَّ بِالرَّدِّ. كَمَا لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْعَقْدِ، فَأُلْحِقَ مَجْلِسُ الرَّدِّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ وَجَدَ فِي الثَّمَنِ زُيُوفًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَرَدَّهُ بَطَل السَّلَمُ سَوَاءٌ اُسْتُبْدِل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ. لَكِنْ أَصْلًا لاَ وَصْفًا، وَلِهَذَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِفَوَاتِ حَقِّهِ عَنِ الْوَصْفِ. فَكَانَ حَقُّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَصَارَ بِقَبْضِ الزُّيُوفِ قَابِضًا حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل لاَ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ، فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنِ الْوَصْفِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ١٩٧، المدونة الكبرى ٩ / ٣٠.
الْمُسْتَحَقَّ هُوَ قَبْضُ الأَْصْل دُونَ الْوَصْفِ لإِبْرَائِهِ إِيَّاهُ عَنِ الْوَصْفِ فَإِذَا قَبَضَهُ فَقَدْ قَبَضَ حَقَّهُ، فَيَبْطُل الْمُسْتَحَقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ حَقَّهُ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الاِفْتِرَاقَ حَصَل لاَ عَنْ قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ (١) .
الْعَيْبُ فِي الإِْجَارَةِ:
٣٨ - لَوْ اطَّلَعَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى عَيْبٍ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ، وَكَانَ هَذَا الْعَيْبُ يُخِل بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَلَهُ الْفَسْخُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَيْبُ قَدِيمًا أَمْ حَدِيثًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ.
فَكُل مَا يَحُول بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمَنْفَعَةِ مِنْ تَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ غَصْبِهَا أَوْ تَعَيُّبِهَا كَجُمُوحِ الدَّابَّةِ وَحُدُوثِ خَوْفٍ عَامٍّ يَمْنَعُ مِنْ سُكْنَى الدَّارِ أَوْ كَانَ الْجَارُ سُوءًا تُفْسَخُ بِهِ الإِْجَارَةُ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَة ف ٧٤)
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٥ ط بيروت، فتح العزيز ٩ / ٢٤٥، المغني لابن قدامة ٤ / ٣٣٧.
(٢) رد المحتار ٤ / ٦٣، المغني لابن قدامة ٥ / ٤٣٥، بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ١٩٣.
الْعَيْبُ فِي الْقِسْمَةِ:
٣٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ): إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ عَيْبًا فِي نَصِيبِهِ فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ.
وَفِي قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الإِْجَارَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، بِأَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَ مُعَيَّنٍ مِنْ نَصِيبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ رَجَعَ بِقِسْطِهِ وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْقِسْمَةَ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ تَوَسَّعُوا فِي مَبْدَأِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ، أَوْ قِسْمَةِ إِجْبَارٍ أَوْ قِسْمَةِ اخْتِيَارٍ، ثُمَّ فَرَّقُوا فِي الرَّدِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ فِي أَكْثَرِ نَصِيبِهِ أَوْ أَقَلِّهِ.
وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكًا فِي نَصِيبِهِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ هُوَ فِيمَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِسْمَة) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٢٢٥، الخرشي ٤ / ٤١٤، نهاية المحتاج ٨ / ٢٧٦، المغني لابن قدامة ١١ / ٥٠٩.