الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
يُفْسَخُ وَيَرُدُّ مِثْل التَّالِفِ؟ وَلَوْ أَمْسَكَ هَل لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ؟ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - حُكْمُ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ الإِْمْضَاءُ أَوِ الْفَسْخُ
٢٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الصَّرْفِ إِذَا تَلِفَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فُسِخَ الْعَقْدُ وَرَدَّ الْمَوْجُودَ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، كَمَا إِذَا صَارَفَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ. وَلاَ يَأْخُذُ الأَْرْشَ؛ لأَِنَّهُ يَحْصُل مَعَهُ فِي الْبَيْعِ تَفَاضُلٌ، وَلاَ يُمْكِنُ الرَّدُّ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَالِفٌ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهُ، يُمْكِنُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ يُقِرُّ الْعَقْدَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنَ اسْتِدْرَاكِ ظِلاَمَتِهِ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى فَسْخِ الْعَقْدِ وَرَدِّ الْمَوْجُودِ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا أَوْ عِوَضَهَا (١) .
وَفِي الْمُغْنِي إِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فُسِخَ
_________
(١) تكملة المجموع شرح المهذب ١٠ / ١٢٥.
الْعَقْدُ وَرَدَّ الْمَوْجُودَ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. فَيَرُدُّ مِثْلَهَا أَوْ عِوَضَهَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (١)
الْمَذْهَبُ الثَّانِي لأَِبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ عَلَى الْبَائِعِ، فَلَوِ اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَتَقَابَضَا وَالدَّرَاهِمُ زُيُوفٌ فَأَنْفَقَهَا الْمُشْتَرِي وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّ مِثْل مَا قَبَضَ وَيَرْجِعُ بِالْجِيَادِ.
وَذَكَرَ فَخْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُمَا قِيَاسٌ، وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانٌ (٢) .
وَحَيْثُ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَكَرُوا الأَْمْثِلَةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَهِيَ لاَ تَتَعَيَّنُ عِنْدَهُمْ، وَالْكَلاَمُ فِي الْمُعَيَّنِ، لَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا صَرِيحًا فِي هَذَا، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَخْتَلِفُ؛ لأَِنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَبِالتَّلَفِ تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ أَوِ الاِسْتِبْدَال إِنْ قِيل بِهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ طَرِيقٌ آخَرُ يُمْكِنُ الْقَوْل بِهِ غَيْرَ هَذَا.
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٩.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨، الجامع الكبير لمحمد بن الحسن ص٢٢٨.
ب - حُكْمُ أَخْذِ الأَْرْشِ فِي الْمَعِيبِ التَّالِفِ بَعْدَ الْقَبْضِ:
٢٩ - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، فَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْرْشِ أَوْ نُقْصَانُ الْعَيْبِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ لأَِنَّ أَخْذَ الأَْرْشِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ يُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ (١) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ فِي الْمَعِيبِ التَّالِفِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ مَعِيبًا بِعُشْرِ قِيمَتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ عُشْرَ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي مَال الرِّبَا تُشْتَرَطُ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَاسْتِرْجَاعُ بَعْضِ الثَّمَنِ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُرَاعَى فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا.
وَالْقَوْل بِأَخْذِ الأَْرْشِ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ خِلاَفَ الأَْوْلَى (٢) .
٣٠ - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَفِيهِ مَذْهَبَانِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨، تكملة المجموع ١٠ / ١٢٧، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٩.
(٢) تكملة المجموع ١٠ / ١٢٦، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٩.
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ أَخْذُ الأَْرْشِ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرٌ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ، بَل يَتِمُّ الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَلأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فَلاَ مَانِعَ مِنْ أَخْذِ الأَْرْشِ مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ الرَّدِّ لِتَلَفِ الْعِوَضِ (١) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ عَيْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، قَال السُّبْكِيُّ: هَذَا قَوْل الشُّيُوخِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ وَالْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ الصَّرْفَ أَضْيَقُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ، فَلَمْ يَتَّسِعْ لِدُخُول الأَْرْشِ فِيهِ (٢) .
خَامِسًا - الْعَيْبُ عَنْ غَيْرِ الْجِنْسِ:
٣١ - الصَّرْفُ هُنَا مُعَيَّنٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَدَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَالْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَأَنْ يَجِدَ الدَّنَانِيرَ نُحَاسًا أَوْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا أَوْ سُتُّوقًا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَل يَبْطُل الصَّرْفُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ١٣٨، تكملة المجموع ١٠ / ١٢٥، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٩
(٢) تكملة المجموع ١٠ / ١٢٧.
لَهُ الإِْبْدَال فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ؟ أَوْ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِهِ؟ وَهَل لَهُ الرَّدُّ وَالإِْبْدَال لَوْ كَانَ عَلِمَ بِهَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ الصَّرْفَ بَاطِلٌ وَيَسْتَرْجِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعْظَمُ الأَْصْحَابِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْشُوشُ عِنْدَهُمْ نَقْصَ عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ خَالِصَيْنِ أَوْ مَغْشُوشَيْنِ.
فَالْمَغْشُوشُ الْمُعَيَّنُ فِيهِ قَوْلاَنِ: الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا نَقْضُ الصَّرْفِ وَعَدَمُ إِجَازَةِ الْبَدَل؛ لأَِنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى وَالْعَقْدُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى. لأَِنَّ انْعِقَادَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْمُسَمَّى مَعْدُومٌ، فَلاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَلأَِنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَغْلَةَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ الْقَزَّ فَوَجَدَهُ كَتَّانًا (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ
_________
(١) المبسوط للسرخسي ١٤ / ٦٨، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٧١، الأم للشافعي ٣ / ٤٣، تكملة المجموع ١٠ / ١١٩، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٥.
وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَالرَّدِّ وَأَخْذِ الْبَدَل. وَيَصِحُّ أَيْضًا إِذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ مَجَّانًا، سَوَاءٌ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِإِبْدَالِهِ، قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الإِْفْصَاحِ فَقَدْ قَال: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: الْبَيْعُ صَحِيحٌ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى عَيْنِهِ. وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَرْضَ فَالْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى عَيْنِهِ. وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ أَوِ الرَّدِّ وَأَخْذِ الْبَدَل (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُفَرِّقُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بَيْنَ مَا إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
فَإِذَا كَانَ قَبْل التَّفَرُّقِ كَانَ لَهُ الْبَدَل أَوِ الْفَسْخُ، وَبَعْدَهُ لاَ يَجُوزُ وَيَبْطُل الصَّرْفُ وَلَوْ بَدَّل بَعْدَ الْمَجْلِسِ، قَال بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَتِمُّ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالتَّفَرُّقِ بِالأَْبْدَانِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَإِذَا رَدَّهَا فِي الْمَجْلِسِ وَقَبَضَ الْجِيَادَ جَازَ، وَجُعِل كَأَنَّهُ أَخَّرَ الْقَبْضَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ. أَمَّا بَعْدَ
_________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٧١، تكملة المجموع ١٠ / ١١٩، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٥.
التَّفْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ وَالصَّرْفُ بَاطِلٌ (١) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلاَ إِبْدَالٌ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَبْضِ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا عِنْدَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الدَّرَاهِمَ الْجِيَادَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلاَ إِبْدَالُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَارِدٌ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَقَدْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِعَيْنِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْبِهَا وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا، أَوْ لاَ يَعْلَمَانِ بِعَيْبِهَا لاَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا وَلأَِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَعَيَّنَ، فَهُوَ مُطْلَقُ بَيْعٍ إِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ الرَّدُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِالْعَيْبِ (٢) .
حُكْمُ الْعَيْبِ فِي الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الْبَدَل وَالأَْرْشِ فِيهِ:
٣٢ - الْعَيْبُ إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَالْحُكْمُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لأَِخْذِ الْبَدَل يَخْتَلِفُ فِيمَا إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٧، المغني لابن قدامة ٤ / ٢٦٥.
بَعْدَهُ وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي ثَلاَثِ مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْل التَّفَرُّقِ وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَل سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ إِتْمَامِ الصَّرْفِ بِدَفْعِ الْبَدَل.
كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ وَاجِدُ الْعَيْبِ بِهِ صَحَّ الصَّرْفُ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنِ الْجِنْسِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ يُخْرِجُهُ عَنِ الْجِنْسِ فَلَيْسَ لَهُ الرِّضَا بِهِ، إِلاَّ مَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِهِ.
وَفِي حَالَةِ مَا إِذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْهُ عَنِ الْجِنْسِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مُتَّحِدَ الْجِنْسِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَإِذَا كَانَ الصَّرْفُ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ جَازَ أَخْذُ الأَْرْشِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ (١)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ لاَ عَيْبَ فِيهِ. فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَبِأَنَّ الْمَعْقُودَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣١٥٦، ٣١٥٧، حاشية الدسوقي ٣ / ٣٦، المهذب ١ / ٢٧٦، تكملة المجموع ١٠ / ١٠٧، المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤ / ١٧٠ - ١٧١.
عَلَيْهِ مَا فِي الذِّمَّةِ - وَقَدْ قَبَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ كَأَنَّهُ أَخَّرَ الْقَبْضَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ. وَبِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ صَحِيحٌ لاَ عَيْبَ فِيهِ، فَإِذَا قَبَضَ مَعِيبًا كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِمَّا يَتَأَوَّلُهُ الْعَقْدُ، كَمَا إِذَا قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ، وَبِأَنَّ شَرْطَ الْمُمَاثَلَةِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الأَْرْشِ لِمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُفَاضَلَةِ غَيْرِ الْجَائِزَةِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرٌ فِي قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ وَالْفَرْضُ أَنَّ الصَّرْفَ فِي الذِّمَّةِ فَهَل لَهُ أَخْذُ الْبَدَل كَمَا كَانَ قَبْل التَّفَرُّقِ؟ أَوْ يَبْطُل الصَّرْفُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ؟
٣٤ - لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ.
وَإِنِ اسْتَبْدَلَهَا فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ جَازَ أَيْضًا، لأَِنَّ اسْتِبْدَالَهَا قَبْل الاِفْتِرَاقِ جَائِزٌ
إِجْمَاعًا
وَالْقَوْل بِجَوَازِ أَخْذِ الْبَدَل هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل وَالْخِرَقِيُّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الزُّيُوفِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ قَبَضَ جِنْسَ حَقِّهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهَا جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ لَمَا جَازَ كَالسَّتُّوقِ، إِلاَّ أَنَّهُ فَاتَتْهُ صِفَةُ الْجَوْدَةِ بِالزِّيَافَةِ فَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَصْلًا لاَ وَصْفًا فَكَانَتِ الزِّيَافَةُ فِيهَا عَيْبًا، وَالْعَيْبُ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا.
وَبِالرَّدِّ يُنْتَقَضُ الْقَبْضُ لَكِنْ مَقْصُورًا عَلَى حَالَةِ الرَّدِّ. وَلاَ يَسْتَنِدُ الاِنْتِقَاضُ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ فَيَبْقَى الْقَبْضُ صَحِيحًا.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ السَّلَمِ الْقَبْضُ مَرَّةً وَاحِدَةً. إِلاَّ أَنَّهُ شَرْطٌ؛ لأَِنَّ لِلرَّدِّ شَبَهًا بِالْعَقْدِ، حَيْثُ لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ إِلاَّ بِالرَّدِّ، كَمَا لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْعَقْدِ، فَأُلْحِقَ مَجْلِسُ الرَّدِّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهَذَا وَجْهُ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٥ ط بيروت.