الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَفِي كُلٍّ: إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ الْعَيْبُ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ: أَرْبَعَةٌ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ، وَمِثْلُهَا فِي الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ.
أَوَّلًا - الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ، اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ:
٢٤ - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مُعَيَّنًا وَالْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ، كَأَنْ يَقُول بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ، وَيُشِيرُ إِلَى الْعِوَضَيْنِ. فَهَذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ بِمُعَيَّنٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ هَذَا الْقِسْمِ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ الْحُلُول وَالتَّقَابُضُ.
ثُمَّ إِذَا ظَهَرَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ مَعِيبًا، مِثْل كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ أَوْ خَشِنَةً تَنْفَطِرُ عِنْدَ الضَّرْبِ، أَوْ كَانَتْ سِكَّتُهَا تُخَالِفُ سِكَّةَ السُّلْطَانِ، أَوْ وُجِدَتِ الدَّرَاهِمُ زُيُوفًا، فَهَل يَصِحُّ الْعَقْدُ وَلاَ شَيْءَ لِوَاجِدِ الْعَيْبِ إِذَا رَضِيَ بِهِ، أَمْ لَهُ الْبَدَل؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْجَمِيعَ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ، وَلَيْسَ لَهُ
الْبَدَل، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا يُعَيَّنُ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ كَانَتِ الْفِضَّةُ سَوْدَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ فِيهَا رَصَاصٌ أَوْ صُفْرٌ - وَهُوَ الَّذِي أَفْسَدَهَا - فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا؛ لأَِنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى. فَإِنَّ مِثْلَهُ يُسَمَّى إِنَاءَ فِضَّةٍ فِي النَّاسِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعِيبٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغِشِّ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِلْعَيْبِ.
وَإِنْ كَانَ رَدِيئَةً مِنْ غَيْرِ غِشٍّ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لأَِنَّ الرَّدَاءَةَ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ.
وَفِي تَكْمِلَةِ الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَخُشُونَةِ الْفِضَّةِ وَرَدَاءَةِ الْمَعْدِنِ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، فَإِنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ وَالْمَبِيعُ بَاقٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ، سَوَاءٌ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ، اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الأَْصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ يَأْخُذُ أَرْشَ الْمَعِيبِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ لاَ يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ (١)
_________
(١) المبسوط ١٤ / ٦٨، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨، وتكملة المجموع ١٠ / ١٢١، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٦٦ - ١٦٧.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَغْشُوشَ الْمُعَيَّنَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ كَهَذَا الدِّينَارِ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ، فِيهِ طَرِيقَانِ (١):
الأَْوَّل أَنَّ الْمَذْهَبَ كُلَّهُ عَلَى إِجَازَةِ الْبَدَل. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ. فَيَكُونُ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا النَّقْضُ، (٢) وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَكُونُ مُتَّفِقًا مَعَ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل. وَالْقَوْل الثَّانِي: جَوَازُ الْبَدَل وَهُوَ لاِبْنِ وَهْبٍ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣)، عَلَى أَسَاسِ أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُصْطَرِفَيْنِ لَمْ يَفْتَرِقَا وَفِي ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ شَيْءٌ وَلَمْ يَزَل الْمُعَيَّنُ مَقْبُوضًا لِوَقْتِ الْبَدَل، فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَيَفْتَرِقَانِ وَذِمَّةُ أَحَدِهِمَا مَشْغُولَةٌ لِصَاحِبِهِ، فَفِي الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ.
ثَانِيًا - أَخْذُ الأَْرْشِ عَنِ الْمَعِيبِ:
أ - إِذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ:
٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِرُجُوعِهِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ حَدَثَ
_________
(١) شرح الخرشي ٥ / ٤٥، والشرح الصغير٤ / ٧٢.
(٢) شرح الخرشي ٥ / ٤٥، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٧٢ - ٧٣.
(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٧.
فِيهِ عَيْبٌ آخَرُ، مَا لَمْ يَقُل الْبَائِعُ: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ أَخْذُ الأَْرْشِ قَبْل التَّفَرُّقِ، أَوْ كَانَ الأَْرْشُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ.
فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوِ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ، فَوَجَدَ فِيهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ حَدَثَ فِيهِ عَيْبٌ آخَرُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَقُول: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِضَّةً لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ (١) .
وَفِي الْمُغْنِي: وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَلَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضٍ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لاَ يَضُرُّ، فَجَازَ كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى حُصُول التَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ لأَِحَدِ الْعِوَضَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَلاَ الأَْرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨.
(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٨.
جَوَازِ أَخْذِ الأَْرْشِ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ أَخْذُ الأَْرْشِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَوْل بِأَخْذِ الأَْرْشِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْسَخَ.
ب - إِذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ:
٢٦ - وَذَلِكَ كَدَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ فَهَل يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ أَخْذِ الأَْرْشِ عَنِ الْمَعِيبِ فِي مُتَّحِدَيْ الْجِنْسِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ يُؤَدِّي إِلَى حُصُول الزِّيَادَةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدَةِ، فَيَتَحَقَّقُ رِبَا الْفَضْل. وَهُوَ لاَ يَجُوزُ (٢) .
_________
(١) تكملة المجموع ١٠ / ١٢١، والمغني ٤ / ١٦٨.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٣٨، تكملة المجموع ١٠ / ١٢٦ - ١٢٧، المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٨.
وَذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَخْرِيجِ وَجْهٍ بِجَوَازِ أَخْذِ الأَْرْشِ فِي الْمَجْلِسِ، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ (١)، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَخْذُ الْبَدَل فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَوْل بِالأَْرْشِ.
ثَالِثًا - الصَّرْفُ مُعَيَّنٌ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ وَالْمَعِيبُ الْبَعْضُ:
٢٧ - لَقَدْ سَبَقَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الإِْمْسَاكُ أَوِ الرَّدُّ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَخْذِ الأَْرْشِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ أَوْ مُخْتَلِفَيْهِ.
وَأَيْضًا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِ الْعِوَضِ فَلَهُ إِمَّا رَدُّ الْكُل أَوْ إِمْسَاكُ الْكُل،
وَهُنَا نَتَنَاوَل الْحُكْمَ فِي إِمْسَاكِ الْجَيِّدِ وَرَدِّ الْمَعِيبِ
فَإِذَا وُجِدَ الْبَعْضُ مَعِيبًا، فَهَل لَهُ إِمْسَاكُ الْجَيِّدِ وَرَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ؟ أَوْ يَرُدُّ الْجَمِيعَ؟ أَوْ يُمْسِكُ الْجَمِيعَ وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ أَوْ يَأْخُذَهُ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٨.
كُلَّهُ، وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ حُلِيُّ ذَهَبٍ فِيهِ جَوْهَرٌ مُفَضَّضٌ، فَوَجَدَ بِالْجَوْهَرِ عَيْبًا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ دُونَ الْحُلِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْكُل كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، لِمَا فِي تَمْيِيزِ الْبَعْضِ مِنَ الْبَعْضِ مِنَ الضَّرَرِ.
وَمَنْعُ الْحَنَفِيَّةِ رَدَّ الْبَعْضِ هُنَا، لَيْسَ عَلَى أَسَاسِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَإِنَّمَا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَالْحُلِيِّ وَالتِّبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لاَ يُمْكِنُ فَصْلُهُ (١) .
وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا لَوْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ مُخْتَلِفَةَ الأَْجْنَاسِ وَالْقِيَمِ، فَفِي الْمُنْتَقَى: وَإِنْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ مُخْتَلِفَةَ الأَْجْنَاسِ وَالْقِيَمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ اشْتَرَى حُلِيًّا مَصُوغًا: أَسْوِرَةً وَخَلاَخِل وَغَيْرَ ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ فَوَجَدَ بِهَا دِرْهَمًا زَائِفًا، أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ كُلُّهُ (٢) .
ثُمَّ قَال: وَلَوْ وَجَدَ فِي جَمِيعِ الْحُلِيِّ مِسْمَارَ نُحَاسٍ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي سِوَارَيْنِ مِنَ الْحُلِيِّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي السِّوَارَيْنِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ السِّوَارَيْنِ جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. فَإِذَا انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي أَحَدِهِمَا
_________
(١) المبسوط ١٤ / ٦٧.
(٢) المنتقى للباجي ٤ / ٢٧٥.
انْتَقَضَ فِيهِمَا، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ بَاعَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، وَلأَِنَّ النَّقْضَ لَمَّا طَرَأَ مِنْ جِهَتِهِمَا وَالْعِوَضُ الَّذِي يُقَارِبُ مُسَاوٍ لَمْ يَدْخُلْهُ التَّقْسِيطُ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بَعْضَ الْعِوَضِ مَعِيبًا فَلَهُ إِمَّا إِمْسَاكُ الْكُل أَوْ رَدُّ الْكُل، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ، فَإِذَا صَرَفَ الرَّجُل مِنَ الرَّجُل دِينَارًا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا، فَإِنْ كَانَ زَافَ مِنْ قِبَل السِّكَّةِ أَوْ قُبْحِ الْفِضَّةِ فَلاَ بَأْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ، وَلَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ؛ لأَِنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ لَهُ شَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ الصَّرْفَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ إِذَا عَقَدَ عَلَى هَذَا عُقْدَةَ الْبَيْعِ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى عَدَمِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهَا فِي جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ فِي الْكُل، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ وَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِمْسَاكُ الْكُل أَوْ فَسْخُ الْكُل (١) .
_________
(١) الأم ٣ / ٤٣، الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني ٤ / ٣١.
وَيَقُول السُّبْكِيّ: وَهَذَا الْكَلاَمُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّفْرِيقُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ، وَأَكْثَرُ الأَْصْحَابِ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّرَاهِمِ (١) .
وَفِي الْمُغْنِي: وَهَل لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (٢) .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الصَّرْفَ يُنْقَضُ فِي الْمَعِيبِ بِقَدْرِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَيُمْسِكُ الْجَيِّدَ، وَقِيل بِالنَّقْضِ بَعْدَ الطُّول، فَإِذَا كَانَ الصَّرْفُ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، فَوَجَدَ بِالدَّرَاهِمِ زَيْفًا فَأَصْغَرُ دِينَارٍ، مَا لَمْ يَكُنِ الزَّيْفُ يَزِيدُ عَنْ أَصْغَرِ دِينَارٍ فَأَكْبَرُ دِينَارٍ، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ الزَّيْفُ يُنْقِصُ مِنَ الصَّرْفِ مَا يُقَابِلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ. لأَِنَّ كُل دِينَارٍ كَأَنَّهُ مُفْرَدٌ بِنَفْسِهِ، إِذْ لاَ تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ مُصَاحِبِهِ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَجْمُوعَ مُقَابِل الْمَجْمُوعِ، وَلَكِنْ يَسْتَوِي فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ
_________
(١) تكملة المجموع ١٠ / ١٢١.
(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٧.
يُسَمُّوا عِنْدَ الْعَقْدِ لِكُل دِينَارٍ عَدَدًا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ لَمْ يُسَمُّوا لِكُل دِينَارٍ عَدَدًا، بَل جَعَلُوا كُل الدَّرَاهِمِ فِي مُقَابَلَةِ كُل الدَّنَانِيرِ.
وَإِنْ تَسَاوَتِ الدَّنَانِيرُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَوَاحِدٌ مِنْهَا يُنْتَقَضُ، مَا لَمْ يَزِدْ مُوجِبُ النَّقْضِ فَآخَرُ وَهَكَذَا (١) .
وَالْقَوْل بِجَوَازِ رَدِّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ لَوْ كَانَ مُفْرَدًا، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ لِكُل وَاحِدٍ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا؛ وَلأَِنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الْحُكْمَ فِي مَحَلَّيْنِ فَامْتَنَعَ حُكْمُهُ فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ فَيَصِحُّ فِي الآْخَرِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ لآِدَمِيٍّ وَبَهِيمَةٍ (٢) .
رَابِعًا إِذَا تَلِفَ الْعِوَضُ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ:
إِذَا تَلِفَ الْعِوَضُ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، وَالصَّرْفُ مُعَيَّنٌ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْعَيْبَ إِلاَّ بَعْدَ تَلَفِ الْعِوَضِ الْمَعِيبِ، فَهَل يَصِحُّ الْعَقْدُ أَوْ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٨، والشرح الصغير ٤ / ٧٣ - ٧٤.
(٢) الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني ٤ / ٣٨.