الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عُهْدَة)

- عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ:

٢٠ - وَصُورَةُ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَقُول: بِعْتُ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُل عَيْبٍ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُل عَيْبٍ جَائِزٌ. وَيَبْرَأُ مِنْ كُل عَيْبٍ، وَلاَ يُرَدُّ بِحَالٍ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُشْتَرِي قِبَل الْبَائِعِ. فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَبْرَأُ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ، وَمِنْ بَابِ الْغَبْنِ وَالْغِشِّ إِذَا عَلِمَهُ وَذَلِكَ لأَِثَرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقَدْ بَاعَ غُلاَمًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَقَال الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلاَمِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ ﵁ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ: لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ بِالْبَرَاءَةِ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ،

فَصَحَّ الْعَبْدُ عِنْدَهُ، فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.

وَالْقَوْل الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ كُل عَيْبٍ فِي الْحَيَوَانِ لاَ يَعْلَمُهُ دُونَ مَا لاَ يَعْلَمُهُ، وَلاَ يَبْرَأُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ بِحَالٍ (١) .

رِضَا الْبَائِعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ:

٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى رِضَا الْبَائِعِ وَلاَ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِرَادَةِ الْمُشْتَرِي الْمُنْفَرِدَةِ (٢) وَذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلاَقِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الزَّوْجَةِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ رِضَا الْبَائِعِ أَوْ حُكْمُ حَاكِمٍ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَمَّا إِذَا كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي حُصُول

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٧١، ١٧٢، والقوانين الفقهية ص٢٧٠، وبداية المجتهد ٢ / ١٦٠، وروضة الطالبين ٣ / ٤٧٠، ٤٧١، وشرح الروض ٢ / ٦٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٩٧.

(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٩١، والمهذب للشيرازي ١ / ٢٨٤، والمغني لابن قدامة ٤ / ٢٧٣.

الرَّدِّ بِقَوْل الْمُشْتَرِي دُونَ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءِ قَاضٍ أَوْ تَرَاضٍ.

تَمَسُّكُ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مَعَ الأَْرْشِ:

٢٢ - إِذَا تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَالْمُطَالَبَةِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ. دُونَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَى الْمَبِيعِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ تَصَرُّفٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَيُعْطِي لِلْمُشْتَرِي الْحَقَّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالأَْرْشِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:

أَوَّلًا - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَيَأْخُذَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ؛ لأَِنَّ الْفَائِتَ وَصْفٌ، وَالأَْوْصَافُ لاَ تُقَابَل بِشَيْءٍ مِنَ الثَّمَنِ فِي مُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِزَوَال الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ بِأَقَل مِنَ الْمُسَمَّى فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي أَيْضًا مُمْكِنٌ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَضَرُّرِهِ، وَلأَِنَّ التَّمَسُّكَ بِالْمَعِيبِ دَلاَلَةٌ عَلَى الرِّضَا بِهِ وَيُمْتَنَعُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ أَوِ الرَّدِّ (١) .

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٤٠٣، بدائع الصنائع ٥ / ٢٨٨، روضة الطالبين ٣ / ٤٧٨. . وحديث: " جعل مشتري المصراة بالخيار ". . أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٦١) ومسلم (٣ / ١١٥٥) من حديث أبي هريرة.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بِبَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ لِشَيْءٍ مِنْهُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُل وَلَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُل وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ لاَ تَمَامَ لَهَا قَبْل الْقَبْضِ، وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْل تَمَامِهَا بَاطِلٌ.

وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُل بِكُل الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُل وَاسْتَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ قَدْرَ الْمَعِيبِ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.

وَإِنْ كَانَ أَشْيَاءَ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْكُل إِلاَّ عِنْدَ التَّرَاضِي، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. (١)

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُشْتَرِي شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ رَدُّ الْبَعْضِ إِنْ كَانَ الْبَاقِي مَا زَال مِلْكَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْقِيصِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ جَازَ عَلَى الأَْصَحِّ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي زَال عَنْ مِلْكِهِ بِأَنْ عَرَفَ الْعَيْبَ بَعْدَ بَيْعِ بَعْضِ الْمَبِيعِ، فَفِي رَدِّ الْبَاقِي طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٨٧.

بِالْمَنْعِ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي مِلْكِهِ. (١)

ثَانِيًا: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا وَجَدَ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعُيُوبِ عِنْدَهُ. فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا

فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الْحَيَوَانِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يُمْسِكَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ.

وَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَمَالِكٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَيَقُول: إِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَجِبِ الرَّدُّ وَوَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْبِ وَهُوَ الأَْرْشُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَجَبَ الرَّدُّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتَمَسَّكُ بِإِسْقَاطِ الْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

وَإِمَّا الْعُرُوضِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الأُْصُول، وَقِيل: إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الأُْصُول فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ رِزْقٍ، وَكَانَ يَقُول: إِنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الأُْصُول وَالْعُرُوضِ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيل فِي الأُْصُول أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْعُرُوضِ. (٢)

وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يُمْسِكَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْمُشْتَرِي سِلْعَتَهُ

_________

(١) روضة الطالبين ٣ / ٤٨٦.

(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢١ - ١٢٣، بداية المجتهد ٢ / ١٥٥، والشرح الصغير ٣ / ١٨٢، ١٨٣.

وَيُعْطِيَهُ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ فَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِلاَّ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَال: لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الْمَعِيبُ الأَْكْثَرَ وَالسَّالِمُ الأَْقَل بَاقِيًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَفُتْ فَالْجَمِيعُ يَرُدُّهُ، وَيَأْخُذُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّمَسُّكُ بِالأَْقَل السَّالِمِ وَرَدُّ الأَْكْثَرِ الْمَعِيبِ، وَلَوْ فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَكَانَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مُطْلَقًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ إِلَى جَمِيعِ الْمَبِيعِ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ إِنْ وَقَعَتْ ثَمَنًا، أَوْ بِنِسْبَةِ قِيمَةِ الْمَعِيبِ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ.

وَقَال أَشْهَبُ: يَرْجِعُ شَرِيكًا فِي الثَّمَنِ الْمُقَوَّمِ بِمَا يُقَابِل الْمَعِيبَ.

وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَرْجِعُ شَرِيكًا فِي الثَّمَنِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ، وَشَبَّهَ فِي رَدِّ الْجَمِيعِ أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْجَمِيعِ، أَوْ يَتَمَسَّكُ بِالْبَعْضِ السَّالِمِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْكْثَرَ كَأَحَدِ مُزْدَوِجَيْنِ مِنْ خُفَّيْنِ وَنَعْلَيْنِ وَسِوَارَيْنِ وَقُرْطَيْنِ وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ - مِنْ كُل مَا لاَ يُسْتَغْنَى بِأَحَدِهِمَا عَنِ الآْخَرِ - فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ إِلاَّ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ.

وَلَوْ كَانَ الْمَعِيبُ أُمًّا وَوَلَدَهَا، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مِنْهُمَا وَالتَّمَسُّكُ بِالسَّلِيمِ وَلَوْ

تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلَدِهَا، مَا لَمْ تَرْضَ الأُْمُّ بِذَلِكَ.

كَمَا لاَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالأَْقَل إِنِ اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فِي صَفْقَةٍ وَالْبَاقِي لَمْ يَفُتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ فَاتَ فَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّ مَا اسْتُحِقَّ مِنَ الثَّمَنِ.

وَإِذَا مَنَعَ التَّمَسُّكَ بِالأَْقَل إِذَا اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ تَعَيَّنَ الْفَسْخُ بِرَدِّ الأَْقَل وَالرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ يَتَمَسَّكُ بِالْبَعْضِ الْبَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ وَالأَْوْزَاعِيُّ؛ لأَِنَّهُ كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل انْحَل مِنْ أَصْلِهِ حَيْثُ اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ أَوْ تَعَيَّبَ، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الأَْكْثَرِ كَاسْتِحْقَاقِ الْكُل، وَإِذَا تَعَيَّبَ الأَْكْثَرُ وَرَدَّهُ كَانَ كَرَدِّ الْكُل، فَكَانَ تَمَسُّكُ الْمُشْتَرِي بِالأَْقَل السَّالِمِ كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ الآْنَ، بِخِلاَفِ رَدِّ غَيْرِ الأَْكْثَرِ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ.

وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ رَدَّ الأَْكْثَرِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ بِالتَّقْدِيرِ قَائِلًا: هَذِهِ جَهَالَةٌ طَارِئَةٌ (١) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْنْوَاعِ قِيمَةً، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَْنْوَاعِ قِيمَةً فَلاَ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢١، الشرح الصغير ٣ / ١٨٢، ١٨٣، بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ١٥٥.

خِلاَفَ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ بِعَيْنِهِ فَقَطْ وَكُل مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَوَّمِ الْمُعَيَّنِ الْمُتَعَدِّدِ.

وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ وَالْمُقَوَّمُ الْمُتَّحِدُ وَالْمَوْصُوفُ فَحُكْمُهُ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ، فَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ عَشْرَةَ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةً أَوْ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ أَوْ أَوْسُقَ مِنْ قَمْحٍ فَاسْتَحَقَّ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلاَ يَنْقُضُ الْبَيْعَ، بَل يَرْجِعُ بِمِثْل الْمَوْصُوفِ أَوِ الْمِثْلِيِّ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، وَبِالسَّالِمِ وَالْمَعِيبِ فِي الْعَيْبِ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مُتَّحِدًا كَدَارٍ وَغَيْرِهِ فَاسْتَحَقَّ الْبَعْضَ قَل أَوْ كَثُرَ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَسُّكِ وَالرَّدِّ. (١)

وَجَازَ رَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ غَيْرَ الشَّرِكَةِ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْعٍ مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ، اشْتَرَيَاهُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَاطَّلَعَا فِيهِ عَلَى عَيْبٍ وَلَوْ أَبَى الْبَائِعُ فَقَال: لاَ أَقْبَل إِلاَّ جَمِيعَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ.

وَأَمَّا الشَّرِيكَانِ فِي التِّجَارَةِ إِذَا اشْتَرَيَا مَعِيبًا فِي صَفْقَةٍ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ وَقَبُول الْجَمِيعِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنِ الآْخَرِ.

وَجَازَ لِمُشْتَرٍ مِنْ بَائِعَيْنِ غَيْرِ شَرِيكَيْنِ رَدُّ نَصِيبِهِ دُونَ الرَّدِّ عَلَى الآْخَرِ. (٢)

_________

(١) الشرح الصغير ٣ / ١٨٤.

(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢٢، ١٢٣.

ثَالِثًا: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا أَرَادَ إِمْسَاكَ الْمَعِيبِ وَأَخْذَ أَرْشِ النَّقْصِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرِ الرَّدُّ، رَضِيَ الْبَائِعُ بِدَفْعِ الأَْرْشِ أَوْ سَخِطَ بِهِ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ لَهُ الأَْرْشُ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ. وَلأَِنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنَ الْمَبِيعِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ فَبَانَتْ تِسْعَةً، وَلأَِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ، فَكُل جُزْءٍ مِنَ الْعِوَضِ يُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَوَّضِ، وَمَعَ الْعَيْبِ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهِ وَهُوَ الأَْرْشُ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا، كَشِرَاءِ حُلِيٍّ بِفِضَّةٍ بِزِنَتِهِ. (١)

وَإِنِ اشْتَرَى رَجُلٌ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، أَوِ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ نَحْوَهُ فِي وِعَاءَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَدُّهُمَا مَعًا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالأَْرْشِ؛ لأَِنَّ فِي رَدِّ أَحَدِهِمَا تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لاَ يُفَرِّقَهَا - أَشْبَهَ رَدَّ بَعْضِ الْمَعِيبِ الْوَاحِدِ - فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَعِيبَيْنِ وَبَقِيَ الآْخَرُ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِتَعَذُّرِ رَدِّ التَّالِفِ، وَالْقَوْل

_________

(١) المغني ٤ / ١٦٢، ١٦٣، وكشاف القناع ٣ / ٢١٨، ٢٢٥.

قَوْل الْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ التَّالِفِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ.

وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا وَالآْخَرُ سَلِيمًا، وَأَبَى الْمُشْتَرِي أَخْذَ الأَْرْشِ عَنِ الْعَيْبِ فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ لِلْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ، وَلاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي رَدَّ السَّلِيمِ لِعَدَمِ عَيْبِهِ إِلاَّ أَنْ يَنْقُصَهُ تَفَرُّقٌ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ يَحْرُمُ تَفْرِيقٌ كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا وَنَحْوِهِ كَأَخِيهَا، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، بَل لَهُ رَدُّهُمَا مَعًا أَوِ الأَْرْشُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ أَوْ لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ. (١)

وَأَمَّا طُرُقُ إِثْبَاتِ الْعَيْبِ وَمَوَانِعُ الرَّدِّ بِهِ فَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ

(خِيَارُ الْعَيْبِ ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا)

الْعَيْبُ فِي الصَّرْفِ:

٢٣ - الصَّرْفُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا بِمُعَيَّنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ.

وَالْعَيْبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَالْعِوَضَانِ إِمَّا أَنْ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٤ / ١٦٢، ١٦٣، كشاف القناع ٣ / ٢١٨، ٢٢٥.