الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١

فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ كَسُوسِ الْخَشَبِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ الْمُرِّ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عَيْبًا، وَلاَ قِيمَةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّدَّ فَيَعْمَل بِهِ؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ غَرَضٌ وَمَالِيَّةٌ، وَالْعَادَةُ فِي الرَّدِّ كَالشَّرْطِ (١) .

١٤ - وَإِنْ كَانَ لِفَاسِدِهِ قِيمَةٌ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ مَا دَامَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ وَقْتَ الرَّدِّ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْقَبْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ بِالْكَسْرِ، فَلَوْ رُدَّ لَرُدَّ مَعِيبًا بِعَيْبَيْنِ، فَانْعَدَمَ شَرْطُ الرَّدِّ. (٢)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ قَبْل التَّغَيُّرِ كَالْبَيْضِ، فَكَسَرَهُ وَوَجَدَهُ فَاسِدًا مُنْتِنًا لاَ يُؤْكَل فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي كَسْرِهِ، دَلَّسَ الْبَائِعُ أَمْ لاَ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ كَالْبَيْضِ الْمَمْرُوقِ إِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ -

_________

(١) الخرشي ٥ / ١٣١.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٨٤، وروضة الطالبين ٣ / ٤٨٤، ٤٨٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٨٦.

كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي أَمْ لاَ - أَوْ لَمْ يُدَلِّسِ الْبَائِعُ وَلَمْ يَكْسِرْهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَسَرَهُ رَدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ، مَا لَمْ يَفُتْ بِنَحْوِ قَلْيٍ فَلاَ رَدَّ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا يَوْمَ الْبَيْعِ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَعِيبٍ وَصَحِيحٌ مَعِيبٌ، فَإِذَا قِيل: قِيمَتُهُ صَحِيحًا غَيْرَ مَعِيبٍ عَشْرَةٌ، وَصَحِيحًا مَعِيبًا ثَمَانِيَةٌ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ وَهُوَ الْخُمُسُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ الْبَيْعِ بَعْدَ الْكَسْرِ وَإِلاَّ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا إِذَا كَسَرَهُ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ لَمْ يَرُدَّهُ، إِذْ لاَ يَدْرِي أَفَسَدَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُبْتَاعِ، قَالَهُ مَالِكٌ، قَال ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهَا وَلَوْ بَيْضَ النَّعَامِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُرَدُّ بَيْضُ النَّعَامِ لِكَثَافَةِ قِشْرِهِ، فَلاَ يُعْرَفُ فَسَادُهُ وَصِحَّتُهُ. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ الرَّدُّ قَهْرًا كَالْمُصَرَّاةِ إِنْ كَانَ لاَ يُوقَفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَسَادِ إِلاَّ بِكَسْرِهِ، وَلاَ يَغْرَمُ أَرْشَ الْكَسْرِ عَلَى الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ.

وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَغْرَمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ.

_________

(١) الخرشي ٥ / ١٣١، حاشية الدسوقي ٣ / ١١٣، ١١٤.

صَحِيحًا فَاسِدَ اللُّبِّ، وَمَكْسُورًا فَاسِدَ اللُّبِّ، وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَنِ.

وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَسَادِ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ الْكَسْرِ فَلاَ رَدَّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَقِيل: يَطَّرِدُ الْقَوْلاَنِ، وَعَلَى هَذَا فَكَسْرُ الْجَوْزِ وَنَحْوِهِ وَثَقْبُ الرَّانَجِ مِنْ صُوَرِ الْحَال الأَْوَّل، وَكَسْرُ الرَّانَجِ وَتَرْضِيضُ بَيْضِ النَّعَامِ مِنْ صُوَرِ الْحَال الثَّانِي. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِمَعِيبِهِ قِيمَةٌ مَكْسُورًا، فَإِنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُ اسْتِعْلاَمُ الْمَبِيعِ بِدُونِ الْكَسْرِ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ عَيْبِهِ وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ؛ لأَِنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَمْنَعِ الرَّدَّ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِهِ؛ كَلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ إِذَا حَلَبَهَا، وَالْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا.

وَقَال الْقَاضِي: لاَ أَرْشَ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَصَل بِطَرِيقِ اسْتِعْلاَمِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ تُعْلَمُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلاَمُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتْلَفُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْحُكْمُ

_________

(١) روضة الطالبين ٣ / ٤٨٥.

فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْل الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي أَيْضًا، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ. وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لاَ يَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ لاَ غَيْرُ هَذَا إِذَا كَانَ كُل الْمَبِيعِ فَاسِدًا. (١)

١٥ - أَمَّا إِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ فَاسِدًا دُونَ الْبَعْضِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْفَاسِدُ كَثِيرًا رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِي الْقَدْرِ الْفَاسِدِ بَاطِلًا، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِذَا بَطَل فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَفْسُدُ فِي الْبَاقِي.

وَإِنْ كَانَ الْفَاسِدُ قَلِيلًا فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَلاَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ قَلِيل الْفَسَادِ فِيهِ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.

وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ فَصَّل تَفْصِيلًا آخَرَ فَقَال: إِذَا وُجِدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٤ / ١٨٦.

كَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ. فَالْبَيْعُ لاَ يَبْطُل؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَانَ الْقِشْرُ مَالًا، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا وَقَبِل قِشْرَهُ وَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَل؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ، وَرَدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْمَعِيبِ جَبْرًا لِحَقِّهِ.

وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ فَاسِدًا فَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ دُونَ الْقِشْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُل، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهُ قَلِيلًا قَدْرَ مَا لاَ يَخْلُو مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِهِ فَلاَ يَرُدُّ وَلاَ يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ لِبَعْضِهِ قِيمَةٌ - كَالْبَيْضِ الْمَمْرُوقِ - فَإِنْ دَلَّسَ بَائِعُهُ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي أَمْ لاَ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ وَلَمْ يَكْسِرْهُ.

فَإِنْ كَسَرَهُ فَلَهُ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَهُ، مَا لَمْ يَفُتْ بِنَحْوِ قَلْيٍ، وَإِلاَّ فَلاَ رَدَّ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ سَالِمًا وَمَعِيبًا. فَيَقُومُ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَعِيبٍ وَصَحِيحٌ مَعِيبٌ. (٢)

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٨٤.

(٢) الدسوقي ٣ / ١١٣، ١١٤.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْفَاسِدُ مِنْ بَيْضٍ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَنَحْوِهِ فِي بَعْضِهِ دُونَ كُلِّهِ رَجَعَ بِقِسْطِ الْفَاسِدِ مِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الْفَاسِدُ النِّصْفَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الرُّبُعَ رَجَعَ بِرُبُعِهِ (١) .

أَثَرُ الْعَيْبِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ:

١٦ - إِذَا وُجِدَ الْعَيْبُ بِشُرُوطِهِ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٢) وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْعُرْفِ، وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ غُلاَمًا فَاسْتَغَلَّهُ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَال الْبَائِعُ: غَلَّةُ عَبْدِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ (٤) وَفِي رِوَايَةٍ - الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٥) وَمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٢٢٤.

(٢) تبيين الحقائق ٤ / ٢٣١، ٢٣٢، الدسوقي ٣ / ١٠٨، مغني المحتاج ٢ / ٦٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٥٩.

(٣) سورة النساء / ٢٩.

(٤) حديث: " الغلة بالضمان ". . أخرجه الحاكم (٢ / ١٥) من حديث عائشة، وصححه ووافقه الذهبي.

(٥) حديث: " الخراج بالضمان ". . أخرجه أبو داود (٣ / ٧٨٠) من حديث عائشة، وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٣ / ٢٢) .

﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَأَدْخَل يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَال: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي (١)

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي رَدِّ السِّلْعَةِ الْمُبَاعَةِ لِلْعَيْبِ وَكَانَ الْعَيْبُ مُنْقِصًا لِلْقِيمَةِ أَوْ مُفَوِّتًا غَرَضًا صَحِيحًا شَرْعًا.

وَقَدْ قَاسَ الْفُقَهَاءُ الْعَيْبَ عَلَى الْمُصَرَّاةِ، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (٢)

وَهَذَا يَدُل عَلَى ثُبُوتِ الْعَيْبِ وَالرَّدِّ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ سَلِيمًا وَلَمَّا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَلأَِنَّ السَّلاَمَةَ فِي الْمَبِيعِ مَطْلُوبَةُ الْمُشْتَرِي عَادَةً؛ لأَِنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي الاِنْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ، وَلاَ يَتَكَامَل الاِنْتِفَاعُ إِلاَّ بِسَلاَمَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ جَمِيعَ الثَّمَنِ إِلاَّ لِيُسَلِّم لَهُ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَكَانَتِ السَّلاَمَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ دَلاَلَةً، فَهِيَ كَالْمَشْرُوطَةِ نَصًّا، فَإِذَا فَاتَتِ الْمُسَاوَاةُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ. (٣)

_________

(١) حديث: " من غش فليس مني ". . أخرجه مسلم (١ / ٩٩) .

(٢) حديث: " من اشترى شاة محفلة فردها ". . أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٦١) .

(٣) المراجع السابقة. ونيل الأوطار ٥ / ٢٤١.

إِعْلاَمُ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ:

١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا عَلِمَ شَيْئًا بِالْمَبِيعِ يَكْرَهُهُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُبَيِّنَهُ بَيَانًا مُفَصَّلًا، وَأَنْ يَصِفَهُ وَصْفًا شَافِيًا زِيَادَةً عَلَى الْبَيَانِ، إِنْ كَانَ شَأْنُهُ الْخَفَاءَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْبَيَانِ وَيَكُونُ آثِمًا عَاصِيًا لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ (١) وَلِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا (٢) وَكِتْمَانُ الْعَيْبِ غِشٌّ وَالْغِشُّ حَرَامٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (٣)

_________

(١) حديث: " لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا. . . ". . أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٥٥) والحاكم (٢ / ١٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٢) حديث: " البيعان بالخيار. . . ". . أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٢٨) ومسلم (٣ / ١١٦٤) .

(٣) حديث: " من غشنا فليس منا ". . أخرجه مسلم (١ / ٩٩) .

١٨ - وَلاَ يَقْتَصِرُ الإِْعْلاَمُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، بَل يَمْتَدُّ إِلَى كُل مَنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، وَيَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ إِذَا انْفَرَدَ بِعِلْمِ الْعَيْبِ دُونَ الْبَائِعِ.

وَوَقْتُ الإِْعْلاَمِ بِالْعَيْبِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالأَْجْنَبِيِّ قَبْل الْبَيْعِ، لِيَكُونَ الْمُشْتَرِي عَلَى عِلْمٍ وَبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْجْنَبِيُّ حَاضِرًا أَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَبَعْدَ الْعَقْدِ، لِيَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. (١)

وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ كِتْمَانِ الْعَيْبِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ مَعَ الإِْثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ (٢) وَصَحَّحَ الْبَيْعَ.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (٣) .

_________

(١) تبيين الحقائق ٤ / ٣١، حاشية الدسوقي ٣ / ١١٩، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٥٩، نيل الأوطار للشوكاني ٥ / ٢٣٩، ومغني المحتاج ٢ / ٦٣.

(٢) حديث: " نهى عن التصرية ". . أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٥) من حديث أبي هريرة.

(٣) تبيين الحقائق ٢ / ٣١، حاشية الدسوقي ٢ / ١١٩، ١٢٠، وحاشية عميرة على المحلي ٢ / ١٩٧، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٥٩. .

شُرُوطُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْبِ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ مَا يَلِي:

أ - أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ قَدِيمًا:

١٩ - وَذَلِكَ بِمَعْنَى: أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءٌ حَدَثَ قَبْل الْعَقْدِ أَوْ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْل الْقَبْضِ وَتَسَلُّمِ الْمَبِيعِ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِزَالَتِهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إِزَالَتِهِ فَلاَ رَدَّ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ كُل عَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةٍ لاَحِقَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَضَمَانُهُ مِنَ الْبَائِعِ لاَ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَيُسَمَّى هَذَا عِنْدَهُمْ بِالْعُهْدَةِ. وَقَدْ عَرَّفَهَا الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا: تَعَلُّقُ الْمَبِيعِ بِضَمَانِ بَائِعِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَهُوَ بِمَثَابَةِ قَيْدٍ عَلَى شَرِيطَةِ قِدَمِ الْعَيْبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَبِنْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إِلاَّ بَعْدَ إِبْرَامِ الْعَقْدِ وَتَمَامِهِ بِالْقَبْضِ، فَكَانَ الأَْصْل أَنْ يَضْمَنَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْعَيْبَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ إِلاَّ فِي الْعُهْدَةِ وَالْجَوَائِحِ (٢) .

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٧٢، ترتيب الأشباه ص ٢٦٣، الفتاوى الهندية ٣ / ٦٦، الدسوقي ٣ / ١٢٩، المهذب ١ / ٤٢٥، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٠، ٣١.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ١٧٧، ١٨٤، والدسوقي ٣ / ١٤٢، والحطاب ٤ / ٤٧٣.